18 اكتوبر 2005

 

 

 

مستقبل الديمقراطية والإصلاح السياسية في العالم العربي

حامد  الحمداني

 

 

شهدت حركة التحرر والديمقراطية في العالم العربي نهوضاً وتطوراً بعد الحرب العالمية الثانية التي انتهت باندحار القوى الفاشية في ألمانيا وإيطاليا واليابان وانتصار الحلفاء ، وبروز الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة كأقوى قطبين في العالم ، وانحسار النفوذ البريطاني والفرنسي بعد أن أنهكتهما الحرب،  وانعقاد مؤتمر سان فرانسسكو في 26 حزيران عام 1945 ، والذي حضرته 49  دولة ، وانتهى بإقرار ميثاق جديد للأمم المتحدة من أجل إقامة نظام ديمقراطي عالمي جديد وتحقيق سلم دائم تنعم في ظله الشعوب .

 

لكن ذلك الأمل الذي راود الشعوب بوجه عام والعالم العربي بوجه خاص بقيام عالم ديمقراطي حقيقي وسلام دائم أخذ يخفت ، حيث بدأ ما عُرف بالحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي اللذين يتخذان نظامين اقتصاديين متناقضين ، وكل يسعى لفرض نظامه على العالم أجمع .

 كان الإتحاد السوفيتي يقدم الدعم والمساعدة للشعوب التي كانت تحت الهيمنة الاستعمارية البريطانية والفرنسية والإيطالية والهولندية من أجل تحررها واستقلالها ، وعلى الضد من ذلك كانت الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين يقفون ضد إرادة تلك الشعوب والحيلولة دون تحررها من الهيمنة الإمبريالية بكل الوسائل والسبل .

لكن حركات التحرر والديمقراطية شهدت انتعاشاً كبيراً في عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي بدعم من الاتحاد السوفيتي ، وتحققت نجاحات كبيرة كان أهمها تحرر جمهورية الصين واستقلال الهند واندونيسيا ، وانتعشت حركات التحرر في مختلف البلدان التي كانت واقعة تحت هيمنة الدول الاستعمارية وكان في مقدمتها البلدان العربية وبلدان جنوب شرق أسيا التي كانت ترزح تحت نير الاستعمار الياباني  .

لكن الشعوب العربية لم تستطع تحقيق حلمها بقيام أنظمة حكم ديمقراطية في بلدانها بعد أن تولى السلطة فيها قوى سياسية ترتبط بصورة أو بأخرى بالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والتي كانت تخوض حرباً باردة مع الإتحاد السوفيتي ، وكان ينتابها القلق من قيام أنظمة حكم ديمقراطية في هذه البلدان ، ولذلك وجدنا هذه الدول تدعم الأنظمة الشمولية والرجعية وتدبر الانقلابات العسكرية في تلك الدول في سعيها لقمع تطلع الشعوب العربية نحو الديمقراطية وبشكل خاص لطلائعها الوطنية والديمقراطية .

 

 وعلى اثر انهيار الإتحاد السوفيتي عام   1991 أصيبت الحركات الديمقراطية في العالم العربي بنكسة كبرى  بعد أن غدت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم ، وفي استراتيجيتها برنامج لقيادة العالم والهيمنة على مقدرات الشعوب عسكرياً واقتصادياً وسياسيا .

و بدأت شوكة القوى الديمقراطية في العالم بوجه عام ، والعالم العربي بوجه خاص تضعف شيئاً فشيئا ًبعد أن فقدت الدعم والمساندة التي كانت تتلقاها من المعسكر الاشتراكي وبدأت الخلافات والتناقضات والتشرذم تتآكلها ، ولاسيما بعد أن شن صدام حسين الحرب على إيران ، ثم بعد أن غزا الشقيقة الكويت ، ومن ثم قيام الولايات المتحدة وحلفائها بشن حرب الخليج الثانية لطرد القوات الصدامية من الكويت ، وأخيراً جاءت الحرب الأخيرة التي انتهت باسقاط النظام الدكتاتوري الصدامي الفاشي في التاسع من نيسان 2003 ، واحتلال العراق من قبل القوات الأمريكية والبريطانية .

 

لقد خلق هذا الوضع الجديد في العالم العربي بوجه عام والعراق بوجه خاص أزمة كبرى ومعانات قاسية لشعبنا العراقي حيث تخوض القوى الصدامية المنهارة حرباً شعواء من أجل استعادة السلطة باسم مقاومة الاحتلال الذي يتخذونه ذريعة لتحقيق أحلامهم المريضة في العودة إلى الحكم من جديد ، وبات أبناء شعبنا وقوداً لهذه الحرب التي تقودها القوى الشريرة .

