14 أغسطس 2005

 

حكم البابا

كتاب في الخوف 4

 

 

 

 

لايـبـرره التـزلف للســلطة ولا طمأنة الشعب:

هل يكف المحلل السياسي السوري

عن بيع كليشيهات التفاؤل الكاذب ؟

 

 

بأغلبية 398 عضواً في مجلس النواب الأمريكي البالغ عدده 435 عضواً ،ومعارضة أربعة أعضاء فقط تم تمرير قانون محاسبة سورية ،لينتقل بعدها إلى مرحلة أخرى هي مجلس الشيوخ الذي وقّع 76 عضواً فيه من أصل مائة على مشروع هذا القانون ،مما يعني خطأ المراهنة على نوايا طيبة لدى الادارة الأمريكية أو فريق منها ،كما حاول عدد من المحللين والمعلقين السياسيين القريبين من الأوساط الرسمية السورية تسويقها ،معتمدين إما على معلومات قديمة عن تعاون استخباري بين سوريا والولايات المتحدة وتحديداً في موضوع تنظيم القاعدة ، أو مستندين إلى القول المأثور (تفاءلوا بالخير تجدوه) ،وجاء تصويت الـ 398 عضواً في مجلس النواب ليوقف كم التعليقات السياسية لأؤلئك المحللين الذين كانوا ينطلقون في قراءاتهم اللاسياسية من أحد موقعين ،فإما أنهم يدركون حجم المشكلة الحقيقي بين الولايات المتحدة وسورية ،ولكنهم يسوقون أملاً كاذباً ويبيعون تفاؤلاً هشاً ويرشون على الموت سكر كما يقال ،لكسب ود السلطة السياسية في سورية وطمأنتها من جهة ،ولتهدئة خوف المواطن السوري الذي شاهد مافعله الغزو الأمريكي بالعراق على الهواء مباشرة ،والإيحاء له أن مابيننا وبين أمريكا أكبر من تلك الألاعيب الفارغة المتمثلة بمشروع هذا القانون من جهة أخرى ..وإما أنهم يعلقون ويحللون ويتحدثون عن جهل ،ويراهنون على وهم خلافات لأجنحة متصارعة داخل الادارة الأمريكية ،والتي ستصب من وجهة نظرهم لصالح سورية ،دون إداراك لآلية صنع القرار في السياسة الأمريكية ، ظانين أن السياسة تدار هناك بعقليتهم وحسب مخططاتهم ،وعلى طريقة الحواة وضاربي المندل راح هؤلاء المحللين يبنون فرضياتهم ويستخلصون استنتاجاتهم فإما أن تصيب ،وإما أن تخيب !

والآن وبعد أن أظهر تصويت مجلس النواب بأن تحليلاتهم قد خابت غيروا الاسطوانة القديمة ،وانتقلوا للحديث عن عدم أهمية مشروع القانون فهو لن يقدم ولن يؤخر ،وليس بين سورية وأمريكا تبادل اقتصادي يذكر ،وبالتالي سورية لن تتضرر ،بل سيكون الطرف الأمريكي هو الأكثر تأثراً ، وستدفع الشركات الأمريكية وحدها وخاصة العاملة في مجالات استثمرار النفط السوري ثمن تمرير القانون ،وعادوا إلى عزف لحن التفاؤل المرح النغمة لاشاعة أمل كاذب ومخيف في نفس الوقت ،كاذب لأن العولمة لم تبق الشركات مستقلة قومياً ،فما من شركة ألمانية أو يابانية أو غيرها ليس بينها وبين أمريكا تداخل استثماري أو تسويقي ،وبالتالي فمستقبل مشروع هذا القانون لو أقر لن يكون عامل ضغط سياسي فقط يدفع سورية إلى عزلة لن يتمكن لا أصدقاء سورية الأوربيين ،ولا أشقاؤها العرب من اختراقها ومثالي العراق وليبيا لايزالان حاضران أمامنا ،بل واقتصادي ربما يفضي إلى حصار خانق ،وساعتها سنقرأ تحليلات أخرى ربما أكثر غرابة من الحالية لأصحاب نظرية الدنيا حلوة والجو جميل ،على طريقة السيد عماد فوزي الشعيبي الذي صرح لفضائية (العربية) في أوج التهديدات الأمريكية لسورية وبعد احتلال العراق أن "أمريكا ظاهرة صوتية" ، أو السيد مهدي دخل الله الذي قال بالحرف لموقع (البوابة) الالكتروني مع تصاعد التهديدات الأمريكية ان الولايات المتحدة "ليست لديها الكثير من الادوات للضغط علينا ،فنحن لا نأخذ مساعدات غذائية منها ،وليس لدينا معها علاقات تجارية متطورة تستطيع ان تعاقبنا من خلالها ،ولا نطبق برامج صندوق النقد الدولي حتى تستطيع معاقبتنا من خلاله ،ليس هناك آليات ، ممكن ان تهاجمنا عسكريا لا أكثر من هذا" (!!)

من المستغرب فعلاً أن يقوم هؤلاء وأمثالهم بتسويق تلك الآمال الكاذبة والمخيفة التي تتلاعب بمصائر شعوب ،ودرس العراق لايزال أمام العين ولم يدخل الذاكرة بعد ،ومن الطبيعي أن نسألهم على أي معطى نجهله يستندون في تحليلاتهم ؟وهل بإمكان حزام ناسف في فلسطين أو العراق -مع كامل الاحترام لمفهومي المقاومة والشهادة- أن يلجم الوحش الأمريكي ؟وهل محللونا وحدهم فقط الذين فهموا الدرس الفيتنامي والأمريكان من الغباء بحيث لم يفهموه ؟وهل يصح أن نقيس زمننا على زمن الانسحاب الاسرائيلي من لبنان وإن كان قريب زمنياً ،دون أن نمر على تاريخ 11 أيلول الذي أنهى عالماً ومفاهيم ودولاً ؟ وعلى من يراهن هؤلاء المحللون النادرون إذا كان القرار السوري في مجلس الأمن بإدانة الغارة الاسرائيلية على أراضيها لم يحظ بمساندة حتى الأصدقاء الفرنسيين ، وإذا كان النواب الجمهوريان داريل عيسى وراي لحود والديمقراطي كريس جون اللبنانيي الأصل المعروف عنهم تعاطفهم مع القضايا العربية صوتوا مع مشروع قانون محاسبة سورية !!

الآن وسورية على أبواب ضغوط ترقى إلى مستوى التهديد هل نجد من يتساءل عن حفرة الوهم التي حفرها المحللون السياسيون بحسن أو بسوء نية لافرق الآن ، وبهدف الطمأنة للسلطة أو للشعب بأن الأمر تجري حسب تحليلاتهم مما جعل الآخرين -مدفوعين بالرغبة لا بالوقائع- يثقون بما لايمكن الوثوق به ، وماالذي قدمته كل المهمات التي قامت بها ،والحملات التي قادتها ،والمحاضرات التي ألقتها ،والمقالات التي كتبتها مديرة الاعلام السابقة في الخارجية السورية د.بثينة شعبان في الولايات المتحدة الأمريكية لتحسين صورة سورية فيها ،وكسب التأييد لها فجاءت النتيجة عكسية تماماً ، وهو ماكان معلوماً للناس في سورية ، لأن أبسط قواعد المنطق تقول : يجب أن تستطيع اقناع مواطنك أولاً ،حتى تستطيع أن تقنع الآخرين ،خاصة إذا كان هؤلاء الآخرين من أعداءك (!) .

ربما لهذا سورية اليوم محتاجة -أكثر من أي وقت مضى- لخطاب إعلامي جديد ،مختلف عن إعلامها الرسمي الذي يعترف الجميع اليوم بأنه لم يدخل عصر الإعلام الحديث ، والذي يعاد انتاجه على ألسنة المحللين السياسيين السوريين وفي كافة الفضائيات بشكل يكاد يكون كاريكاتورياً ،لأن هدفه تقديم الولاء بلغة كليشيهاتية لا قراءة الحدث السياسي، ولذلك أصبح المشاهد يستطيع أن يحزر كل ماسيقوله أي محلل سياسي سوري منذ لحظة ظهوره وقبل أن يتفوه بكلمة !

موقع الرأي الالكتروني 19 /10/2003

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصورة الاعلامية السورية على الفضائيــات العربية :

عمــاد فــوزي الشــعيبي نمــوذجـاً

 

ربما كان على السيد عماد فوزي الشعيبي أن يجد طريقة أخرى أكثر إقناعاً يرد بها علي بدلاً من إنكار ماقاله على مسمع من الملايين في فضائية (العربية) ، حين سئل في بداية حملة التهديدات الأمريكية لسورية بعد احتلال العراق عن قيمة هذه التهديدات فأجاب بأن أمريكا ظاهرة صوتية ، لأني لست الوحيد الذي دهش مما قاله حينها ، ولأن ماقاله كان حديث الشارع ومثار استغرابه في وقت كانت أصوات قاذفات المحتل الأمريكي وقنابله على العراق ماتزال مسموعة في الشارع العربي ، ولن يفيد السيد الشعيبي مطلقاً التشكيك بفهمي الخاطئ لما قاله ، فما يقوله في العادة لايمكن فهمه بطريقتين ، لأن هدف خطابه واضح لايحتمل اللبس كونه ينطلق من اصراره على أن يكون محامي دفاع لا من الصفة التي يُقَدّم بها كمحلل سياسي . ولكني ( وقد رد علي ) أجدها فرصة مناسبة لقول كلام في وعن السيد الشعيبي وتحليلاته كان يجب أن يقال منذ زمن ، وهو كلام لايعبر عن رأي شخصي فقط ، بل يحاول قراءة حالة عدم الارتياح التي ترتسم على وجوه مشاهدين مختلفين في كل مرة ( أكون بالصدفة في عدادهم ) عند سماع صوته في نشرة أخبار معلقاً أو محللاً ، فمنذ ظهوره على الشاشات بقوة قبل سنوات للتعليق على حدث سياسي يخص سورية سواء كان داخلياً أو خارجياً، اختار لنفسه موقع الناطق الرسمي لا قارئ الحدث السياسي ، ليس فقط في محتوى الخطاب الذي يردده ، بل وفي شكل تقديم الخطاب وترداده ، وسأشرح أكثر ..

