Middle East Transparent

02 اكتوبر 04

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

تهافت المثقفين
حجاج حسن أدّول

قضيـة طـرد علـي سالـم من إتحـاد كتـاب مصر مثالاً

 

ندلل على تهافت المثقفين وأشباههم بما كان من الاتحاد (إتحاد كتاب مصر) ومجلسه بقضية تفجّرت خلال هذا العام، قضية التطبيع وفصل الأديب علي سالم من عضوية الاتحاد. المفترض أن اتحاد الكتّاب قلعة من قلاع حرية الرأي في مصر -وفي العالم العربي حسب بنوده- فكيف يفصل عضواً لأنه خالف أغلبية الأعضاء وسافر لإسرائيل؟ ولنفترض أن ما فعله على سالم خطأ 100% ولنفترض أن المستقبل سيؤكد للجميع أن ما قام به علي سالم كان خطئاً 100% فهل من حق مجلس إدارة الاتحاد أن يفصله؟ لا بالطبع ولا بالتطبيع. الفصل فقط إذا كسر العضو قوانين الاتحاد، القوانين الحق، القوانين الدستورية وليست القوانين المفبركة. وأي قرار يمس حرية المبدع هو قرار غير دستوري. فليس من حق المجلس ولا من حق الجمعية العمومية أن تصدر قراراً تكبّل به حرية الأعضاء الفكرية. حرية الرأي وحرية التعبير حق من حقوق الإنسان وهو الدستور الأعظم وكل قرار ضد حرية الإنسان باطل حتى وإن كان صادراً من البرلمان، وحتى على فرض أن هذا البرلمان منتخب انتخاباً حراً وليس من نوعية سيد قراره.

وقد أقر بذلك اتحاد الكتاب في نشرته أخبار الكتاب العدد 47 يوليو ‏2001‏ حين نشرت للدكتور محمد أبو غدير تحت عنوان (التجليات العنصرية في الفكر الإسرائيلي المعاصر) وهو في الأصل (بحث مقدم إلى ندوة الصهيونية والعنصرية التي عقدت في دمشق 27- 30/8/2001) فيقول سيادته.. (تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1965 الميثاق الدولي ضد جميع أشكال التمييز العنصري الذي ورد تعريفه بأنه "أي تمييز أو استبعاد أو تفضيل يقوم على عامل العنصر أو اللون أو السلالة أو الأصل القومي بهدف تقويض أو انتهاك الاعتراف أو الاستمتاع أو الممارسة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أو أي مجال آخر من مجالات الحياة العامة") لنلاحظ ما تحته خط. أليس ما فعله اتحاد الكتاب بعلي سالم يناقض هذا الحق الواضح والذي استشهد به د. محمود أبو غدير واستشهد باستشهاده مجلس اتحاد الكتاب في نشرته أخبار الكتّاب؟!

المثقفون في مصر لم يجيبوا على سؤال هام.. ما هو التطبيع تحديداً؟ هل التطبيع هو زيارة إسرائيل، حتى لو كانت الزيارة لمقابلة عرب 48؟ أم التحدث مع أي إسرائيلي سواء كان هذا الإسرائيلي سائحاً أم مثقفاً، أم قراءة الأدب الصهيوني، أم الموافقة على ترجمة الأدب المصري إلى العبرية، أم المشاركة في ندوات ومؤتمرات تشارك فيها إسرائيل حتى لو كانت بعيداً عن التطبيع؟ أم يا ترى بندين أو ثلاثة من هذه البنود؟ الخ. ففي حديث بمجلة المصور،سئل الشاعر محمود درويش (المصور العدد 5893-61/5/59. أجرى الحوار مجدي الدقاق وأشرف الجداوي، أعده للنشر حلمي النمنم) ما هي حدود التطبيع.. هل إذا جلس مثقف عربي مع آخر إسرائيل يعد تطبيعاً؟ قال درويش إنه حوار، ولا مانع عنده من الحوار. ويستمر الشاعر الكبير محمود درويش شارحاً.. وينبغي أن نضع حدوداً واضحة بين التطبيع والحوار أو المناظرة. والتطبيع في رأيه هو إجراء تسوية بين وعيين بتاريخ هذه الأرض وتاريخ هذه الصراع. والمسألة تتعلق بالوعي بالتاريخ ومشروعية كل طرف. أما قراءة أدب متبادل هذا ليس تطبيعاً. سأله المصور إن طلبوا منه الجلوس مع الروائي عاموس عوز، وهو أحد أهم الأدباء الإسرائيليين، وأخيراً كان من المؤيدين لمجازر شارون ضد انتفاضة الأقصى. فقال درويش إنه يعتبر ذلك مجابهة فكرية. وقال الشاعر الفلسطيني الكبير سميح القاسم: المثقفون عندكم لا يريدون زيارة إسرائيل.. من طلب منكم زيارة إسرائيل؟ زورونا نحن.. زورونا في وطننا.. هذا هو الوطن، نحن نعيش هنا في وطننا.. عندما زرت مصر سألوني عن انطباعي فقلت لهم: انتقلت من وطن إلى وطن. والأديب الكبير إميل حبيبي رحمه الله قال للمثقفين المصريين: زورونا في العمر مرة (كتاب "رحلة لإسرائيل" لعلي سالم. الناشر مدبولي الصغير.) وسميح وإميل من قلب القضية وليسا على حوافها. وأرسل الفنان الفلسطيني خالد الغول، رسالة من بلدته القدس إلى جريدة أخبار الأدب العدد 130 في 7 يناير 1996، نشرت تحت عنوان (التطبيع المضاد.. دعوة للحوار) يحبذ فيها زيارة فناني مصر والعالم العربي إليهم، يقول ما مجملة الآتي:

