14 سبتمبر 2005

 

 

 

فاجعة جسر الأئمة وظاهرة العزاء الشيعي

حامد الحمود

 

ما زالت فاجعة جسر الأئمة التي أدت الى استشهاد حوالي الالف من الاطفال والنساء والرجال تخيم على ذهني وعواطفي مع مرور اكثر من اسبوعين على حدوثها، ومع ان بعض المحطات الفضائىة العراقية تنقل للمشاهدين تهاني عراقيين يعيشون داخل العراق وخارجه لأهالي الضحايا، فإن من الموضوعية بمكان ان افتراض الشهادة للأموات وتمنيها للأحياء لا يمنع من توجيه النقد لمن شجع ويشجع على المبالغة في هذه المظاهر العاطفية الدينية الشيعية في ظل هذا الوضع الامني الخطير، الذي يخيم على العراقيين منذ سقوط النظام، وذهب ضحيته آلاف الابرياء بسبب انفجار السيارات المفخخة التي يزرعها تحالف الجماعات التكفيرية مع اعوان النظام البائد.

 

ان التهاني، وان كانت بالاستشهاد، قد تغطي التهرب من المسؤولية، وتظهر عبثا بالنفس الانسانية، كما ان تمنياته ان يكون هؤلاء البسطاء الفقراء من الشيعة العراقيين قد عاشوا ليروا عراقا اكثر سلاما واستقرارا وازدهارا، ليس تحديا لإرادة الخالق، وانما دعوة لمراجعة النفس والاباحة عما تكتنزه من عواطف محبة لملايين العراقيين من الشيعة، والذين لم يكافأوا منذ سقوط النظام الذي اضطهدهم الا بالمشاركة في المواكب الحسينية او بتشجيعهم على ضرب صدورهم او جرح جبهاتهم بأدوات حادة، واظهار ذلك على شاشات محطات فضائية عراقية كرست جل برامجها لهذا النحو من الشحن العاطفي الطائفي، إن تحويل هذه الفاجعة الى مناسبة تقدم فيها التهاني لذوي الضحايا لا يتعدى ان يكون خداعا للنفس وتقاعسا عن طرح تساؤلات جريئة تهدف الى حماية الاحياء وتحسين احوالهم المعيشية، فعسى ان يظل النحيب الذي سمعناه من الامهات اللاتي فقدن اطفالهن والحزن والاسى على وجوه اهالي واصدقاء الضحايا في ذاكرة العراقيين خصوصا رجال الدين والمسؤولين، يحثهم على البحث عن اسباب الفواجع التي تلم بالعراقيين، مثل هذه التي ألمت بهؤلاء البسطاء والفقراء الذين فقدوا حياتهم على جسر الأئمة. ربما عليهم ان يتذكروا اصدقاء ذلك الطفل الشهيد الذي يدعى علاوي، والذي قابلت محطة العربية اصدقاءه المفجوعين وكم تمنوا ان يكون علاوي بينهم يشاركهم لعبهم ومرافقا اياهم الى المدرسة. هؤلاء الاطفال يستحقون ان يستمتعوا بطفولتهم، ان يتناولوا غذاء افضل، وان يدرسوا في مدارس ارقى، وان يكون طموحهم ابعد من المشاركة في المواكب الدينية والضرب على الصدور، وتجريح الجسد، والتي اصبحت ممارساتها السمة الرئيسية للهوية الشيعية، ولا شك ان البحث عن جذور او تاريخ هذه الممارسات قد يساعد على فهمها والتخلي عنها ليكون التعبير عن حب آل البيت بوسائل أخرى، حيث إن آل البيت لا يريدون الضرر بمحبيهم.

 

كنت اقرأ رواية اسم الوردة العام الماضي للروائي واستاذ الفلسفة الايطالي امبرتو ايكو والتي تتشكل حبكتها حول لغز جريمة في دير للرهبان في القرن الرابع عشر، ويمتد موضوعها لطرح الافكار الدينية الكاثوليكية المختلفة آنذاك، وقد لفت نظري ان من ضمن ما ذكره الكاتب ان احدى الطوائف الكاثوليكية كانت تدعو افرادها للتجمع وسط المدينة حيث يقومون بضرب انفسهم على الصدور، اضافة الى تلاوة بعض النصوص الدينية، ومن ثم تتوجه هذه المجموعة نحو الكنيسة لإتمام الصلوات، فأجأني ايكو بهذه المعلومات التي كان من الطبيعي ان اربطها او اقارنها بالممارسات الشيعية، وللمتابعة، شاركت هذه المعلومة صديقا نجفيا كان قد درس لدى اهم المراجع الدينية في النجف الاشرف، والذي اكد كذلك معرفته بالجذور المسيحية لهذه الممارسات الشيعية، واقترح ان اقرأ كتاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي للدكتور علي شريعتي المفكر الاسلامي الكبير الذي اغتالته مخابرات شاه ايران عام 1977. وقد حصلت على الكتاب، ورأيت انه تضمن مقدمات تشيد بالكاتب الشهيد لكبار من رجال الدين الشيعة مثل آيات الله طالقاني وبهشتي وخامنئي. ويبدو ان الجذور المسيحية لممارسات مثل اللطم وايذاء النفس بالآلات الحادة ولبس السواد كلها ممارسات مسيحية ادخلها الصفويون على الطقوس الشيعية.