هناك الكثير من المحللين السياسيين في العالم العربي الذين حسبوا أنفسهم على سياسات حكوماتهم ، ولكن العديد من هؤلاء تركوا مسافة حرية بين خطابهم وخطاب تلك الحكومات ، من أجل ترك فرصة للمناورة مع محاور قد يعارض خطابهم ، أو الايحاء للمستمع أو المشاهد الذي يتابعهم بأنهم منطقيون ومحايدون يقولون مالهم وماعليهم ، أو لاظهار بعض الاحترام لوعيهم وثقافتهم ، وهؤلاء على علاتهم استطاعوا أن يقنعوا مستمعيهم ومشاهديهم إن لم يكن في كل القضايا التي يدلون برأيهم فيها ، ففي بعضها على الأقل ، بحيث نجحوا في عدم تنفير المتلقي من خطابهم وبالتالي خطاب حكوماتهم ، ولتحلي هؤلاء المحللين بمثل هذا الذكاء الذي يعتمد على عدم التطابق مع أي خطاب رسمي تطابقاً كاملاً حتى لو كانوا مقتنعين به جملةً وتفصيلاً، اختاروا أيضا الشكل المريح بالنسبة للمشاهد لترويج أرائهم سواء في طريقة الرد الأريحية على منتقديهم ،أو في نبرة الصوت ،أو في إدخال خضرة لغة الحياة وأمثلتها إلى جفاف لغة السياسة ، بحيث أصبح شكل الخطاب جزءاً من مضمونه ، أو في خدمة مضمونه .

لاأدري ماإذا كان من حسن أو سوء حظ السيد الشعيبي أنه لاينتمي لهذه الفئة من المحللين السياسيين ، ولكنه من حسن حظنا بالتأكيد ، فقد اختار لنفسه ليس التطابق فقط مع الخطاب الرسمي ، بل والتماهي معه وصولاً إلى المزاودة عليه، فهو يرد على كل انتقاد بلغة الالغاء وكأنه يضع الحقيقة في جيبه ، ولأن مفهوم الإلغاء لايمكن اعتماده في إلا القضايا الداخلية فإن نظرية المؤامرة هي البديل المناسب في الحديث عن القضايا الخارجية ، وبذلك تبقى الحقيقة في جيبه أيضاً ! فمنذ أن بدأ الحراك في المجتمع السوري رغبة بالانفتاح والاصلاح ، ووصولاً إلى اليوم يصر السيد الشعيبي أن يبرهن بالدليل القاطع لمن يتوجه له في كتاباته وتعليقاته المتلفزة أنه صوته المعبر وناطقه الرسمي ومنظره الأيديولوجي ومسوّقه السياسي ومبشره الكهنوتي ، ولذلك يظهر خطابه المقروء والمتلفز دائماً أشبه بالمراسلات الشخصية الموجهة إلى صندوق بريد مختلف عن عنوان القارئ ، ويختار مايظن أن المرسل إليه يطرب له . ولأن القارئ لم يعنه أبداً ،لم يعن هذا الأخير به ولا بخطابه ، مما أساء للخطاب نفسه في بعض الأحيان خاصة عندما كان الخطاب الرسمي يتلاقى مع وجهة نظر المواطن ، بسبب أسلوب السيد الشعيبي المعتمد على تسفيه وجهة النظر الأخرى منعاً للحوار ، ورتابة طبقة الصوت وخلوها من الانفعال الانساني وكأنها تصدر عن "آنسر مشين" ، ونبرته التعليمية القاطعة التي تقترب من جهامة مذيعي نشرات الأخبار في التلفزيونات الرسمية العربية أو قراء البيانات العسكرية ، واستخدام التعابير المتعالية كما لو أنه يحاضر في مجموعة تلاميذ جهلة ، وبهذا الأسلوب غير المدرك لطبيعة التقنية التي يمرر عبرها خطابه ، والمتجاهل للمتلقي والمتعالي عليه ، تحولت الدقائق التي يظهر فيها السيد الشعيبي في بعض نشرات الأخبار إلى فاصل مثير للتسلية في بداية الأمر ثم مثير للملل بعد وقت ، وهذا الكلام ليس رأياً سياسياً بالسيد الشعيبي ، بل هو رأي تقني في كيفية حضوره على الشاشة أمام المتفرج .

ربما آن الأوان أن يجد السيد الشعيبي من يقف ليقول له (من بين من يظن أنه ينطق باسمهم) أن الأسلوب الذي يتبعه سواء في المماحكة السياسية أو في شكل انتاجها على الشاشات ، يلحق الخسارة بأكثر القضايا عدالة حين يتبناها ، لأني وغيري من السوريين نشعر بالاحراج فعلا حين يتم اختصار صورة العقل السياسي السوري عمداً على الفضائيات بأداء كاريكاتوري بالفعل ، مع أن ظاهره الجدية البالغة ، وكأن صاحبه ينفذ ماينصح به مخرجي الكوميديا ممثليهم في العادة وهم يصورون عملاً كوميدياً فيقولون لهم : لاتهرجوا ، أدوا الدور بكل مافي مقدرتكم من الجدية ، وعندما تكونون في منتهى الجدية ستحدثون التأثير اللازم لخلق حالة غير محدودة من الاضحاك لدى المتلقي !

موقع الرأي الالكتروني 23/ 10/2003

 

 

 

كلام قديم إلى وزير جديد

الاعـــلام الســوري صــورة عن قرب

 

مع بداية كل تشكيل وزاري في سورية وتوقع اسم جديد لوزارة الاعلام تهب على الصحفيين السوريين رياح أمل بتغيير واقع قاس يعملون من خلاله، لكن النتيجة تظهر عادةً بعد أيام أو أشهر من تسلّم (الوزير- الأمل) بإضافة المزيد من الاخفاقات الاعلامية وتراكم الاحباط النفسي لجموع الصحفيين السوريين، إلى أن أصبح الاعلام السوري مثالاً موفقاً لمن يود الاستشهاد في محاضرة أو ندوة عن الاعلام المتخلف مهنياً والمحدود فكرياً، مما انعكس على سمعة الصحفي السوري، فإعلام سورية لم يقدم خلال سنوات طويلة أي اسم شهير أو معروف في عالم المهنة الصحفية، وغالبية الأسماء السورية التي عرفت أتت شهرتها من تعاملها مع أنواع كتابية أخرى كالقصة أو الشعر أو السيناريو، وبما أنها تعمل في الصحافة فقد حملت شهرتها معها إلى المهنة التي تزاولها، وعدم تداول اسم هام في الصحافة السورية أمر طبيعي في إعلام يعتبر الصحفي موظفاً يُملى عليه، وترسل إليه التوجيهات للتنفيذ، والحجم الكبير للممنوع تداوله في الكتابة لايقارن بضآلة ماهو مسموح الكتابة عنه، وبغياب تنافس بين الصحف في السبق الصحفي وتميز المادة، والاستئثار بالكتاب الهامين، كون هؤلاء يتعرضون للمنع ليس من الكتابة فقط، بل حتى من مجرد ذكر أسمائهم في الاعلام، أصبحت مهنة البحث عن المتاعب المهنة الأكثر راحة في سورية، وأصبح الصحفي أكثر الموظفين كسلاً، يكتب من خلف طاولته، وتعفيه وكالة سانا من تعقب الخبر و الاستئثار به، وحتى من إعادة صياغته، ولأنه يعرف أن الرقيب الذي يرتدي عادة زي رئيس التحرير أو مديره أو أمينه أو رئيس قسم ما في الجريدة سيقف حائلاً بينه وبين متابعة قضية أو تحقيق ميداني ما، فضّل الصحفي السوري اللجوء إلى النشرات التي تصدرها المؤسسات والوزارات السورية وإعادة صياغتها ونشرها باسمه، وفيما بعد لجأ إلى وسيلة أكثر راحة من إعادة الصياغة عبر إرسال نشرة الوزارة أو المؤسسة كاملة للنشر بعد كتابة سطرين في مقدمتها وسطرين في خاتمتها وكفى الله المؤمنين شر القتال، أما بالنسبة للتعليق السياسي فقد اعتبر النوع الأكثر راحة بين أنواع الكتابة الصحفية، فيكفي أن تضع مجموعة كليشيهات معروفة ومكرورة في إطار خبر ما ليصبح تعليقاً يتصدر الصفحة الأولى في أية جريدة سورية، وعلى هذا الأساس تم اختراع الخلطة السرية للصحافة السورية، التي لم تفتقد في كل مراحلها مجموعة من الصحفيين السوريين الذين حاولوا التمرد على هذه الماركة المسجلة والذين كانوا ينعتون بالمشاغبين ويعانون الأمرين من إداراتهم، ويقضون أغلب أيام سنواتهم مرتاحين، ليس على طريقة زملائهم الآخرين الذي سبق ذكرهم، إنما بسبب المنع من الكتابة والعمل، أو النفي إلى أقسام الأرشيف في صحفهم .

حظي هذا النوع من الاعلام بمباركة كل وزراء الاعلام الذين تعاقبوا على تلك الوزارة، وتفنن الكثيرون منهم باختراع طرق خاصة بهم لتحجيم دور الصحافة، واستطاعوا عبر اجراءاتهم المتنوعة إلغاء أي أمل بتبديل واقع الصحافة السورية، وواقع العاملين فيها، ففي عهد ولاية السيد محمد سلمان لوزارة الاعلام التي استمرت ثلاثة عشر سنة تم تطويع الصحفيين نهائياً كموظفين، وأقطعت وسائل الاعلام السورية لمدرائها من قبل الوزير، فكانت الشكاوى عليهم تصب في سلّة مهملات الوزير لا على مكتبه، وتبدلت تبعية الاعلام من إعلام دولة ليصبح إعلام حكومة، وانتقل دوره من الرقابة على أجهزة الحكومة ومؤسساتها إلى النقيض فأصبح ناطقاً باسمها، ومروجاً لعملها، ومخفياً لسوء أدائها، وانتشر بوضوح نوع من الفساد بين الصحفيين هو فساد العمل في المكاتب الصحفية للوزارات والمؤسسات، أو قبض الأعطيات منها، فتحول هؤلاء الصحفيين إلى مدافعين عن مصالح هذه الجهات التي تدفع لهم، يحمونها من الانتقاد على صفحات الصحف التي يعملون بها ماأمكنهم، أو يردون على مايتسرب من انتقادات لايملكون القدرة على منع نشرها، ناهيك عن الأخبار الدعائية لهذه الجهات التي تنشر باستمرار مزينة بصورة المسؤول الأول في هذه الجهة أو تلك .