1-أنهم في أشد الحاجة إلى الالتقاء المباشر مع المفكرين العرب.

2-في ظل الفراغ الروحي والانقطاع الثقافي الذي يعانون منه، تتفشى العقلية الاستهلاكية وسيكون التطبيع الفلسطيني/الإسرائيلي هو البديل الأنسب بالنسبة لهم مادامت خيوط التلاقي مع أجزائهم المكملة مقطوعة، يقصد المثقفين العرب.

وجريدة أخبار الأدب ضد التطبيع وهذه إيجابية من إيجابياتها تشاركها فيها كل الصحف المصرية -وعن نفسي وحتى الآن ضد ذهاب الأدباء إلى إسرائيل طالما بقيت إسرائيل عنصرية طاغية- لكن أخبار الأدب نشرت رسالة المثقف الفلسطيني التي تحث المثقفين العرب للذهاب إلى فلسطين. ونتوقع أن رأي خالد الغول ليس هو الرأي الوحيد بين مثقفي فلسطين، فمن المؤكد أن هناك رأي مضاد يؤيد عدم حضور المثقفين العرب إليهم في ظل الاحتلال الصهيوني.

قصدت بنقل ملخص ما سبق، أن أبين أن الاختلافات في معنى التطبيع اختلافات بينة، اختلافات واضحة حتى في أهم بند من بنود التطبيع وهو زيارة إسرائيل. فلن نستطيع أن نتهم خالد الغول بأنه تطبيعي ولا درويش بأنه ضعف واستملح الدّعة في مدن أوربا وأن إميل حبيبي مسيحي وسميح درزي وتوفيق زياد باع رأسه بدخوله الكنيست الإسرائيلي، إلى آخر ذخائر التخوينات الحقيرة التي لا تنضب من أجربة الأقزام.

مجلس إدارة اتحاد كتّاب مصر، هرب من الدخول في حوارات عميقة لتوضيح مفهوم التطبيع، لماذا؟ لأنه إن فتح الحوار العميق وليس الحوار الصوري الحنجوري، سوف يختلفون ويخونون بعضهم بعضاً وسوف يبتعد عن السباب أصحاب العقول الموضوعية، مثلما يرفع المتأسلمون شعار (الإسلام هو الحل) وحين تحدّاهم الشهيد فرج فودة أن يتفقوا ويشرحوا هذا الشعار ويضعونه في مشروع مفصّل، رفضوا وتحججوا، لأنهم إن فعلوا فسيكفرون بعضهم بعضاً، وكان الحل عندهم هو اغتيال فرج فودة! ولهذا تهرب مجلس إدارة اتحاد الكتاب من الدخول في حوار عقلاني واسع يشارك فيه مجاميع من المثقفين فيتم كشف السطحية والاختلافات العميقة، فكان كبِش الفداء هو علي سالم سواء كان مخطئاً أم على صواب. فالاغتيال هو الأسهل عند المتطرفين ضيقو الأفق أمثال مجلس إدارة إتحاد كتاب مصر.