ومما ضاعف في تعمق الأزمة العراقية تدخل القوى الظلامية القادمة عبر الحدود لتنفذ جرائمها البشعة بعملياتها الانتحارية وزرع المتفجرات في الشوارع والطرق ،والاغتيالات، وعمليات الاختتطاف وذبح الأبرياء على الطريقة الإسلامية !!!.

وزاد في الطين بله محاولة القوى الإسلامية الشيعية ومليشياتها، وقوى الإسلام السلفية السنية التي يقودها ما يسمى ب [مجلس علماء المسلمين] فرض أجندتها المتخلفة على الشعب العراقي لكي يقيموا لنا دولة على غرار دولة طالبان ، أو دولة إيران الإسلامية بقوة السلاح وبالدعم الذي تتلقاه هذه القوى الثلاث من دول الجوار بمختلف الأشكال .

لقد استغلت أحزاب الإسلام السياسي الشيعية اسم المرجعية ، واسم السيد السيستاني في الانتخابات التي جرت لأول مرة بعد سقوط نظام الطاغية صدام حسين ، التخلف الشديد الذي حل بالمجتمع العراقي أبان العقود الأربعة الماضية ،واليأس الذي أصاب المجتمع جراء الحروب الصدامية المجرمة  والحصار الظالم الذي فرضته الولايات المتحدة على الشعب دون الطغمة الحاكمة ، والذي أوصل الشعب العراقي إلى حالة من اليأس من الوضع الاقتصادي والاجتماعي المأساوي الذي لا يمكن الخروج منه إلا بمعجزة إلهية خارقة ، هذا بالإضافة إلى التمزق والتشرذم للقوى الديمقراطية والعلمانية واللبرالية لتحقق الفوز الكاسح في تلك الانتخابات ، وهي اليوم تسعى وتتشبث بتحقيق الفوز في الانتخابات القادمة في نهاية السنة والاحتفاظ بالسلطة ، ومحاولة فرض أجندتها الإسلامية والطائفية مما يشكل تهديداً خطيراً على مستقبل الديمقراطية في البلاد ، وبات على القوى الديمقراطية أن تعي هذه المخاطر وتعيد النظر في حساباتها ، وتركز جهودها على لملمة الصفوف وجمع كل القوى السياسية الديمقراطية واليسارية والعلمانية واللبرالية في جبهة موحدة وتتفق على خطوط عريضة لنهج ديمقراطي تلتزم به جميعاً من أجل تحقيق فوز كبير في الانتخابات التي باتت على الأبواب ، وأن أي تلكأ أو تردد من قبل هذه القوى لا يعني سوى انعزالها وفقدان تأثيرها في مجرى الأحداث ، وتقرير مستقبل البلاد .

أن ما يؤسف له اشد الأسف أن نجد القوى العربية التي ترفع شعار  الديمقراطية تقف إلى جانب القوى المعادية لتطلعات شعبنا في الحرية والسلام والديمقراطية، وتجند وسائل إعلامها لدعم هذه القوى  بدل أن تقف إلى جانب الشعب العراقي المظلوم بحجة مقاومة الاحتلال من دون التفكير بما سيؤول إليه الحال في العراق لو خرجت القوات الأمريكية اليوم ، إنهم بموقفهم الخاطئ هذا لن يؤدي إلا إلى إغراق العراق بالدماء .

ما من أحدٍ من أبناء شعبنا سعى للحرب ، وما من أحد يقبل بوجود قوات الاحتلال على ارض الوطن ، فالحرب فُرضت علينا بسبب إصرار النظام الصدامي على البقاء في السلطة ، ورغم كل المعانات التي قاساها شعبنا على أيدي الطغمة الصدامية خلال 35 عاماً من حكمهم البغيض ، إلا انه كان يتمنى أن يتم إسقاط النظام بأيدي عراقية وليس عن طريق الحرب والاحتلال.

أنه لأمر عجيب أن ترى بعض القوى المنادية بالديمقراطية في عالمنا العربي في الدكتاتور الجلاد صدام حسين قائداً للأمة العربية !!! .

 أتراها قد أصيبت بالعمى السياسي والوطني ؟ أم أنها قد باعت نفسها لذلك الدكتاتور الأرعن الذي قدم من الرشاوى لجانب كبير من القوى السياسية ورجالات الدولة والصحافة والإعلام المرئي  والعديد من الوزراء والنواب ورجال الدين وغيرهم مما فضحته كوبونات النفط التي كشفتها صحيفة المدى والتي وزعها الدكتاتور على هؤلاء كي يقفوا إلى جانب نظامه الفاشي ويدعمونه بكل الوسائل والسبل المتاحة .