ومع مجيء السيد عدنان عمران الذي تولى وزارة الاعلام لثلاث سنوات تفاءل الوسط الصحفي بشكل مبالغ به، أولاً لأن سلفه جلس على كرسي الوزارة كل تلك السنوات لدرجة أن جميع الصحفيين فكروا أنهم سينتقلون للحياة الآخرة دون أن يحظوا بفرصة رؤية وزير للاعلام غير السيد محمد سلمان، وثانياً لأنه أتى من الوسط الدبلوماسي مما دفعهم للاعتقاد أن السياسة المفضلة لديه الجزرة وليس العصا، وثالثاً لأن مجيئه ترافق مع وعود الاصلاح، لكن أكبر انجازات السيد عمران تمثلت في دفعه الصحفيين للترحم على سلفه، فقد بدأ عهده بإصدار تعميم يمنع فيه الصحفيين من الكتابة عن أي نشاط من نشاطات وزارة الثقافة السورية إلا بعد موافقة وزيرة الثقافة على مايكتبوه، وأنهاه بتعميم آخر يمنع فيه الصحفيين من الكتابة بأية طريقة من الطرق ( بالقطعة أو بالمراسلة أو بالاسكتاب أو بالتوظيف ) في أية وسيلة إعلامية غير التي يتبعون لها إلا بعد موافقته شخصياً تحت طائلة الوقوع بين فكي المادة 65 من قانون العاملين الأساسي، ومابين التعميمين نفى بعض الصحفيين إلى محافظات أخرى خارج مدنهم لمجرد توقيعهم على بيان، وأغلق جريدة الدومري أول صحيفة مستقلة تصدر في سورية بعد احتكار الاعلام من قبل الدولة لأربعين عاماً، وثبت مفاصل النشر المسؤولين عن تدهور الصحافة السورية في أماكنهم، وكثرت خلال عهده استدعاءات الصحفيين للجهات الأمنية، وكانت حظوة الصحفي لديه تأتي من الهاتف الذي يرن للتوصية به لا من عمله، وشدد القبضة على مراسلي وسائل الاعلام العربية والأجنبية، فبدلاً من احتوائهم تم استعدائهم، وحوّل خطاب الاصلاح إلى مجرد شعار مارس تحته أشد أنواع كم الأفواه، وكتبت العديد من المقالات في الصحف العربية، ونشر الكثير من البيانات الصادرة عن الهيئات الدولية التي تعنى بحرية الصحافة عن تصريحاته المغالطة للحقيقة والواقع حول الاعلام السوري المزدهر، وقراراته المعادية للصحافة، وعنون عهده كلّه تحت مانشيت عريض هو : سيادة مذيعات التلفزيون .

ربما لهذه الأسباب تعامل الصحفيون في سورية بحذر مع تعيين وزير الاعلام الجديد السيد أحمد الحسن، خاصة بعد أن نقل عنه بعض مسؤولي الصحف إعجابه بالاعلام السوري وبأدائهم في هذا الاعلام، لكن مجموعة إشارات بدرت من الوزير الجديد أحيت أملاً نائماً لدى الصحفيين تستحق أن يقال فيها كلمة حق، منها إلغاؤه لعادة الدوام مساء في مكتب الوزير داخل مبنى التلفزيون التي سنها أسلافه من وزراء الاعلام، منعاً ربما لشائعات القيل والقال ودخول مذيعة إلى المكتب لتخرج بعدها وقد تسلحت بسطوة يخشاها حتى مدراء التلفزيون، كما كان معتاداً في الماضي . ومنها الانطباع الجيد الذي نقله بعض مراسلي أجهزة الإعلام في دمشق عن لقائه بهم . ومنها مانقل عنه حول وقف استدعاءات الصحفيين السوريين إلى الأجهزة الأمنية إلاّ بعد إقناعه بأن هناك سبباً وجيهاً يستدعي ذلك وموافقته شخصياً، بعكس ماكان يجري أيام الوزير السابق حيث كان بإمكان أي كان استدعاء أي صحفي، وبطلب من الوزير أحياناً . ومنها أيضاً اللقاء الذي عقده في مكتبه مع مجموعة صحفيين يعانون مشكلات مهنية جدية في جريدة تشرين السورية ( كنت من بينهم ) لسماع معاناتهم، بعد أن رفض مدير عام الجريدة بطريقة استئصالية حضورنا للاجتماع الذي عقده لمدراء ورؤساء الأقسام في جريدة تشرين مع الوزير الجديد بحجة أن الاجتماع مخصص لشرح وضع الجريدة، وكأن معاناتنا المزمنة كصحفيين ليست جزءاً من وضع الجريدة، أو أنها ليست أحد الأسباب الأساسية لأزمة الجريدة .

وحتى لاأكون كمن يسوق الوهم أجد أنه من الواجب تقديم تبرير للقارئ عن سبب الاحساس الذي أشعرنا بوجود عقلية أخرى لدى الوزير الجديد تختلف عن سابقيه في كيفية التعامل مع الصحافة والصحفيين، من خلال جلستنا معه التي تجاوزت الساعة ونصف، فقد عنونّا مشكلاتنا في عدة نقاط رئيسية : تحديد خطوط حمراء واضحة للممنوع والمسموح في الصحافة السورية بدلاً من تركها لمزاجية مفاصل النشر في الصحف السورية ومصالحهم . عدم فرض الوصاية على الصحفي السوري من قبل مفاصل النشر والكف عن اعتباره أبلهاً يجب توجيهه باستمرار، فمادام الصحفي مسؤولاً عن مادته ومادام هناك قانون يحاسبه فمن حقه النشر، ومن حقه التعقيب بنفسه على الردود التي تصل على مواده المنشورة . إعادة الاعتبار لمبدأ أن أهمية الصحفي تأتي من مقاله لا ممن يقف خلفه . إعادة النظر في وضع مسؤولي الصحف السورية رؤساء وأمناء ومدراء تحرير ورؤساء أقسام الذين لم يتغيروا منذ سنوات طويلة، وتحميلهم مسؤولية تدهور رقم توزيع الجريدة من ستين ألف نسخة في عام 1990 إلى عشرين ألف نسخة حالياً، على الرغم من ارتفاع عدد سكان سورية خلال هذه السنوات . إعادة توزيع الثروة في الجريدة بين كافة المحررين بدلاً من استئثار بعض المدعومين والمرضي عنهم بالمبالغ الكبيرة لمكافاّت النشر ولمهمات السفر .

هذه أبرز النقاط التي طرحت مع الوزير الجديد الذي أبدى اهتماماً بها دون مقاطعة أو إلغاء أو تسفيه لما طرحناه، لكن السؤال المهم اليوم هو ماالذي يستطيع الوزير الجديد انجازه في أرض محروقة، وكيف سيتعامل مع تراث من الركاكة خلّفه سابقوه، ومن أين سيبدأ في عملية إصلاح الاعلام ؟ لكن الأهم من كل ذلك هل هناك رغبة حقيقية بإصلاح الإعلام إصلاحاً حقيقياً وليس إصلاحاً سياحياً أو تجميلياً أو ترقيعياً ؟

موقع الرأي الالكتروني 10/ 11/ 2003

 

 

 

حين تعني عبارة حرية التعبيرفي بلد ما

الريبة والشك والاتهام!

( ورقة مقدمة إلى لقاء "الغرب وحرية

التعبير في العالم العربي" المنعقد في باريس

بتاريخ 12/12/2003 بدعوة من

اللجنة العربية لحقوق الانسان )

سأعترف منذ البداية بأن وجود صحفي سوري مقيم داخل بلده في لقاء يحوي عنوانه عبارة (حرية التعبير) أمر يدعو للدهشة ويثير الاستغراب ، فهاتان الكلمتان كما هو معلوم للقاصي والداني غريبتان عن الصحفي السوري ، سواء في حال كانت كل كلمة منهما منفصلة عن الأخرى ، أو في حال اجتماعهما معاً ، ولكن الأكثر إثارة (للفزع هنا وليس للدهشة) أن تكون الجهة الداعية للقاء أو المنظّمة له هي (اللجنة العربية لحقوق الانسان) ، فعند ذلك سيكون جرم الصحفي السوري الذي سيسافر من دمشق إلى باريس لحضور اللقاء من الكبائر ، لأن كلمة حقوق الانسان تثير في دمشق نوعاً من الشعور بعدم الارتياح لمن يسمعها ، فيتململ في جلسته مباشرة ويتلفت حوله بحركة لا إرادية ، فما بالكم لمن ينطقها ؟! ورغم ذلك فعندما تلقيت الدعوة الموجهة من اللجنة العربية لحقوق الانسان لحضور هذا اللقاء تقدمت بطلب إلى مدير عام جريدة تشرين السورية التي أعمل بها محرراً صحفياً منذ عام 1986 ، للموافقة على إيفادي للمشاركة في اللقاء وتغطيته ، على الرغم من النصائح التي تلقيتها من أصدقائي الصحفيين بأن أكتم الدعوة وأسافر على شكل سائح ، لأن مجرد إعلاني للدعوة سيضيف مزيداً من إشارات الـــ( X ) إلى اسمي في السجلات الأكثر أهمية بالنسبة للمواطن السوري وهي بالطبع السجلات الأمنية ، وكانت النتيجة كما توقع نصّاحي من الأصدقاء حاشية من مدير عام جريدة تشرين الدكتور خلف الجراد على طلبي المقدم إليه تقول بالحرف ( أن أمر الندوة لايخص المؤسسة مباشرة ) وعليه فإن رأيه ( مع عدم الموافقة ) . واعتقد أصدقائي الذين نصحوني بعدم اعتماد العلنية في سفري ، بأن قرار مدير عام الجريدة والذي توقعوه قبل صدوره سيصيبني بنوع من الاحباط ، لكنه دهشوا عندما وجدوني راضياً بالقرار ، وأكاد أقول أني سعيد به ، وعلي هنا أن أقدم كامل امتناني للدكتور خلف الجراد لعدة أسباب : أولها لأنه بقراره هذا يؤكد أن لاشيء تغيّر ، ولاشيء سيتغير _ في المدى المنظور _ في العقلية التي تسيطر على الاعلام والصحافة في سورية على الرغم من كل دعوات الاصلاح وشعاراته ، وهذا بالتالي سيجعلني في مأمن من الوقوع في أي مغالطة لواقع حرية التعبير في سورية عند حديثي عنها ، وثانيها لأن الدكتور الجراد في حاشيته التي كتبها على طلبي والتي ترى أن موضوع حرية التعبير لايخص جريدة تشرين مباشرة ، وأضيف أنا لايخصها بشكل غير مباشر أيضاً ، وصّف الجريدة التي يديرها ، ولذلك لن أتهم بأي افتراء على ما أعتقد في حال تناولت موضوع غياب حرية التعبير في جريدة تشرين كمثال أعرف دقائقه وتفاصيله في ورقتي هذه ، مادام المدير العام يعترف خطياً بذلك ، أما ثالث الأسباب التي تجعلني ممتناً للدكتور الجراد فهو بمنحه لي _ عبر رفضه الآنف الذكر _ مدخلاً مناسباً لما أريد ذكره فيما يلي حول غياب حرية التعبير في الصحافة السورية .