لقد شاهدنا في التليفزيون وفي الصحف الأديب المفكر لطفي الخولي وهو فوق ربوة من ربى القدس وسط زحام من الفلسطينيين الشجعان يحاولون منع إقامة مستعمرة صهيونية جديدة، كان لطفي يشبك ذراعه في ذراع فيصل الحسيني الشهيد العظيم، فهل كان فيصل الحسيني لا يعلم أن تواجد الخولي تواجد وطني عربي مصري فلسطيني؟ لم يرفض فيصل الحسيني أن ينضم له لطفي الخولي فتشابك ذراعيهما وحاولا الوقوف ضد الجرّافات الصهيونية. وعلي سالم نفسه قابل الكثير من الأدباء الفلسطينيين الوطنيين وقد حصرت أهمهم في فقرة سابقة. فهل كان هؤلاء الأدباء المناضلين رافضين لعلي سالم لأنه مطبّعاتي؟ أم نتهمهم هم أنفسهم بالتطبيع ونريح أنفسنا؟ إن هؤلاء منهم من يسكن الضفة الغربية المحتلة، ومنهم أدباء عرب 48 الذين بقوا رغم كل إرهاب الصهاينة ولم يغادروا، وأذكر الذي تناسى.. أن هؤلاء الممثلين لعرب 48 تعرضوا لأبشع ألوان الاتهامات بأنهم رضوا بالذل وبقوا تحت حكم المستعمر الصهيوني. تعرض عرب 48 خاصة من أهاليهم الذين تركوا فلسطين وهربوا ليكونوا لاجئين، تعرضوا منهم لاتهامات بالخيانة وقبول الذل تحت أحذية الصهاينة. وانهالت عليهم أعاصير التخوينات الشعاراتية. ثم منذ سنوات عاد الذين هاجموهم ليعترفوا ببطولة عرب 48، وأنهم كانوا على حق وعلى وعي وعلى مقدرة تحمّل عالية فبقوا في وطنهم ولم يهربوا، وأن عرب 48 هم السلاح الأهم لعودة الذين ضعفوا وهاجروا وصاروا لاجئين، وأنهم أخطر شوكة في جنب إسرائيل، وأخطر قنبلة تهدد أسس إسرائيل! والأيام تتوالى والسنين وقرن ضياع فلسطين يذهب وندخل قرن جديد، ولكننا لم نتعلم ولا نريد أن نتعلم ونستمرئ الاتهامات لكل صاحب فكر ومحاولة للأفضل من وجهة نظره، لم نتعلم ونصر على محو من يخالفنا في الرأي.

ويتم فصل أديب عارض الأغلبية في اتحاد كتّاب مصر!

استمر وكلي حزن على حالنا وأقول.. أليس المناضل البطل مروان البرغوثي من ضمن جماعة كوبنهاجن التي تم تخوينها والتحريض على اغتيال أعضائها؟ فلماذا لا يهاجم الدونكوشييون مروان البرغوثي؟! حقيقة أنا لا أعلم الكثير عن جماعة كوبنهاجن، فقد قرأت عنها ومنها القليل الذي لا يؤهلني لأحكم، لكنني مما قرأته أجد أن عندهم وجهة نظر يريدون تحقيقها لمصلحة مصر وفلسطين. يريدون تكوين جبهة سلام عربية إسرائيلية تعمل ضد مشروع الهيمنة الصهيونية، أو هكذا فهمي أنا. فما المانع من تركهم يحاولون؟ نفترض أنني خالفتها وظننت أن مسيرتها ضارة بنا كشعب مصري وكشعب عربي وكشعب مسلم مسيحي، لنفترض.. فهل من حقي أن أكيل اتهامات الخيانة على رؤوس أعضائها؟! هل من حقي أن أسبهم وأحقرهم؟! إنها قلة أدب فكرية وتدني ثقافي إرهابي يشمل حال الثقافة في مصر. حقي فقط أن أخالفهم وأجادلهم، وإلا كان من حقهم هم أيضاً أن يتهمونني بالخيانة ويسبونني ويحتقرونني، وبهذا تتحول ساحتنا المصرية العربية إلا ساحة قتال نحن فيه القاتلون والقتلى، وهكذا نحن الآن.

وأيضاً مفكرنا الكبير الذي كتب أهم موسوعة (اليهود واليهودية والصهيونية) والذي هددته الصهيونية بالقتل العديد من المرات، وهو الدكتور عبد الوهاب المسيري، ألم يشارك في ندوة هامة بثت في إحدى قنوات الولايات المتحدة الأمريكية، وتمكن بعلمه وذكائه أن يطيح بخصمه الصهيوني ويفضح تهافت الصهيونية؟ ومراسل التليفزيون المصري طارق عبد الجابر وبقية صحبته، ألم يفضحوا ومستمرين في فضح حيوانية الصهيونية على شاشات التليفزيون المصري ومن داخل إسرائيل نفسها؟ هل نتهم الدكتور المسيري لأنه جالس صهيونياً بأنه تطبيعي؟ وطارق عبد الجابر مطبّع بدخوله إسرائيل وخاتمها مطبوع على جواز سفره؟ ما هذا الهراء؟ والعبقري نجيب محفوظ والحاصل على نوبل في الأدب، لم يُخَوِّن ولم يسحب الوطنية ممن ذهبوا لإسرائيل وهو نفسه قابل الدكتور ساسون العراقي الأصل والمنادي بالسلام، وصاحب نوبل في العلوم د. زويل ذهب مراراً لإسرائيل، فهل نخون ونحاول تلويث نجيب وزويل؟ بالمناسبة.. لماذا لم يشجب المجلس نجيب وزويل والمسيري ودرويش وعبد الجابر؟ لا نقول فصلهم فزويل والمسيري ودرويش وعبد الجابر ليسوا أعضاء في الاتحاد، أم أن علي سالم هو الحائط الضعيف المائل بالنسبة للاتحاد ليمارس دون كوشِيّته؟