 

ولتوضيح ذلك ليسمح لنا القارئ بالتوسع من الاقتباس من هذا الكتاب القيم للشهيد شريعتي، حيث يؤكد نوايا الصفويين بإدخال بعض الطقوس المسيحية على الطقوس الشيعية، فقد كتب الشهيد شريعتي:

 

"ذهب وزير الشعائر الحسينية الى اوروبا الشرقية وكانت تربطها بالدولة الصفوية روابط حميمة يكتنفها الغموض، واجرى هناك تحقيقات ودراسات واسعة حول المراسيم الدينية والطقوس المذهبية والمحافل الاجتماعية المسيحية واساليب احياء ذكرى شهداء المسيحية والوسائل المتبعة في ذلك حتى انماط الديكورات التي كانت تزين بها الكنائس في تلك المناسبات، واقتبس تلك المراسيم والطقوس وجاء بها الى ايران، حيث استعان ببعض الملالي لإجراء بعض التعديلات عليها كي تصبح صالحة لاستخدامها في المناسبات الشيعية وبما ينسجم مع الاعراف والتقاليد الوطنية والمذهبية في ايران، مما ادى بالتالي الى ظهور موجة جديدة من الطقوس والمراسم المذهبية ليس لها سابقة في الفولكلور الشعبي الايراني ولا في الشعائر الدينية الاسلامية، ومن بين تلك المراسيم النعش الرمزي والضرب بالزنجيل والاقفال والتطبير واستخدام الآلات الموسيقية وأطوار جديدة في قراءة المجالس الحسينية جماعة وفرادى، وهي مظاهر مستوردة من المسيحية بحيث بوسع كل إنسان مطلع على تلك المراسيم ان يشخص كيف ان هذه ليست سوى نسخة من تلك!".

 

ولا شك ان اغلب رجال الدين الشيعة ضد هذه الممارسات لكن عادة ما يرفض البسطاء من الناس تعاليم حكمائهم لتغيير سلوكيات شبوا عليها، ويذكر الدكتور شريعتي ان المباشرين لهذه الاعمال من لطم وايذاء للنفس يدركون موقف علمائهم المعارض، حتى ان احدهم واجه احد العلماء بالقول إننا نصغي لكم احد عشر شهرا في السنة، ولكن عليكم انتم ان تصغوا لنا في شهر محرم.

 

لكن ما نقرأ ونسمع ونشاهد على بعض الفضائيات ان هناك من يريد تحويل جميع اشهر السنة في العراق الى محرم الى درجة ان مشاهد اللطم وبعضها ينقل على الهواء اصبحت جزءا رئيسيا من برامج بعض المحطات الفضائية العراقية حتى ان الهوية الشيعية اختزلت بممارسة اللطم، ولأن المسألة تجاوزت شهرا او مناسبة معينة، فعسى ان يقوم رجال الدين الشيعة بدور اكبر في تنوير عقول هؤلاء البسطاء. هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى، فلم يعد الشيعة كثرة عددية واقلية في السلطة، بل اصبح العراق والى حد كبير يحكم من احزاب شيعية. لذا يظل التساؤل قائما عما إذا كانت هذه الاحزاب تريد ان تلهيهم بهذه الممارسات، او ان تسعى لتغيير احوالهم الاقتصادية؟ وربما سيكون عدد المشاركين في هذه المواكب الدينية والممارسات اللطمية مقياسا لدرجة تحول معاش هؤلاء الفقراء من العراقيين، هؤلاء الذين اضطهدوا من قبل النظام السابق. هل ستكون مكافأتهم مقصورة على مشاركتهم في مناسبات دينية حرمها منهم ذلك النظام، ام انها ستمتد لتحسين احوال مساكنهم ومدارس ابنائهم؟ فبيوتهم وقراهم لم تشهد بنيتها التحولات المعمارية التي شهدها القرن العشرون بعد.

 

لم تتسبب كارثة طبيعية بفاجعة جسر الأئمة، وان غاب هؤلاء الاطفال والنساء والرجال عن اهليهم شهداء، فإن ذلك لن يزيل الاسى من قلوب اهلهم واصدقائهم. ولعلنا جميعا نحن المسلمين نبحث عن معان جديدة للشهادة، وان لا نشعر بحرج ان وجدنا انفسنا نحب الحياة، وان تكون حياة افضل.

 

للتعليق على هذا الموضوع