السادة المشاركين في هذا اللقاء ..

لا أعرف بالضبط مدى علاقة سورية بموضوع لقائكم المعنون ( الغرب وحرية التعبير في العالم العربي) ، فعلى الرغم من أن الغرب بمؤسساته ومنظماته الأهلية والحكومية المعنية بحرية التعبير ، لم يكن يترك انتهاكاً ضد حرية التعبير في أية بقعة من بقاع الأرض إلا ويدينه أو يشير إليه على الأقل ، إلاّ أنه كان يتناسى موضوع حرية التعبير في سورية ، ولهذا لم يعوّل الصحفيون والكتاب السوريون على هذا الغرب في يوم من الأيام ، على الرغم من قرارات منع الكتابة التي كانت تصدر شفهياً وبالجملة لأعداد غير قليلة من الكتاب والصحفيين السوريين ، والتي لم تكن تقف عند حدود المنع من الكتابة ، بل وتتعداها إلى منع ذكر الاسم في أية وسيلة إعلامية سورية ، فضلاً عن الاجراءات العقابية المختلفة ، والمضايقة بلقمة العيش ، وبإمكاني أن أعدد عشرات الأسماء التي منعت من الكتابة ، فمن منا لايذكر قصص مثل منع الصحفي والشاعر ممدوح عدوان من الكتابة عدة مرات ، ونقله من محرر في جريدة الثورة أواخر سبعينيات القرن الماضي بأوامر من وزير الاعلام الأسبق أحمد اسكندر أحمد إلى عمل مكتبي في وزارة الاعلام ، وسحب جواز سفره ومنعه من السفر ، ومراقبته من خلال دورية أمنية تطارده كظله في تسعينيات القرن الماضي بأوامر من وزير الاعلام الأسبق محمد سلمان ، ومنع الشاعر نزيه أبو عفش من الكتابة ونقله من التدريس بحجة كونه خطراً على الجيل الجديد إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ، ومنع الكاتب ميشيل كيلو بحكم أبدي من الكتابة إلى حد تهديد المنظمة الحزبية في جريدة الثورة عام 2001 بعدم طباعة الجريدة فيما لو نشر اسمه فيها عندما أراد المرحوم محمود سلامة استقطاب الكتاب السوريين بجميع أطيافهم أيام كان مديراً عاماً لجريدة الثورة ، إضافة إلى أوامر منع من الكتابة لأسماء مثل عادل محمود وأحمد دحبور ومحمد الماغوط وزكريا تامر وسعد الله ونوس وشوقي بغدادي وسهيل ابراهيم وخيري الذهبي ، وكاتب هذه السطور الذي نقل إلى قسم الأرشيف أكثر من مرة ونفي إلى مكتب الجريدة في حلب واستدعي للتحقيق الأمني ، وقد لايتسع المجال هنا لأعدد أسماء الكثيرين من الكتاب السوريين الذين منعوا من الكتابة أو اتخذت بحقهم اجراءات عقابية ، أو الصحفيين السوريين الذين تمنع مقالاتهم بالعشرات في الصحف السورية ، أو الكتاب والشعراء العرب الذين كان مجرد ذكر اسمهم يعتبر تهمة ، فقد كان أدباء ومفكرون من وزن نجيب محفوظ ومحمود درويش وصادق جلال العظم وأدونيس وزكريا تامر ونزار قباني على اللائحة السوداء للإعلام السوري خلال فترات ماضية وبتهم مختلفة ، فقد أعطى وزير الاعلام السوري محمد سلمان أوامره بعدم الكتابة عن نزار قباني عند رحيله ، بسبب ما أشيع آنذاك عن كلام قالته ابنته عندما جاء ممثل للسفارة السورية في بريطانيا لتعزيتها ، ومنع المدير العام السابق لجريدة تشرين محمد خير الوادي الكتابة عن ديوان لمحمود درويش لأنه من جماعة اتفاق أوسلو وعن كتاب لأدونيس لأنه من دعاة التطبيع حسب رأيه ، كما منع المدير العام الأسبق لجريدة تشرين عميد خولي الكتابة عن رواية لنجيب محفوظ لأنه من جماعة كامب ديفيد الخونه ، وأجد من المفيد أن أذكر هنا حادثة طريفة كنت شاهدها لدلالتها الواضحة ، فقد دعيت عام 1999 إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب الحادي والثلاثين ، وكان برفقتي على الطائرة الدكتور عبد الكريم عبد الصمد رئيس القسم الثقافي في جريدة تشرين السورية ، للمشاركة كممثل لسورية في مؤتمر "كتاب في جريدة" الذي يعقد على هامش المعرض ، وكان يسألني عن أسماء الكتاب السوريين المناسبين لنشر كتبهم ضمن خطة كتاب في جريدة خلال عام ، وعندما ذكرت له أسماء مثل محمد الماغوط ونزار قباني وأدونيس وزكريا تامر ، أجابني بأن هؤلاء غير مرغوبين من الجهات الرسمية ، ولم يسجل أسماءهم في قائمة كتابه المرشحين ، لكن الطريف في الحادثة ( وهو مؤلم أكثر من كونه طريفاً ) أن الأعضاء العرب المشاركين في المؤتمر هم الذين طرحوا أسماء هؤلاء الكتاب السوريين الأربعة لاصدار كتبهم ضمن خطتهم وأقروها ، والأكثر إيلاماً أن ممثل سورية هو الذي أبدى تحفظه تجاه هذه الأسماء !

وإذا كان هذا التعامل هو القاعدة مع أسماء لها سمعتها العربية والدولية ، فكيف يكون التعامل مع صحفيين محليين ليست لهم تلك السمعة الكبيرة .. لو دخلنا في التفاصيل سأسرد مئات بل آلاف القصص التي تعتبر أمثلة نموذجية عن غياب حرية التعبير في الصحافة السورية ، ابتداءاً من المواضيع الكثيرة المحظر على الصحفي السوري الخوض فيها ، ومروراً بمنع الصحفي من التعقيب على رد لجهة رسمية تناولها بمقال ، أو حجب المعلومات عنه ، أو الاتصال برئيس التحرير المعني لايقاف موضوع يحقق به صحفي ما ، فيقوم رئيس التحرير بنجدة المتصل وينصره على الصحفي ، أو التدخل من قبل مسؤول النشر في مادة الصحفي ليس بالشطب فقط بل بإضافة أسطر إلى المادة قد تبدل توجهها ، إلى غياب كامل لدور اتحاد الصحفيين السوري ، الذي يتشكل مجلسه التنفيذي _ وهو السلطة صاحبة القرار فيه _ من رؤساء تحرير الصحف السورية أنفسهم ، لذلك لايجدي الصحفي السوري أن يرفع أي شكوى على إدارته إلى نقابته المهنية ، كون من سيحكم في مظلمته هم ظالميه أنفسهم ، ولذلك لم يسجل لاتحاد الصحفيين السوريين عبر تاريخه كله أنه أنصف صحفياً في وجه إدارته ، وهنا أود الاجابة على سؤال افتراضي قد يخطر في ذهن أي منكم وهو التالي : مادام الوضع على هذا النحو من السوء لماذا لم نسمع عن سجناء رأي من الصحفيين السوريين ؟ وجوابي لأن العقلية التي تدير الاعلام السوري ( وهو إعلام رسمي حكومي ) نقلت حراس السجون من الوقوف التقليدي على أبواب المهاجع والزنازين ، إلى الجلوس خلف مكاتب رؤساء ومدراء وأمناء التحرير ورؤساء الأقسام في الصحف السورية ، واعتمدوا العلاج الوقائي ضد فيروس حرية التعبير حتى لايصلوا إلى حالة العلاج السريري ، ولهذا فإن كل مسؤولي النشر في الصحافة السورية الذين استمروا وارتقوا السلم الوظيفي كانوا على علاقة ما بالأجهزة الأمنية ، بينما أقصي شبه المستقلين في أول فرصة أتيحت لمن هم غير مرتبطين به أن يقصيهم ، وعبر هؤلاء الحراس الذين ارتدوا أزياء مسؤولي النشر تم منع المقالات أوالحذف منها وإلغاء أي رأي يمكن أن يشكل خطراً ما _ حسب رؤيتهم _ سواء من الرأي أو حتى من تأويله ، وبهذه الطريقة تمت إدارة الصحافة السورية وألغيت حرية التعبير نهائياً ، إلا إذا اعتبرنا أن الفارق بين مقال يمدح قراراً حكومياً ما ، ومقال آخر يبالغ في مدح القرار يعتبر نوعاً من حرية التعبير .

السادة المشاركين في هذا اللقاء ..