 

إن ادعاء الولايات المتحدة بأنها ترمي من حربها لإسقاط نظام الطاغية صدام حسين إلى نشر الديمقراطية في العراق والعالم العربي لا يتفق مع واقع الحال ، فما يجري في العراق اليوم هو كارثة بكل المقاييس فحزب البعث الذي جرى إسقاطه من السلطة يقود أشنع حرب ضد الشعب مستخدماً أبشع الوسائل التدميرية والتخريبية التي تؤدي إلى إزهاق العشرات بل المئات من المواطنين كل يوم بسبب السياسة الخرقاء التي اتبعتها القوات الأمريكية والتي مهدت السبيل لتنامي وتصاعد الإرهاب البعثي وحلفائه الظلاميين من أنصار القاعدة الذين استقدموهم من مختلف أنحاء العالم العربي والإسلامي .

إن الشعب العراقي اليوم يمر بأخطر مرحلة في تاريخه فهو ليس فقط لم  يحصل على الديمقراطية التي وعدته بها الولايات المتحدة ،لكنه بات يعيش في حالة من الخوف والقلق وفقدان الأمان بالإضافة إلى تخريب كافة المنشآت الخدمية الأساسية من ماء وكهرباء وصرف صحي ورعاية صحية وغيرها من الأمور الخدمية و المعيشية الأخرى ، وبات يواجه اليوم طغيان المد الظلامي لأحزاب الإسلام السياسي التي مهدت لهم الولايات المتحدة السبيل للوصول إلى السلطة ، وبات المواطن العراقي يفتقد لأبسط حقوقه الشخصية وحرياته العامة .

إن الولايات المتحدة لا ترمي إلى قيام أنظمة ديمقراطية حقيقية في العراق والعالم العربي ، بل هي تسعى لتفصيل الديمقراطية على المقاس الذي تريده هي وليس الذي تريده الشعوب العربية ، وهي لا زالت تدعم أشرس الأنظمة الدكتاتورية والاوليكارية المتخلفة عن العصر وهذا ما يتناقض ودعواها حول نشر الديمقراطية في العالم العربي والعالم أجمع .

إن الديمقراطية المنشودة لا تقوم إلا بسواعد أبناء الشعوب العربية وكفاحها وتضحياتها لانتزاع حقوقها المغتصبة من قبل حكامها ، وهي تتطلب من  القوى الديمقراطية أن تدرك واقعها وتحلل بعمق الظروف الموضوعية التي يمر بها العالم العربي للخروج ببرنامج عمل واقعي ومدروس تتفق عليه جميعها لأحداث نهضة حقيقية صوب الديمقراطية .

إن الديمقراطية ليست رداء يرتديه المواطنون لكي يصبحوا  ديمقراطيين ولاسيما وأن الشعوب العربية ما زالت تعيش في حالة من التخلف في كافة مجالات الحياة بسبب السياسات التي اتبعتها الأنظمة الحاكمة في العالم العربي ، وتبديدها للثروات الوطنية على أجهزتها القمعية وجيوشها الجرارة والحروب التي زجوا شعوبهم بها ، وما سببته تلك الحروب من خراب ودمار في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصحية وانتشار البطالة والفقر والجهل والأمية ، وإن هذه الأنظمة لن تتنازل طوعاً لشعوبها وتحقق لها الديمقراطية المنشودة .

إن قيام نظام حكم سياسي ديمقراطي في أي من بلدان العالم العربي هو بلا شك  يعتبر المدخل نحو حصول الشعب على حقوقه الديمقراطية في المجالات الاجتماعية والثقافية والصحية فلا ديمقراطية حقيقية دون وجود شعب مثقف يتمتع بحياة اجتماعية تليق بالإنسان وتوفر له كل ضرورات الحياة .

 

إن ما تدعيه الأنظمة الحاكمة في العالم العربي حول خصوصية المجتمع العربي وتأثيرات العادات والتقاليد العربية والإسلامية تتطلب منها عدم التسرع في إجراء الإصلاحات التي باتت ضرورية للنهوض بالشعوب العربية ليست إلا ذريعة تتذرع بها لإطالة أعمار أنظمتها الدكتاتورية التي عفا عليها الزمن ولاسيما ونحن نعيش اليوم في ظل العولمة وعصر الإنترنيت حيث بات العالم  كقرية صغيرة ، وباتت الشعوب العربية على اتصال ودراية بما يدور حولها في مختلف بلدان العالم ، وإن على الطليعة الديمقراطية في العالم العربي أن تستفيد من هذا التطور الذي يجري في عالم اليوم بكل جوانبه الإيجابية وتسخيره في قيادة النضال الذي تخوضه الشعوب العربية من أجل تحررها الحقيقي ومن أجل نيل حقوقها الديمقراطية في مختلف المجالات كاملة غير منقوصة .   

    

للتعليق على هذا الموضوع