28 نوفمبر 2005

 

 

وداعاً دار الأوبرا!

هالا محمد

 

وداعاً دار الأوبرا. عشنا نحلم بك ثلاثين عاماً، عشنا دونك ثلاثين عاما. بوسعنا اليوم العيش بعيداً عنك إلى أن تتغير العقلية التي تتحكم بك وبعلاقتنا معك. كما كان بوسعنا العيش طويلا بعيداً عن أحلام نسيناها لكي نحيا.

 

 

صدقنا غواية دار الأوبرا الوطنية الجميلة، دار الأسد للثقافة والفنون. صدقنا المساحات الفسيحة المخصصة للفن والحوار والتواصل والذوق والأناقة. صدقنا الطاولات الخشبية المربعة الحارة في الطابق الثاني، والكراسي الأربع تلتف حول كل منها. صدقنا الموزاييك الجميل والصَدَفْ في الردهات الفسيحة. وبعد انتهاء عرض فيلم "علاقات عامة" لسمير ذكرى ضمن فعاليات مهرجان دمشق السينمائي الحالي، جلسنا على إحدى الطاولات. المخرج الروسي غلوشنكو، مديرة مهرجان نيودلهي آرونة، هيثم حقي، أسامة محمد، وأنا هالا محمد. سمير ذكرى كان قادما إلينا من وسط الجمهور الذي يحتفي بهوبفيلمه يصحبه مدير التصوير البرتغالي إلزو روك الذي قال في بداية عرض الفيلم: وريا صارت وطني الثاني.

 

غلوشنكو كان يبحث عن المخرجين السوريين الذين عرفهم منذ ثلاثين عاما في موسكو في "معهد فغيك للسينما ". وحين رأى الثلاثة معا سمير وهيثم وأسامة، ترقرقت عيناه بالدمع. جلس إلى الطاولة وأخرج من كيس يحمله هدايا كان يرجو أن يلتقي بأصحابها قبل أن يغادر صباحاً إلى موسكو. وأخرج من حقيبته كاميرا فيديو وكاميرا ديجيتال واحتار كيف سيسجل اللحظة العاطفية هذه. وأخذ يكرر: أنا في سوريا معكم! من تحلق حول الطاولة استمتع بالدفء والصداقة. ومن لم يفهم الروسية، فهم بريق العيون. زمن هذا اللقاء وشحنته الانسانية كان سريعا كحلم لا تتعدى صلاحيته الدقائق العشرة. خلاله جاءنا الأمر من الصبية المسؤولة في القاعة الجميلة هذه: يجب مغادرة المكان. هذا العرف عندنا. "ممنوع الجلوس بعد انتهاء العرض". رجوتها السماح لنا ببعض الوقت لاستكمال اللقاء المصور، الذي لن يطول. رجوتها خمس دقائق إضافية لأن في الخارج برد. ثم أشرت مستغيثة بالكراسي والطاولات التي وضعت خصيصاً لنا نحن الجمهور. فقالت: سأذهب لاخراج السيدة والشباب هناك وأعود، قلت لكم هذا عرف الدار.

 

نهضنا على الفور، صار التصوير على الواقف والماشي، آرونة الهندية مسحورة بهذا المكان الجميل.

 

المخرج الروسي طلب صورة للنشر في موسكو على الدرج. تحلقنا حوله لالتقاط صورة جماعية، طلبت مديرة مهرجان نيودلهي أن نرسلها لها في البريد الالكتروني لتحتفظ بالذكرى، وأنا مازحت صديقا لا يزال فوق في القاعة الجميلة مع بعض أصحابه: "شو ما قلعوك"؟

 

وابتسمنا بخجل من يحاول الالتفاف على الطرد العرفي ( هذه أعراف الدار) ولفلفته أمام الأجانب وأمام أنفسنا للحق أولاً.