أرجو أن لايفهم كلامي السابق على أنه إلغاء للروح العنيدة التي يتمتع بها الصحفيون السوريون ، أو جزء منهم ، أولئك الذين مازالوا يحاولون توسيع هامش حرية التعبير ، ويواجهون يومياً قرارات المنع ، و يبتكرون الطرق التي تمكنهم من تمرير مايودون قوله ، أو على الأقل جزءاً كبيراً مما يودون قوله ، ويعاقبون أحياناً ، ويهددون كثيراً ، ويجد بعضهم متنفساً في الكتابة لصحف عربية خارج سورية إنما في الشأن السوري ، وخصوصاً في شأن حرية التعبير ، إلا أن كل المقالات التي تناولت حرية التعبير في سورية في الصحف العربية لم تستطع أن تصنع أي انفتاح إعلامي ، أو تبدل في العقلية المتشنجة التي تحكم الاعلام السوري ، فعلى الرغم من أن دعوات الاصلاح _ ومن بينه الاصلاح الاعلامي _ كانت شعار الثلاث سنوات الأخيرة ، ورغم منح بعض التراخيص لصحف ومجلات مستقلّة ، إلاّ أنها على أرض الواقع كانت من أسوأ الفترات التي عانى منها مجتمع الصحافة في سورية ، وهي الفترة التي تسلّم فيها السفير عدنان عمران منصب وزير الاعلام ، فبعد أن كان يتم في السابق اختيار المدراء العامين للصحف السورية من ضمن الكادر الصحفي من المرتبطين بالأجهزة الأمنية ، فرض على مؤسسات الإعلام في هذه المرحلة مدراء عامين من خارج الكادر الصحفي ، ليس لديهم أي مؤهل سوى ارتباطهم بالأجهزة ، فحولوا هذه المؤسسات إلى منابر لشتم المثقفين السوريين ودعاة إحياء المجتمع المدني وقوى الحراك الاجتماعي في سورية ، وأقرّ قانون المطبوعات الجديد الذي جعل من عقوبة السجن سيفاً مسلطاً على رأس الصحفي ، وضاق هامش حرية التعبير على صفحات الصحف السورية بشكل أربك الأداء الصحفي ، فصدر تعميم من وزير الاعلام عدنان عمران يحظر الكتابة عن أي نشاط ثقافي بدون الحصول على موافقة وزيرة الثقافة على مادة الصحفي ، وآخر يمنع على الصحفي السوري الكتابة في أي مطبوعة خارج جريدته دون الحصول على موافقة وزير الاعلام ، وأصدر مدير عام جريدة تشرين الدكتور خلف الجراد قراراً يمنع فيه الصحفيين من إجراء أي لقاء مع أي مسؤول إلا بعد الحصول على موافقته الخطية ، واستدعي عدد من الصحفيين للتحقيق الأمني بسبب مقالات كتبوها ، وفرضت رقابة مسبقة على الصحف المستقلة رغم مخالفة هذا الاجراء لقانون المطبوعات السوري ، وألغي ترخيص "الدومري" أول جريدة مستقلة في سورية بعد مضايقات كثيرة تعرضت لها والتي صدرت بعض أعدادها أحياناً بصفحات أو فقرات بيضاء داخل المقالات دلالة على تدخل الرقابة ، واتهم ناشرها الفنان على فرزات بالخيانة بصفحتين كاملتين نشرتا في جريدة تشرين التي منع عنه مديرها العام حق الرد ، وتم التضييق على مراسلي وسائل الاعلام العربية والعالمية فسحبت البطاقة الصحفية من بعضهم لفترات طويلة مثل مراسل جريدة الرأي العام الكويتية جانبلات شكاي ، ومراسلة هيئة الاذاعة البريطانية سلوى اسطواني ومراسل جريدة الزمان اللندنية المرحوم ثائر سلوم ، ورفض اعتماد بعضهم الآخر كمراسلي محطة الجزيرة الفضائية محمد العبد الله وليلى موعد ، وطرد من سورية مراسل وكالة الأنباء الفرنسية ماهر شميطلي كونه فرنسي الجنسية من أصل لبناني .

السادة المشاركين في هذا اللقاء ..

أعتقد أن كل مارويته لايثير دهشة أي صحفي سوري ، فلدى كل صحفي عندنا مئات القصص التي تملأ رفاً من المجلدات لو كتبها ، لكن الذي يثير دهشتي أنا وغيري من الصحفيين السوريين أن تصل يد الرقابة إلى حديث رئيس الجمهورية العربية السورية مع جريدة النيويورك تايمز الذي نشر بتاريخ 2/12/2003 في جريدة تشرين بـ(5705) كلمات ، في حين نشر نفس الحديث في نفس اليوم في جريدة الشرق الأوسط اللندنية بــ( 7850 ) كلمة ، أي باختصار ( 2145 ) كلمة ، ولدى تدقيقي نسختي الحديث تبين لي أن الأسئلة والاجابات المحذوفة في الصحافة السورية تتعلق بالشأن الداخلي السوري ، وسأترك لحضراتكم قراءة دلالات هذه الحادثة .

السادة المشاركين في هذا اللقاء ..

أرجو أن أكون من خلال هذا السرد السريع الذي قصرته على موضوع حرية التعبير في الصحافة السورية قد أثبت لكم بأن حاشية الدكتور خلف الجراد مدير عام جريدة تشرين على طلبي السفر للمشاركة في ندوتكم بأن موضوعها لايعني جريدته ينبغي أخذه على محمل الجد ، لأنه يعبر عن واقع ، ويشهد بحقيقة .

أشكركم على حسن اصغائكم ودمتم بخير.

دمشق 4/12/2003

جريدة القدس العربي اللندنية 16/12/2003

 

بمناسبة منع بث تلفزيون المنار في فرنسا

بـرافـو للإعلام السوري

حين يرى القشة في عين أخيه !

 

برافــو يستحقها فعلاً الموقف الاعلامي السوري من قرار وقف بث قناة المنار اللبنانية في فرنسا بشقيه الرسمي والنقابي ، فوزير الاعلام السوري الدكتور مهدي دخل الله الذي اعتبرته مقالات عديدة نشرتها الصحافة السورية بعد سماحه بنشر مقالتي عن السياحة الأمنية في سورية غورباتشوف الإعلام السوري- يعتبر القرار (تطور خطير يتنافى مع مبادئ الديمقراطية الاعلامية والتسامح) ويرى (في جوهره عمل موجه ضد الحرية الاعلامية في العالم) ، في حين يرى الدكتور صابر فلحوط -رئيس اتحاد الصحفيين السوريين المزمن ونقيبهم في أزمنة التعيين وأزمنة الانتخاب- عبر بيان أصدره اتحاده أن القرار (شكل ضربة موجعة لمبدأ حرية الصحافة والاعلام .. وان الصحفيين في سورية ينظرون بقلق بالغ إلى هذا القرار غير المبرر) !

برافو لهذا الموقف الإعلامي السوري لا لأني من المعجبين بقناة المنار (وإن كنت ضد القرار الفرنسي لأني أعتبره تضييقاً لحرية التعبير المقدسة)، فأنا أرى المنار تنتمي إلى ذلك النوع من الإعلام الأيديولوجي الموجه الذي أصبح وجود آثاره ضمن الإعلام العالمي من قبيل الفلكلور ويشبه وجود طبنجة من حرب السفر برلك في بيت (مودرن) ، ولاأراها أكثر من قناةً رديفة أو احتياطية للتلفزيونين السوري والايراني من حيث الشكل والخطاب والتوجه ، مع فارق طفيف في هامش الحرية لم يأت مقصوداً ، إنما جاء بسبب كونها لبنانية .

و.. برافو لهذا الموقف الإعلامي السوري لا لأنه سيكون مؤثراً في قرار فرنسا ، ويجعلها تتراجع أو تعيد النظر ، فمثل هذه الرغبه حلم لم يراود كما أظن- حتى أصحابه أنفسهم والذين لم يريدوا من الموقف أكثر من تسجيله !

إنما برافو ، لأنه ولأول مرّه يتحدث وزير الإعلام ونقيب الصحفيين في سورية بالفم الملآن عن مبادئ الديمقراطية الإعلامية وحرية الصحافة والإعلام مما سيتيح لي فرصة لمناقشتهما في مشكلة حرية الإعلام السوري ، فإذا ماكانا على قناعة بما قالاه بشأن منع بث تلفزيون المنار في فرنسا باعتباره عملاً موجهاً ضد الحرية الاعلامية في العالم ، فلا بد أنهما ينظران إلى إغلاق جريدة الدومري السورية بنفس الطريقة ، وأرجو أن لايتنطع أحد ما ليتحدث عن مبررات قانونية لذلك فعندما نبحث عن سبب لذم الورد سنعيّره بكونه أحمر الخدين حسب مايقول المثل الشعبي ، ولابد أنهما يريان أن منع المقالات أوحذف سطور منها بالجملة والمفرّق ويومياً في الصحافة السورية يدخل ضمن نطاق الحرية الإعلامية ، وأرجو ثانية أن لا يحاول أحد ثانٍ ما الرد على ماأقوله فلدي ولديهم من المقالات الممنوعة والأسطر المحذوفة مايكفيني شر الجدال ، ولابد أنهما أيضاً يعتبران أن استدعاء الصحفيين السوريين للتحقيق معهم في فروع المخابرات بسبب مقال أو كلمة فيه يدخل في إطار حرية الصحافة والإعلام ، أم أن الحرية الإعلامية التي يقصدونها انتقائية تفصّل على القياس المناسب لمصالحهم ، وهي حلال لغيرنا حرام علينا !

كتب الكثير عن الإعلام السوري ، وقيل فيه مالم يقل في حرب داحس والغبراء ، ولم ألتق بمسؤول سوري إلاّ وهاجمه بنفس الطريقة التي أنتقده فيها مضروبةً بعشرة ، ولايوجد أحد من رجال الدولة في سوريه يقبل بإعطاء تصريح لصحيفة في بلده ، وإذا أراد أن يقرأ جريدة فحتماً لن تكون إحدى الصحف السورية الثلاث ، وزاوية الرأي السياسي في أي مطبوعة سورية ليس لها إلاّ خمسة قرّاء كاتبها ومقرر نشرها ومنضدها ومصححها اللغوي ومدققها في فرع المخابرات ، وأكبر توزيع لجريدة سورية لايتجاوز الـ( 30 ) ألف نسخة يومياً ، ومن المخجل أن تجد عدد القراءات لافتتاحية رئيس تحرير صحيفه سورية على موقعها على شبكة الانترنيت لايتجاوز الـ(150) زائراً ، ومع ذلك يبقى في مكانه ، بل وإمعاناً في السخرية- يكتب منظّراً في استراتيجيات الإعلام ، وعندما نتحدث عن الهامش نجاب دوماً بمصطلح هلامي اسمه ( الحرية المسؤولة ) ، وحين نقول لهم أن الوصف يقيّد الموصوف ويأكله في هذا المصطلح تحديداً يتهموننا بأننا نريد الفوضى ، ولو مرّ مقال فيه رائحة جرأة من فلترهم فسيمر بعد الحذف منه والشطب فيه ، فهم يتحاشون ذكر الأسماء ، فصحافة سورية هي الوحيدة التي لاتحب تسمية الأشياء بمسمياتها ، بينما لو رد على نفس المقال أي كان من جماعة (الحرية المسؤولة) فسترى إسمك في جريدتك محاطاً بكم لامتناهي من السباب والشتائم والاتهامات والتمنين بأنك تكتب من سورية ، والعجيب أنهم يشتمونك أنت صاحب المقال ويتهمون مقالك بالتافه ، وفي نفس الوقت يمدحون انفتاح وزير الاعلام لأنه سمح بنشره ، أما العجب العجاب الذي لايحدث إلاّ في صحافة سورية فهو حين تسمح بشتم وسب محرريها في صحفهم من قبل أي طرف دون أن تسمح لهم بالرد !