إن العمل على كسب ولو شريحة ضئيلة من الإسرائيليين هو خصم منهم ومكسب لنا وكسب لقضية السلام إجمالاً. ثم إن حربنا ضدهم طويلة طويلة. لن تنتهي في عام أو حقبة، بل ربما استمرت قرناً، فنحن شعوب وقوميات ولسنا أفراداً أو عائلات أو حتى قبائل. نحن شعوب وقوميات حربنا أصلاً حرب ثقافية تعميرية شاملة. لقد كانت معظم إفريقيا السوداء ضد إسرائيل خلال حقبة الستينيات والسبعينيات، لم تيئس إسرائيل من اكتساب هذه الدول، بل استمرت في المحاولة للدخول إليها حتى استطاعت من الثمانينيات، وكذلك فعلوا مع الهند والصين وروسيا الخ. فلماذا نيئس من كسب شريحة إسرائيلية منهم وتتسع هذه الشريحة ولو بعد حين؟ هم يفعلون ذلك بنا فلم لا نفعل بهم مثلما يفعلون بنا؟ ثم مهما كانت أنهار الدماء التي تجري جرياً على الأرض فَمنْ مِن البشر يستطيع أن يؤكد أن الحرب ستستمر إلى ما لانهاية؟ ومن من البشر يمتلك مليمتراً من العقل يقول أننا نستطيع تحت هذا الظروف العربية والمتوسطية والعالمية الآنية، أننا نستطيع أن ندحر إسرائيل عسكرياً؟ لقد شاهدت بنفسي عام 1974 الشعب المصري في إسكندرية وهو يقف جحافلاً على جانبي كورنيش إسكندرية مستقبلاً ومحيياً بفرحة عميقة رئيس الولايات المتحدة الأسبق ريتشارد نيكسون ووزير خارجتيه اليهودي هنري كيسينجر ويهتف لهما مرحباً! وكان هذا مشهداً بانورامياً غريباً بالنسبة لكل من يتفكر، وخاصة لمن بقى مثلي سنوات يحارب فيها إسرائيل ويعلم يقينا أن أمريكا هي القوة الرئيسية عند إسرائيل. (تكرر مثل هذا المشهد البانورامي الغريب حينما زار كلينتون رئيس الولايات المتحدة فيتنام فاستقبل من الشعب استقبالاً طيباً، هذا رغم مرارة الحرب التي كانت بينهما وما فعلته الولايات المتحدة بفيتنام من تدمير وحشي).

فهل إن تأكد لشعب إسرائيل أن القوة والاستيلاء لن يفيداهما لا سلاماً ولا أمناً ولا اقتصاداً، وتغيروا ولو بعد سنين طوال وتفاهموا وأعطوا حقوق الفلسطينيين وحقوق السوريين واللبنانيين، وولوا رئاستهم رؤساء يؤمنون بالسلم، هل أن تأكد لشعب إسرائيل ذلك، ألا نتوقع أن شعوبنا والشعب الفلسطيني نفسه سوف يرحب برؤساء إسرائيل المسالمين خاصة لو تأكدت الشعوب أن مستواه الاقتصادي يتقدم؟ عن نفسي لا أستبعد ذلك أبداً. وأرى إنه الحل الوحيد.. دولة فلسطينية ذات وجود جلي وكبرياء وطني، واقتصاد ينهض في المنطقة كلها يرطب جوف الشعوب وينسيها أنهار الدماء مع الأيام، وعلى كل دولة أن تحاول أن تكون في القمة اقتصادياً بقواها الذاتية وهو الجانب الوحيد الذي ستتنافس فيه الدول. وسيكون علينا في مصر أن نتحول بسرعة ومن الآن إلى دولة ذات حِراك اجتماعي حر يبرز المتميزين من أبناء وبنات المجتمع لنعمل بثقافة الإتقان مبتعدين عن ثقافة العشوائيات التي تفرز فينا أصحاب القامات المتوسطة على رأي الأستاذ طارق حجي- الذين يمسمرون الدولة لتستمر في حالة الجمود البائس المتخلف.