 

قالت الصبية بلهجة آمرة طالما اعتادها المواطن في حياته: ممنوع التصوير هنا الآن، سنغلق، اذهبوا وصوروا في الخارج. وانقض شاب على المصور أيهم ديب ممسكاً بالكاميرا صارخا به: ( قلنا لك خلص) أيهم تمسك بالكاميرا والشاب التصق به مانعا إياه من التصوير دافعا إياه على الدرج. أسامة محمد تدخل في هذه اللحظة وقال: يا شباب والله شي بخجل أصدقاءنا ضيوف المهرجان أجانب وطلبوا صورة طولوا بالكن. الروسي والهندية والبرتغالي ذهلوا. ردت الصبية على أسامة صارخة: أنت ما دخلك حلّ من هون بسرعة مشيرة إلى الخارج صائحة بالمصور بدنا نكسر الكاميرا على راسك. المصور أيهم راح يدافع عن نفسه ويلتقط الصور لهم وهم يصرخون ويرفعون قبضاتهم المهددة. أنا ظننت

نفسي صاحبة حق! ليس على الصبية بالتأكيد التي تنفذ بإخلاص ما طلب منها، لكن صاحبة حق على دار الأوبرا, قلت لها بيني وبينها: هذا مكان حضاري راقي، من حقنا أن نتعامل فيه بشكل حضاري. فردت: إذا مو عاجبك لا عاد تجي عليها. هنا تدخل المخرج هيثم حقي وقال لها: الأوبرا لنا، وليست ملكا لأحد، نأتي حين نرغب. فهجم عليه شاب وقال له : اخرج من هنا. سمير ذكرى تدخل هنا وقال: لا يمكن تصديق ما يحدث معنا يا جماعة نحن مخرجون سوريون، أنا صاحب الفيلم، هجم عليه شاب وقال له:.... اطلع برا ولاه. سمير ونحن والأجانب انقلعنا من دار الأوبرا والشتائم كالحجارة وراءنا: أدعياء ثقافة.. مرتزقة.. تسيئون إلى الوطن في هذه الظروف الصعبة.. مومياءات.. قليلين ذوق.. ما بينفع معكن الذوق. أنا شخصيا أصبت بحزن عميق. كنت أظن أن الحب بيننا أقوى من العنف. اتصلت بالأستاذ محمد الأحمد المدير العام للمؤسسة العامة للسينما، الرجل الذي بذل كل هذا الجهد ليأتي المهرجان على هذا التنظيم رغم كل الظروف، وشكوت له سوء معاملتهم لنا. قلت له: من يعطي هؤلاء الشباب القائمين على ضبط الدار، الإحساس أن باستطاعتهم استباحة الناس، كل الناس. ممارسة العنف ضدهم. ولو كانت الأوامر المعطاة عكس ذلك لما تصرف هؤلاء الشباب بهذه الطريقة. هدأني واعتذر منا ومن الأجانب.

 

ورغم الأسى قلنا عل الأمر لا يعدو تصرفاً لشباب متحمس لمهمته. لكننا فوجئنا اليوم بورقة تكيل لنا الشتائم من قلة الأخلاق والموميائية وادعاء الثقافة... معلقة على مدخل دار الأوبرا ليقرأها القاصي والداني. تشتمنا هيثم، سمير، أسامة، وأنا، ويوسف عبدلكي (حسب ما ظنه المثقف صاحب الشتائم وهو المخرج الروسي غلوشنكو لبياض

شاربيه وشعره).

 

قال لي هيثم: إذا فكرنا بالأمر بروية، أعتقد أنهم حقا لا يريدوننا أن نأتي إلى دار الأوبرا. فالذين تهجموا علينا يعرفوننا ويعرفون مكانتنا لكنهم فعلوا ذلك قصداً ليكون الحادث عبرة للجميع. والصبية التي نتمنى لها التوفيق في مهمتها الخاصة، كانت محقة وأوامرها واضحة: ما عجبكن لا تجوا عالدار. وتعليق ورقة الشتائم كان خير دليل.

 

علينا أن نطوي سنين الانتظار الثلاثين ونتبعها بسنين أخرى. علنا نستطيع في يوم من الأيام أن ندخل هذه الدار دون أن يهيننا أحد.

 

وداعاً دار الأوبرا!

 

للتعليق على هذا الموضوع