يحدث هذا يومياً ، ووزير الاعلام ورئيس اتحاد الصحفيين في سورية لايجدان فيه مايتنافى مع مبادئ الديمقراطية الإعلامية ، بل ويطالبان بتصحيح وجهة النظر الفرنسية تجاه نوع من الإعلام العربي ، وهما يدركان بأن مايطلبانه غير قابل للتحقيق ، على الأقل لأنهما ليسا أصحاب قرار فيه ، بينما ربما يتمكنان من تحقيق نوع من الديمقراطية الإعلامية في الإعلام السوري اللذان يملكان القرار فيه .

أخيراً هل قال السيد المسيح عبثاً كلمته الأشهر ( لماذا ترى القشة في عين أخيك و ..) عليهم هم أن يكملوا المقولة !

موقع شام برس الالكتروني 18/12/2004

 

وجـدتـها .. وجـدتـها :

الحل السحري للإعلام الســوري

 

دخلنا في السنة الخامسة إصلاح ، وتبدّل ثلاثة وزراء إعلام ، وكتبت عشرات المقالات عن حال الإعلام السوري الذي لايسر عدواً ولاصديقاً ولاحتى (رفيقاً) ، ولم تترك صفة من صفات التخلف في كل القواميس يعتب عليها الاعلام السوري بأنها لم تستخدم في توصيفه : فسمي الإعلام الشمولي والخشبي والببغائي والشعاراتي والحكومي والمقيد وإعلام العصر الحجري و.. و.. ومرّ على جريدة الثورة خمسة مدراء عامين أحدهم موّت بالجلطة ، وعلى جريدة البعث مديران أحدهما رقّي وزيراً ، وعلى وكالة سانا ثلاثة مدراء أحدهم نصّب سفيراً ، وعلى التلفزيون السوري ثلاثة مدراء ، وبقي مدير عام جريدة تشرين صامداً في مكانه ، ودمّر أسامة بن لادن برجي مركز التجارة العالمي ، واحتلت أمريكا أفغانستان والعراق ، واعتقل صدام حسين ، ومات الشيخ زايد وعرفات ، وحدثت كارثة تسونامي ، وانقلب العالم كلّه عاليه سافله ، وسافله عاليه ، وتغيرت المفاهيم بشكل يزيد في عدد مرتادي العيادات النفسية ، فاختلط الجهاد والمقاومة والارهاب ، وأصبح الاتحاد السوفييتي (الصديق) ومنظومته الاشتراكية السابقة مثالاً للديكتاتورية البغيضة ، وغدت (الامبريالية الأمريكية) حامية حقوق الانسان ومحررة الشعوب . حدثت كل تلك الخلخلة وبقي الإعلام السوري صامداً لايرف له جفن ، مثل مريض مستعص على الوفاة رغم أنه في حالة موت سريري ، ميت في غرفة إنعاش يعيش على الأجهزة ويكلف أهله المبالغ الطائلة ، وهم خجلون من نزع أنابيب السيروم من جسمه وقطع الكهرباء عن الأجهزة الموصولة به ، يأملون أن تحدث معجزة أو يخترع علاج ، متخذين من الآية الكريمة التي تقول ( يحيي العظام وهي رميم) شعاراً لصمودهم حوله.

لا أفهم ماالذي نأمله من الاعلام السوري بعد اليوم ، الذي لو جئنا بغوتنبرغ وعرضنا عليه صحفنا الثلاث لندم لاختراعه الطباعة .. وماجدوى مايكتب حول تطويره كمن يعطي رجلاً مصاباً بالعقم قرص فياغرا لينجب .. وعلى أي أهبل في القرن الحادي والعشرين يضحك مدير عام وكالة سانا حين يعتبر استبدال كلمة الرفيق بالسيد في الأخبار المحلية حدثاً تطويرياً في الإعلام السوري ، كبقّال يتحدث لبيل غيتس مالك شركة مايكروسوفت عن اختراع مذهل في العالم يجمع ويطرح ويقسّم ويضرب الأرقام بثانية اسمه الآلة الحاسبة .. ومن أي كهف (كانوا يغطون فيه في سبات عميق) خرج بعض صحفيي سورية مفزوعين ليكيلوا المدائح لوزير الاعلام مبهورين بانفتاحه حين نشر مجرد مقالة تنتقده وتنتقد الأجهزة الأمنية فاعتبروها الأعجوبة الثامنة وأضافوها إلى عجائب الدنيا السبع ، والأغرب من صحفيي سورية الآنفي الذكر الذين لايزالون حتى ساعة كتابة هذا المقال يقومون بأداء صلاة الشكر لهذا الانفتاح الاعلامي غير المسبوق الذي مُنّ به على الإعلام السوري ، الأغرب ردة فعل عدد من الصحفيين العرب الذين كتبوا عن نشر مقال متواضع الجرأة في نظري في جريدة سورية بدهشةِ من ظهر له في الشارع فجأة رجل كهوف بدائي بشعره المنكوش وجلد نمر مرقط يستر عورته ، لكنه يمسك بيده موبايلاً يتحدث به !

من الغريب أننا في سورية نطالب الرياضيين فرقاً ولاعبين أن يسجلوا لنا أرقاماً قياسية ، ويحصدوا لنا (ميداليات) ذهبية ، ويصعدوا إلى الأدوار النهائية في البطولات العالمية ، وننتقدهم إذا لم يفعلوا ، ولكن عندما نأتي إلى الإعلام نطالب الصحفيين بعكس مانطالب به الرياضيين ، بحجج مثل الخصوصية والاعلام الهادف والمسؤول والملتزم بالقضايا القومية وكأن الآية الكريمة ( وجعلنا من بين أيديهم ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لايبصرون ) أنزلت خصيصاً في الإعلام السوري وصحفييه !

بدون نشر اليأس ، وحتى لانضيع مزيداً من الوقت في محاولة إصلاح الإعلام السوري الذي أجد أن خير مقال لمقامه (إكرام الميت دفنه) ، وبدون تضييع الجهود في تبديل مدير وتغيير وزير ، أعتقد أني اكتشفت (حسب الأسلوب الأرخميدسي) طريقة عبقرية كفيلة بجعل كل السوريين يثبتون القناة السورية على شاشات تلفزيوناتهم ، ولايقرؤون سوى الصحف السورية ، وهي اختراع عاصفة ثلجية تستقر كل شهور العام فوق سورية فتمنع عن الصحون اللاقطة من التقاط أية قنوات فضائية ، وتقطع طريق ضهر البيدر الذي تصل عبره الصحف العربية إلى سورية ، فعندما حدثت مثل هذه العاصفة في العام الماضي صار التلفزيون السوري مشاهداً والصحف السورية مقروءة !

ادعوا الله ليرسل هكذا عاصفة أو اخترعوها فبغير هذه الطريقة لن تعثروا على أي حل للإعلام السوري !

موقع شام برس الالكتروني 4/1/2005

 

 

 

 

 

 

 

 

حين يعيد التلفزيون السوري تمثيل دور الذئب

في قصته مع ليلى !!!

 

اتصلت بي المذيعة السورية وفاء قسومة ظهر الأربعاء 5/1/2005 لتطلب مني المشاركة عبر الهاتف مع ثلاثة من زملائي الصحفيين هم شعبان عبود وإياد عيسى ويعرب العيسى في ندوة حوارية تناقش الشاشة السورية من الناحية الإعلامية ويكون ضيفاها في الاستديو الأستاذ حسين العودات ومدير عام التلفزيون السوري معن حيدر ، وقدرت ارتباك المذيعة السورية ، وفهمت صمتها حين سألتها : ولماذا نشارك عبر الهاتف ، ولانحضر الندوة بشحمنا ولحمنا ، خاصة وأن المشاركة تلفونياً ستمنحنا فرصة قول رأي دون مناقشة من يحاول تسفيهه ، وقبلت المشاركة مبدئياً ، لكني بعد انتهاء الاتصال وإغلاق سماعة الهاتف أعدت التفكير على النحو التالي ..

إما أن الأوصياء على عرش التلفزيون السوري يظنونني مصاباً بالجذام ، وهم باعتبارهم مهتمين بالحفاظ على مشاعر المشاهدين (نسبياُ طبعاً لأن أغلب مذيعاتنا يحتاجون لأطباء تجميل لرفع حاجب أو تعديل أنف أو تعلّم نطق ، وأغلب المذيعين يبدون من خريجي فروع التحقيق والمداهمة) ولذلك لايرغبون بحضوري الجسدي ويكتفون بي صوتاً !

و.. إما أنهم يظنون بأن حي مساكن برزة الدمشقي بلداً قريباً من إقليم درافور فهم لايرغبون بتكليفي أو تكليفهم قيمة تذكرة طائرة ، أو تعريضي لخطر التنقل ، لأني أعرف مهنياً أن الاتصال التلفوني في البرامج التلفزيونية عادة مايكون مع شخص في بلد بعيد ، وليس على بعد ستة كليومترات من مبنى التلفزيون !

و.. إما أنهم يظنون أني أبحث عن نجومية يرون أني لاأستحقها ، ومثل هذا الاحتمال يوصف عادة من يفكر به في وضع من يدير جهازاً إعلامياً مثل التلفزيون السوري بجنون العظمة ، فمثل تلفزيونهم غير المشاهد لايستطيع أن ينجّم ، إلاّ إذا كان مفهومهم للنجومية مشتق من فعل التنجيم وقراءة الكف والفنجان وفتح الفال وضرب المندل ورمي الودع وتبييت الاستخارة ، وهي الأساليب التي أظن أن التلفزيون السوري يعتمدها في تطوير شاشته !

و.. إما أنهم يريدونني بوظيفة اكسسوارية لتكميل مشهد التطوير الذي يفتعلونه على طريقة الذي يسير على جهاز المشي الرياضي ، والذي يتحرك في مكانه ، إنما يظهر للآخرين أنه يمشي ويتحرك ، ولايستفيد أحد من حركته إلا جسمه وصحته ، وهو هنا في حالتهم إظهار الحركة أمام رؤسائهم للاحتفاظ بمناصبهم ، وبذلك يضربون عصفورين بتلفون واحد الايحاء برغبة التطوير وتقديمي بالشكل الذي يريدون تصويري فيه مبعبعاً شتاماً أجوف ، وأظن أن هذا الاحتمال هو الأكثر واقعيةً !