لنعود لاتحاد الكتاب ونقرأ مختصر مما سطرته أخبار الكتاب العدد 47 يوليو ‏2001‏ تحت عنوان (التجليات العنصرية في الفكر الإسرائيلي المعاصر) للدكتور محمد محمود أبو غدير.. (أحد كبار الأدباء الإسرائيليين المعاصرين وهو موشيه شامير حين قال.. لقد تجاوز إجرامنا إجرام روسيا في الشيشان وأفغانستان، وإجرام أمريكا في فيتنام وإجرام صربيا في البوسنة. والدولة اليهودية في نظر شامير هي "المكان الوحيد في العالم الذي تعمل فيه فرق قتل قانونية والذي يجيزون فيه سياسة الاغتيال" وينهي شامير كلامه متسائلاً: "ما الذي نكرهه عند النازيين الألمان؟ هل هي عنصريتهم؟ إن عنصريتنا ليست أقل انتشاراً أو أذى).

.. الأديب س. يزهار الذي شارك بنفسه في العديد من الحروب ضد العرب منذ حرب 1948 فصاعدا، وعن حرب 1948 وما ارتكب خلالها من جرائم في حق الفلسطينيين كتب أكثر من قصة قصيرة ورواية كبيرة الحجم هي رواية "أيام صقلاج" والقصتين هما (الأسير عام 1948 وخربة خزعة صدرت عام 1949).

.. الأديب نتان شاحم. كتب قصصاً تبين طغيان الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين. (سبعة منهم) عن سبعة أسرى وحكاية الألغام السبعة!

.. الأديب يجال ليف كتب رواية "أقسم بالله يا أمي أنني كرهت الحرب" وهي تكاد أن تكون مذكرات شخصية خلال الحرب تبين نسف منازل الفلسطينيين وإطلاق النار عشوائياً عليهم).

هذه عينات من أدباء مهمين في نسيج العدو، هل من العيب أن يتصل بهم من يستطيع محاورتهم وكسبهم والعمل بهم على خلخلة المجتمع الإسرائيلي؟ وإن لم تنجح المحاولة، أليس من واجبنا الوطني أن نحاول؟ ولنستمر في قراءة ما سطره د. أبو غدير في العدد المذكور..

(..الأديب الإسرائيلي السوري الأصل أمنون شموشي، يوجه كلامه إلى المؤسسات الإسرائيلية الرسمية: أعطونا فرصة للمشاركة في العمل، نحن لا نريد صدقة من أحد، فالصدقة لن تجعلنا نشعر بالانتماء والتعاون.

.. الأديب الإسرائيلي العراقي الأصل سامي ميخائيل: "نحن أبناء الطوائف الشرقية في انتظار مقدم أديب ينتمي إلى إسرائيل الثانية ليقوم بتحطيم رؤوس الجميع.. نحن في انتظار هذا الأديب لكي يخلص عالم الأدب العبري من عالم الغربة الغارق فيه ولكي يخلصه أيضاً من الأدباء الذين يعيشون في صوبات ويتعرفون على الواقع من خلال النظر عبر النوافذ فقط، إن أحداً لن يستطيع وقف زحف الأدباء الشرقيين حتى لو استمر النقاد الاشكناز يتناولون بالدراسة الأدباء الذين نشأوا داخل معامل معقمة. إن مثل هؤلاء النقاد لن يمكنهم وقف قدراتنا الأدبية.

تخيلت المجلس حين أصدر قرار فصل علي سالم، تخيلته في هيئة جيش باغ ارتدى الحلل العسكرية (بضم الحاء وكسرها) وتمنطقوا بالقنابل الحارقة وكبسوا رؤوسهم بخوذات حديدية فضغطوا على أمخاخهم وقزّموها، وأشهروا بنادقهم المثبت بها الأسلحة البيضاء ومن خلفهم تتقدم الدبابات في هدير مثير للأتربة والغبار ومن فوقهم طائرات إف 16 تحطم حاجز الصوت ومروحيات الأباتشي تكاد تزحف على الأرض وهي تطلق صواريخها على الأديب اليتيم الذي كتب عنه عضو مجلس الإدارة د. يسري العزب في أخبار الكتُاب العدد الفضيحة يقول (ويكاد يكون هو الوحيد بين الكتاب والمثقفين العرب الذي جاهر بهذه العلاقة غير المعقولة)! يا جحافل مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر وتابعيهم.. إذا كان هو الوحيد بين كتاب ومثقفي العرب على رأي دكتوركم، لماذا كل هذه الضجة التي أثرتموها وهذه الحرب المفترية؟ فرد واحد يتيم بين ألوف المثقفين والكتاب العرب، فكم تكون نسبته المئوية؟ واحد في الألف؟! وإن كان على سالم هو الوحيد، فهل هذا الذي لا يضم معه إلا نفسه، يستوجب هذا الطرد العصبي؟