لكن كما يقول المثل (على هامان يافرعون) ، فتلفزيون الأستاذ معن حيدر له تاريخ معي ومع غيري ، فهو التلفزيون الذي قام فيه ممثل مثل أيمن ريدان بحذف اسمي كمؤلف من على شارة مسلسلي (عيلة خمس نجوم) في عرضه الأول ، ومنعت لجنة من لجان رقابته عرض مسلسلي الأخير (قلّة ذوق وكثرة غلبه) بكامله ، بعد أن منعت لجان سابقة عرض حلقتين من (عيلة خمس نجوم) وخمس حلقات من مسلسلي الثاني (أحلام أبو الهنا) ، ولم يدعني أي من مسؤولي هذا التلفزيون ولو مرة (من قبيل قلع العين) لحضور ندوة أو لاقتراح برنامج ، في حين أتدلل أنا على محطة الإم بي سي وأقبل مرةً وأرفض أخرى إعداد البرامج لصالحها ، وهذا هو نفس التلفزيون الذي وضعت على بابه قائمة سوداء بأسماء كتّاب وصحفيين يمنعون من دخوله تتجدد باستمرار ، وهو نفس التلفزيون الذي فرش فيه معد برنامج (مدارات) الأرض ورداً للكاتب ميشيل كيلو كي يشارك فيه ، وتعهد بعدم حذف أية جملة من كلامه ، ومع ذلك حذفت أكثر الجمل أهمية ، كما أعلن ذلك ميشيل كيلو نفسه في ندوة البي بي سي الاعلامية التي أقيمت في دمشق العام الماضي ، وهو ذات التلفزيون الذي قال لي فيه مدير انتاجه (عندما طلب مني المنتج الأردني طلال عواملة التوسط للحصول على موافقة تصوير بعضاً من مشاهد من مسلسل (ذي قار) الذي اعتبر قراء نصه من الرقباء أنه عمل جميل يمجد بطولة العرب في معركة ذي قار) : لاغبار على المسلسل ، لكن قد يزعل من إنتاجه الأصدقاء في ايران لأن معركة ذي قار حدثت بين العرب والفرس ، لو تحضر لنا موافقة السفارة الايرانية عندها سنعطيك موافقتنا فوراً ، وبعد ذلك حل المضوع بتلفون ، وهو نفس التلفزيون الذي منع برنامج (ملفات حارة) ، وقطع حلقة مسلسل (عشنا وشفنا) التي تتحدث عن الصحافة السورية على الهواء ، وعرض برامج وثائقية لحظة سقوط بغداد ، وأخفى حقائق ، وتستر على فساد .

باستطاعتي أن أحصي قائمة من المواقف العدائية التي سلفها التلفزيون السوري لنا كمشاهدين وكتاب وصحفيين وفنانين تعادل الشعر الموجود في باروكة الفنانة صباح ، ومن المنطقي أن لايكون الأستاذ معن حيدر مدير عام التلفزيون مسؤولاً إلاّ عن بعض منها ، لكنها آلية عمل مستمرة في هذا المكان الذي تحاك فيه خطط ودسائس يعجز أن يصل إليها خيال آغاثا كريستي ، فالكل هناك يغلق بابه على نفسه لاليعمل بل ليفكر بتدبير قشرة موز للآخر يزحلقه بها كي يبقى على كرسيه ، وبعد ذلك يأتي من يريد اختصار حضوري بجملة أو جملتين على الهاتف (!!) ثم تعالوا نفكر بمنطق : إذا كانت مشاركتي تأتي من كوني أمثل مايشبه رأياً آخر له انتقادات تمس جوهر الأداء الاعلامي في التلفزيون لماذا لاأكون موجوداً خلال كامل الندوة ، التي يعتبر عقدها ودعوتي للمشاركة بها إقراراً معلنا بواقع تلفزيوني مرير وبصحة ماأقوله أنا وغيري في هذا الواقع ، بينما يحضر الأستاذ معن حيدر أحد المسؤولين ولو معنوياً عن هذا الواقع !

فيما سلف من كلام حاولت أن أفكر بصوت عال ، ولأني أعتقد أنه مادام نضال زغبور لايزال يطل من على شاشة التلفزيون السوري معتقداً أن الرأي الآخر هو الذي ينام على يده اليسرى بدلاً من النوم على يده اليمنى ، ومادام محمد علي أديب مخرج مسلسل يتيم من تأليف مدير القناة الفضائية مروان ناصح يكلّف بتغيير الـ(لوك) في الفضائية السورية لقاء ملايين الليرات ، ومادام تميم ضويحي يتنقل من أمام مكتب إلى خلف مكتب ، ومادام سعد القاسم يرأس تحرير مجلة فنون التي لاتبيع إلاّ خمسمائة نسخة ، ومادام توفيق أحمد يدير التلفزيون السوري ويمنع برنامج موفق الخاني (والذي كفانا الزميل يعرب العيسى شر الكتابة عنه حين قال فيه أكثر مما قاله الفرزدق في جرير ) ، ومادامت الشاشة السورية تنهي برنامجاً عن السينما لتبدأ برنامجاً عن الفن السابع في بلد لاينتج سينما ولايستورد أفلاماً ، ومادام بند الاشراف على البرامج يترجم مالياً للمدراء والمحظيين ، ومادام طلبة البونات يسرحون ويمرحون في طوابق التلفزيون وممراته ، ومادامت المذيعات لايعرفن من أحرف الجر إلاّ دوريات المخابرات ، ومادام الأستاذ معن حيدر يدير كل هؤلاء ، فلا يوجد أي أمل بتطوير لابندوات ولابدونها ، ولهذا أعتذر من المذيعة وفاء قسومة على أن أكون معزياً في ندوة ، كل هدفها كما أظن تجميل ميت قبل عرضه على أهله ، دون أن أنسى شكرها الجزيل على مثل هذه الدعوة ، ولأني لاأريد أن أضيع اتصالها بي عبثاً ، أهمس لها دون أن تتحمل هي وزر كلامي : أخرجي كل تلك الأسماء التي ذكرتها آنفاً وغيرها ممن تعرفينهم أكثر مني ، من مبنى التلفزيون وانظري كيف سيتطور الأداء الاعلامي فيه من تلقاء نفسه !

نهايةً لا أدري لماذا استذكرت خلال تفكيري بدعوة التلفزيون هذه لي قصة (ليلى والذئب) الشهيرة التي سمعناها آلاف المرات في طفولتنا ، وبالذات المقطع الذي يرتدي فيه الذئب ثياب جدة ليلى وينام في سريرها لتأتي ليلى إليه ويلتهمها!!

موقع شام برس الالكتروني 6/1/2005

التلفزيون السوري يخترع صاروخاً عابراً للقارات

 

منذ ظهر الأربعاء الماضي وحتى الآن تجري مباحثات بين مذيعة التلفزيون السوري وفاء قسومة وبين أربعة من صحفيي سورية من بينهم كاتب هذه السطور ، لترتيب ندوة تلفزيونية استثنائية قد تشكل سابقة نوعية ليس لأن المنتدين سيقدمون فيها للعالم مفاجأة اختراع أول صاروخ سوري عابر للقارات يلف الكرة الأرضية مرتين قبل أن يصيب هدفه ، أو لأنهم سيكشفون عن أسلحة الدمار الشامل العراقية التي حفي بوش وجماعته وهم يجوبون أرض العراق ، فلم يعثروا من بين المتبقي منها إلاّ على الجزء المتمثل في المنطلقات النظرية لحزب البعث (العراقي طبعاً) ، أو لأن المنتدين سيعلنون بالفم الملآن نبأ القبض على أسامة بن لادن ، بل ببساطة لأنهم سيناقشون الأداء الاعلامي للتلفزيون السوري !

أسمع في هذه اللحظة استغاثة قارئ يصرخ : فلقتونا بالاعلام السوري والصحافة السورية والتلفزيون السوري ، هل أصبحت البلد كلّها جنّه ولم تبق إلاّ نار الإعلام السوري لتتحدثوا عنها ، ومعه كل الحق ، لكني أعتقد أن الاعلام السوري (تلفزيوناً وصحفاً) حالة من الصعب تجاوزها مثل حالة مرض السرطان طبياً ، ولايمكن لأي كان أن يتجاهله قبل أن يجد له العلاج ، ولو كان الاعلام السوري حاضراً في عصر نزول الوحي لاختص بتنـزيل ، ولو شهد عهود المعجزات لأُمدّ بمعجزة ، وستضفى مسحة من القدسية على من يستطيع جعل شاشته تشاهد وجرائده تقرأ ، لأن مهمة ستكون أصعب من فتح القسطنطينية ، وقصتنا معه مثل قصة شهرزاد مع شهريار ، تحتاج إلى ألف مقال ومقال ، وفي كل مقال نحمد الله ونشكره أننا نجونا من مسرور السياف حتى المقال المقبل .

القصة ومافيها (كما رويت بدايتها في مقال سابق أعيدها هنا بما أمكنني من الاختصار ) أن المذيعة وفاء قسومة طلبت من الصحفيين الأربعة المشاركة في ندوة لمناقشة الشاشة التلفزيونية صوتياً عبر الهاتف ، وساعتها اعتذرت أنا ، فنقلت لي المذيعة السورية قبول إدارة التلفزيون على استضافتي في الاستديو ، وبعد أخذ ورد ، وتلفونات ذهب ريعها لمؤسسة الاتصالات الانسانية ولشركتي الموبايل الخيريتين في سوريا ، وتوصلنا أخيراً إلى اتفاق يقضي بالمشاركة في الندوة بالحضور في الاستديو لاثنين منّا الدّاعي أحدهم ، وبالحضور عبر الهاتف للصحفيين الباقيين ، على أن تبث الندوة على الهواء حتى لايظهرنا مقص المونتاج التلفزيوني متخلفين عقلياً نقول نصف جملة ولانستطيع إكمالها ، أو على الأقل صامتين حالنا حال الكراسي التي نجلس عليها ، وبدون (ديلي) وهي مسألة تقنية تؤخر وصول صوت المتحدث لثلاثين ثانية بين قوله للكلمة وسماعها عبر الشاشة مما يترك فرصة لظهور أكبر كمية من إعلانات العلكة التي ترعى أغلب برامج التلفزيون كونهما ينتميان إلى نفس الفصيلة ، وبدون أن تكون الاتصالات مقيدة بحيث يتم الاتصال فقط بمن يريدون ليهزوا خصورهم على ايقاعات الاعلام الملتزم وألحان الشاشة الوطنية وطقطوقات الحرية المسؤولة ، ونظهر نحن في وضع الشيخ القرضاوي فيما لو دعي ليعطي درساً في الكاف دروا .