نعلم تماماً أن التطبيع هدف كبير وخطير تسعى وراءه الصهيونية، فهي بالتطبيع خاصة مع المثقفين تتسلل لوجدان الشعب وضميره، يعلمون أن المثقفين ضمير المثقفين الحقيقيين- والثقافة بند من بنود تكوين وجدان الشعب، والوجدان بند من بنود صناعة القرار بالضغط على أصحاب القرار، ولأن وجدان أصحاب القرار من وجدان الشعب، أو هكذا المفروض. التطبيع مع عامة الشعب أو مع قطاع كبير منه، هو أمن للدولة الساعية للتطبيع، أمن أساسي يكون الأمن العسكري جزء منه وليس العكس. معركتنا مع إسرائيل طويلة طويلة. أسلحتها حضارية شاملة تحوي من ضمن قواها القوى النفسية والدينية وغيرهما في مشمول الثقافة بمعناها الواسع، بالإضافة إلى القوى العسكرية. ومن ينادون بالحرب في كل مشكلة تقع مع إسرائيل مثلهم مثل سفاحي حرية الرأي، متخلفون ولا يختلفون عن دعاة الحرب أيام كارثة 1967 شيئاً. وكأنه كُتب علينا أن لا نتعلم ولو من كارثة مثل كارثة 67.

ورفضنا التطبيع ووقوفنا ضده حتى نأخذ حقوقنا المصرية والعربية والدينية (إسلامية ومسيحية) ليس فقط حق لنا، بل واجب علينا، واجب وطني مصري وواجب قومي عربي وواجب ديني إسلامي مسيحي، بالإضافة إلى إنه واجب إنساني على وجه العموم. وأعلم أنا تماماً أن ذهاب أديب مصري أو أديب عربي إلى إسرائيل في مثل هذه الأحوال خطأ، وإن سألني أحد هل تذهب؟ أقول لا. ذهابي أنا خطأ، فذهابي فائدة لعدوي وضرر لوطني، فسهل على ألعبان صهيوني أن يحاورني ويكسب نقاط مني، فأنا لست المؤهل لمجابهتهم فكرياً وموضوعياً، لكن ذهاب الباحثين الدارسين والصحفيين الشرفاء والمراسلين الواعين هو فضح لهم وفائدة لنا. مثلاً كم هي حاجتنا إلى إصدارة مثل (مختارات إسرائيلية) وهي من إصدارات جريدة الأهرام. وهي مجلة لرصد المجتمع الإسرائيلي ككل سواء من الخارج أو من داخلها بجمع المعلومات عنه ثم تحليلها. فلا داعي لخلط الأوراق.

يقول قائل.. وهل علي سالم دارس من الدارسين للصهيونية بحيث يستطيع فضحهم واستمالة قطاع منهم للسلام الحقيقي المبني على العدل؟ أقول للقائل وهل قرأت أنت له واستمعت إليه؟ أقول اقرأ كتابه وتابع مقالاته وحواراته، بل حاوره شخصياً إن جاءتك الفرصة ثم قل رأيك الخاص بك، سواء له أو عليه بدون تنطع وتخوين. لكن ابتعد عن حالة القطيع. حالة القطيع هي استسهال وجبن، بل هي استهانة بالعقل وتسفيه للوطن الذي يحتاج منّا إلى شجاعة الفكر وشجاعة القول. وصدق الأديب الكبير يحي حقي حين قال (أسوأ أنماط المثقفين هو المبتلي بعقلية القطيع).