و.. اتفقنا ، لكن الندوة التي كان موعدها سهرة الأحد 9/1/2005 تأجلت لسهرة لثلاثاء 11/1 ، وأظن أن إدارة التلفزيون ستبقى تؤجل الندوة لتبرمجها أخيراً في نهاية المطاف في 31 شباط القادم (!!) ، وظهرالسؤال الأهم لدى الادارة المنهكة في البحث عن حل على طريقة إما أن يموت الملك أو الحمار أو أموت أنا : من هؤلاء نعطيهم فرصة الحديث على الهواء ؟! وهو سؤال يخفي في داخله تساؤولاً جوهرياً عن عقلية جهاز إعلامي مسوّس ، يشكل عبئاً على السلطة التي يمثلها وينطق باسمها ويعتبر نفسه فترينتها لم تستطع كل عمليات التجميل أن تزيل حدبته من على ظهرها ، وهمّـاً على المشاهد السوري أزاله عن قلبه باقتطاع سبعة آلاف ليرة من قوت عياله وتركيب ستلايت ، وقدرة هذا الجهاز وإدارته على رؤية صورته الحقيقية في عيون السوريين !

ماالذي سيقوله لنا مدير عام التلفزيون عن تلفزيونه لو أقيمت الندوة (وهي لن تقام أو سيستبدل ضيوفها ليأتي بكل بيت فستق في حال كان مضطراً لاقامتها) عندما نسأله هل تطوير صورة الشاشة بقص شعر المذيعات كما أمر وأشرف وعاين وأعاد بعضهن إلى كرسي الحلاقة لقص مزيد من الشعر ؟ وكيف يستطيع المذيع أن يكون بكامل حضوره على الشاشة ، وهو يسمع عبر السماعة الصغيرة في أذنه أثناء تغطيته لحدث مباشر من يقول في غرفة الكونترول (اسمعوا هالحمار شو عم بيحكي) ، وماهو رده على مذيعة ينبغي أن تظهر على الشاشة مبتسمة وهي تعترف أن كلمتي (حمارة وحيوانه) هما أكثر كلمتين ترداداً في أذنها من نفس السماعة عندما تكون على الهواء ، وعندما يدخل مذيع ومذيعة أخبار إلى الاستديو لتقديم النشرة فيجدان كراسيهما مسروقة ويقدمان النشرة على الواقف ، وعندما تأتي مذيعة لتقديم البرنامج الصباحي ولاتعرف من هو الضيف الذي ستستضيفه ، وتسأل المعد الذي لايعرف أي شيء عن الضيف ، فيلجؤون لضيفهم ويطلبون منه كتابة الأسئلة التي سيطرحونها عليه ، وكيف تُقصى مذيعة عن الشاشة ثم تعاد بتلفون ، ولماذا يعنّف مذيع لأنه قال لوزير الاقتصاد في اتصال مباشر معه مساء الخير ، ويقال له في تلفزيون الجزيرة لايقولون مساء الخير للضيف ، وماهي سياسته البرامجية ، وماهو البرنامج الماستر الذي يعتمد عليه في جذب المشاهدين لشاشته ، وعلى أي أساس يتم اختيار شخص ليتعهد برنامجاً أو منصباً ، وعلى أي أساس يقصى شخص من برنامج أو منصب ، وكيف يدار هذا الجهاز العجيب الغريب .

منذ نشر مقالي الماضي عن التلفزيون وحتى الآن وشبكتي الموبايل يزيد ربحهما من شكاوى موظفين ومذيعين ومعدين اتصلوا بي ليخبروني بهمومهم وقصصهم التي لو كتبتها لحدثت أزمة أقلام في سورية ، ومن الطرف الآخر اتصل بي فتى التلفزيون الأول نضال زغبور ليستضيفني (على طريقة طعمي التم بتستحي العين) في برنامجه مدارات ويطلب مني اقتراح الضيف المقابل لي ، ومن بين كل حديثه لفت انتباهي كلامه عن الظاهرة الثقافية ممدوح عدوان ، الذي دعاه السيد زغبور للمشاركة في البرنامج فطلب ممدوح عدوان خمسين ألف ليرة استهجنها صاحب المدارات ، ورغم أن الادارة يمكنها الموافقة استثنائياً على المبلغ قرر السيد نضال زغبور عن سابق تصميم وترصد أن لايستضيفه لأن المثقف يجب أن لايتحدث بوسخ الدنيا ، في حين أن أية راقصة درجة ثالثة تتقاضى مثل هذا المبلغ دون أن يكون ذلك حدثاً استثنائياً في التلفزيون ، بل ويُعتذر لها عن ضآلته .

أظن أن الندوة لو عقدت لن تكون مهمتها أكثر من مهمة كونسلتو يجتمع ليناقش ويحدد أسباب وفاة ميت ، وليس وصف علاجات لأنه في حالة تلفزيون الأستاذ معن حيدر مامن أمل مع متوفى ، ولذلك أقترح عليهم أن لايعقدوها ، وأنا سأعطيهم حجة غير قابلة للدحض يردون بها على من يطالبهم بتطوير شاشتهم ، وهي بأن يقولوا بأن الشاشة السورية هي الوحيدة التي لايستطيع أحد يسجل عليها عيوباً وهذه حقيقة وليست مزحة ، لأن الجمهور الذي تتوجه إليه مقسوم إلى فئتين ، الأولى هي فئة أصحاب الشاشة والمستفيدين منها وهؤلاء على قناعة كاملة بها يرونها كافية وافية جامعة مانعة ، والثانية هم الآخرين الذين لايرونها أساساً ولذلك ليست لديهم أية ملاحظة عليها سوى أنها غير صالحة للاستهلاك الآدمي !

جريدة القدس العربي اللندنية 12/1/2005

 

 

 

 

جواب لسؤال قد يمرّ بذهن قارئ الكتاب

 

ربما لن تمر على القارئ النبيه ملاحظة هامة تتعلق بأمكنة نشر المقالات التي قرأها في هذا الكتاب ، ومعتمداً على فطنته وضعت تاريخ نشر كل مقال ووسيلة النشر ، ليدرك أن أياً من هذه المقالات لم تنشر في وسيلة إعلامية سورية (باستثناء واحد نشر في جريدة الدومري في عددها الأخير الذي سقطت فيه شهيدة على درب حرية الصحافة) سواء حكومية ، وهذا مايعتبر من المستحيلات ، أو خاصة ولدت في الفترة الأخيرة حيث تم منح بعض التراخيص لصحف ومجلات كان كل طموحها أن ترقى إلى مستوى شقيقاتها الحكومية ، مع أن مقالات هذا الكتاب محلية ، بقدر مايمكن سحبها على أي إعلام شمولي منـزوع الأنياب ومقلّم الأظافر ومعطّل الرئتين ، وللقارئ أن يتخيّل بنظرة سريعة على أسماء الوسائل التي تم من خلالها نشر المقالات ، وتنوعها بين صحافة ورقية وأخرى الكترونية مدى الحصار الذي يتعرض إليه الصحافي السوري ، وله أن يلاحظ أيضاً فارق الجرأة في الطرح بين المقالات الأولى وأخواتها الأخيرة ، وهو ماجاء نتيجة حراك صحافي ساهم فيه العديد من إعلاميي وكتاب سورية ودفعوا أثماناً مختلفة ، كي يوسّعوا الهامش ويرفعوا السقف ، وكنت سأعتبر أن هناك مايشبه الانجاز قد تحقق لو استطعت أن أُنهي كتابي بمقال يناقش الإعلام السوري وأذيلّه باسم صحيفة سورية كمكان نشر دون أن أضيف إلى اسمها كلمة الممنوعة من التداول أو المغلقة أو الشهيدة ، وهو أمل أعتقد اليوم أنه قابل للتحقيق أكثر من أي وقت مضى ، لا لأن هناك مايمكن توصيفه بتغيّر في النظرة الرسمية السورية إلى مفهوم الصحافة والإعلام ، ولكن لأن هناك جرعة من شجاعة زادت لدى البعض من محاربي الصحافة السوريين اعتمدوا عليها في محاولتهم لتحطيم الجدار وفتح النوافذ ، ولأن عالماً بدأ بالتغيّر وبحث الخطى نحو الحرية ، ولأننا نشهد اليوم جديداً يولد وقديماً يموت .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفهرس

لماذا أعتبره كتاباً في الخوف ؟ _________________ 7

ثلاثون عاماً من الالغاء ____________________11

(لاصحف .. لاصحفيين ولامن يحزنون)

الصحافة السورية من الصمت إلى حق القول 1 ______23

(كيف نستعيد قارئاً فقدناه )

الصحافة السورية من الصمت إلى حق القول 2 ______35

( واقع المهنة وآفاق التطوير)

كيف يواجه الاعلام السوري الأزمات ___________53

(صورة فوتوغرافية لسقوط صدام واحتلال العراق )

جرائد أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية في سورية ______62

(صحافة كول واشكور)

خطاب إلى السيد وزير الإعلام السوري بصفته لابشخصه _73

(من الصحافي حكم البابا بصفته وشخصه)

اغتيلت حين أرادت أن تكون مستقلة ____________82

( من قتل الدومري ؟)

إعلان وليس مقالاً ______________________90

(صحفي سوري يعرض كليته للتبرع مقابل مكافأة مجزية)

لايبرره التزلف للسلطة ولا طمأنة الشعب _________94

( هل يكف المحلل السياسي السوري عن بيع كليشيهات التفاؤل الكاذب ؟)

الصورة الاعلامية السورية على الفضائيات العربية _____98

(عماد فوزي الشعيبي نموذجاً)

كلام قديم إلى وزير جديد ________________101

( الاعلام السوري صورة عن قرب)

حين تعني حرية التعبير في بلد ما الريبة والشك والاتهام _106

بمناسبة منع بث تلفزيون المنار في فرنسا _________114

(برافو للإعلام السوري حين يرى القشة في عين أخيه)

وجدتها .. وجدتها ____________________117

(الحل السحري للإعلام السوري)

حين يعيد التلفزيون السوري تمثيل دور الذئب

في قصته مع ليلى _______________________120

التلفزيون السوري يخترع صاروخاً عابراً للقارات ___124

جواب لسؤال قد يمرّ بذهن قارئ الكتاب _______128

 

الناشر : دار كنعان

للدراسات والنشر والخدمات الاعلامية

دمشق- ص .ب 443 هاتف: 2134433 11 00963

فاكس 3314455-2134433 11 00963

E-mail:said.b@scs-net.org

الطبعة الأولى 2005

جميع الحقوق محفوظة

 

الغلاف : مقطع من لوحة للفنان عماد حجاج

إخراج: لبنى حمد

 

 

حكم البابا كتاب في الخوف 3

حكم البابا كتاب في الخوف 2

حكم البابا كتاب في الخوف 1

 

للتعليق على هذا الموضوع