التطبيع.. أرى أن نتفق على معنى دقيق لهذه المصطلح تتكاتف حوله الأغلبية، ومن يرفض المفهوم الذي ارتضته الأغلبية، فلا يُتهم بالخيانة ولا يفصل من الاتحاد، فهو حر. وأيضاً وجود أقلية بسيطة هي استثناء يؤكد القاعدة، بل يقويها. وادعاء امتلاك الحقيقة خطأ حتى لو كانت الأغلبية المطلقة ارتضت أمراً وشذ عنها فرد واحد. إن فصل عضو من اتحاد الكتاب فضيحة مخزية لاتحاد كتاب مصر ولمصر كلها. ندبة مؤسفة في جبين كل مثقف حر. لم يتعلم مجلس إدارة اتحاد الكتاب من هوجة رواية (آيات شيطانية) فصدور فتوى خومينية تحرّض على اغتيال مؤلفها سلمان رشدي، أدت إلى العكس تماماً، فقد ساعدت على ذيوع اسم المؤلف وراجت الرواية حتى صارت من أهم روايات تاريخ الأدب الإنساني كله، ومقابل هذا اهتزت صورة الإسلام في الغرب، بل ازدادت نسبة المسلمين الغارقين في الغوغائية الدموية الغبية. ولم يتعظ المجلس الموقر مما حدث لرواية (وليمة لإعشاب البحر) ولا للروايات الثلاثة التي تلتها. لم يتعظ وهو في قلب هذين الحدثين؟ هل المنع صرف الناس عن الممنوع؟ وهل فصل علي سالم ليس دعاية جيدة له ولمفهومه وفرصة له ليقوم بشرح وجهه نظرة أكثر؟ هذا من ناحية الذكاء، ذكاء التصرف بغض النظر عن الحق. أليس فصل عضو من أعضاء اتحاد كتاب مصر عار على اتحاد كتاب مصر؟ وفي نفس الوقت تزداد إسرائيل دلالاً وتيها بقولها أنها واحة الديموقراطية والحرية في الشرق الأوسط؟ هي ليست كذلك لأنها أولاً وأخيراً دولة عنصرية، لكننا أيضاً انحدرنا فلم نعد فقط فاقدين للديمقراطية الحقيقية وواقعين تحت تجبّر السلطة، بل الأدهى أن التجبر استفحل وامتد وصار منّا نحن فينا.

والمضحك أن مجلس إدارة اتحاد الكتاب كوّن لجان منها لجنة الحريات! والبند الأول لهذه اللجنة يقول.. (العمل على دعم حرية الكتاب في إبداعهم وتفكيرهم بما يحقق قدرتهم على تحقيق إنجازهم في نهضة الوطن وتقدمه). أي تناقض يا اتحادنا؟ وما تحاولون فعله بعلي سالم، هل هو متسق مع هذا البند؟ وفي نشرة الاتحاد رقم 45 الصادرة في مايو 2001 نشر (بيان من اتحاد كتاب مصر) يقول فيه بالبنط العريض (.. دفاعا عن حرية الفكر والإبداع.. يتابع اتحاد كتاب مصر بقلق بالغ التهديدات المتوالية في الفترة الأخيرة لحرية الفكر والإبداع وحق الاختلاف، ففصل الأستاذ الدكتور محمود حماية من جامعة الأزهر بأسيوط، لمجرد إعلانه الاختلاف مع شيخ الأزهر، والدعاوى المرفوعة ضد الدكتورة نوال السعداوي بتهمة خروجها على الدين، وعلى الأستاذ توفيق عبد الرحمن بتهمة خروجه على التقاليد، هي جميعاً تهديدات واضحة لحقوق المفكرين والمبدعين في الفكر والإبداع) تناقض فيما فعله الاتحاد بفصل علي سالم وشجبه لفصل المفكرين هنا! والبند الثاني للجنة حريات اتحاد كتاب مصر يقول.. (اتخاذ المواقف الواضحة بشأن القضايا المتعلقة بالحريات عربياً وعالمياً بعد دراسة مستوفية). يا صلاة النبي، على رأي إسماعيل ياسين. وهنا أسأل لجنة الحريات هذه، ألم تسمعوا بما يفعله نظام بشار الأسد من اعتقال المفكرين السوريين المعارضين لجبروته؟ إذن ماذا فعلتم لتدافعوا عنهم؟ ونفس السؤال أسأله للمدعو رئيس اتحاد الكتاب العرب السيد/على عقلة عرسان (ع،ع،ع) الذي يتخذ العاصمة السورية مقراً له، وقد رحب بفصل علي سالم على صفحات نشرة اتحاد الكتاب العدد الفضيحة، أسأله ماذا فعلت يا سيد عرسان (أظنها بفتح العين) في قضية اعتقال بشار الأسد للمفكرين السوريين المعارضين؟ ماذا فعلت حين اعتدت المخابرات السورية على الروائي نبيل سليمان حتى قارب الموت؟ ألم تدعي مع أمثالك أنها حالة جنائية، وأنه مديون من بعض الناس وربما هم الذين ضربوه؟! يا لسخافتك وسخافة من حاولوا تبرير ضرب نبيل سليمان. ثم يا سيد عرسان.. هل نطقت حرفاً ضد تعذيب المعارضين ببشاعة في عهد ولي العهد الصغير الذي غيروا له الدستور ليكون رئيساً للجمهورية؟ هل نطقت بحرف ضد تعذيب وقتل الأحرار أيام أبيه. هل أصدرت بياناً يا سيد ع،ع،ع حين تم إغلاق المنتديات الثقافية التي تنادي بحرية المواطن؟ وأسألك أيها المناضل الحنجوري العظيم.. لماذا استقال الأديب سعد الله ونّوس من اتحاد الكتاب السوري قائلاً إنه لا يشرفه عضويته فيه؟ هل سألت عن السبب وساندت ونّوس وهو من أهم كتّاب المسرح في تاريخ العرب كلهم؟ وأسألك سيدي المغوار.. هل كتبت أو تحدثت ولو سراً عن حظر سوريا لكتب الأديب السوري سليم بركات وإصرارها على منع تداول اسمه في وسائل الإعلام السورية؟ ثم أليس مجلس اتحاد الكتاب السوري شُعبة من شعب المخابرات السورية؟ وهل كتبت أنت بيديك الكريمتين تقارير بوليسية ضد بعض الكتاب السوريين الأحرار كما يقال عنك؟ السيد ع،ع،ع رئيس اتحاد كتاب العرب.. أقول لك.. لن يدوم بشار أو فشار ولن يدوم غيره حتى لو سانده أمثالك أو تغاضوا عن جبروته، ولن يدوم ديكتاتور في عالمنا العربي التعس المتخلف، ليس لأنك وصحبك مناضلون ضدهم وليس لأن أمثالي الكارهين لهم سوف يقومون بفعل إيجابي، فنحن مثل شعوبنا لم تترسخ فينا قيمة العمل الجماعي وإن تجمعنا، فإننا نطعن بعضنا ونبكي ونشكي مطالبين بتعطف الحكام ليتكرموا علينا بمجال أوسع من الحرية بدلاً من العمل لانتزاع حقوقنا، لن يدوم ديكتاتور عربي لأن العالم يرفض الديكتاتورية ويعمل على إسقاطها. سيسقط بشار وسيتم حسابك برصد أفعالك وأقوالك أنت وطراطير السلطة وكل سلطة يوماً عله قريب.

نعود للمجلس المصري الذي ألزم نفسه في البند الثاني للجنة الحريات المشار إليه سابقاً بـالآتي (اتخاذ المواقف الواضحة بشأن القضايا المتعلقة بالحريات عربياً وعالمياً بعد دراسة مستوفية) وعليه أسأل حضرات أعضاء لجنة الحريات.. ألم تسمعوا عن فضيحة قتل المهدي بن بركة وفتح هذا الملف البشع مرة أخرى في المغرب واعتراف أحدهم بأنهم ذوبوا جثته في الأحماض، إذن ماذا فعلتم لمقاضاة القتلة وفضحهم؟ وغيره وغيره فعالمنا العربي عالم فضائحي متخلف.

لنقرأ ما كتبه الفليسوف ستيوارت مل فيما يخص حرية الرأي لكل فرد ( فإذا انعقد إجماع البشر على رأي، وخالفه في هذا الرأي فرد واحد، ما كان حق البشرية في إخراس هذا الفرد، بأعظم من حقه في إخراس البشرية، إذا تهيأت له القوة التي تمكنه من ذلك.. إن الضرر الناجم عن إسكات التعبير عن الرأي، يعني أننا نسرق الجنس البشري كله، نسرق الأجيال القادمة والجيل الحاضر . نسرق الذين يخالفون الرأي أكثر من الذين يوافقون عليه. ذلك لأن هذا الرأي، إن كان صوابا، فقد حرمنا هذه الأجيال من فرصة استبدال الحق بالباطل. وإن كان خطأ فقد حرمناهم أيضا من نفع عظيم، وأعني به الإدراك الأكثر وضوحا للحق، والتمكن منه عندما يصطدم بالخطأ..

.. إذا كان الرأي الذي أخرسناه خاطئاً، فانه قد يكون مشتملاً على جزء من الحقيقة، وهو ما يحدث في كثير من الأحيان، وما دام الرأي العام، أو الشائع، حول موضوع ما، قلما يشتمل على الحقيقة بأسرها، كانت الطريقة الوحيدة لإبراز ما تبقي من الحقيقة هي إتاحة الفرصة للآراء المتعارضة لأن تتصارع)

ولأنني أديب ولست باحثاً ولن أستطيع شرح ما يدور بذهني مثل المتخصصين، فدعوني أستمر في الاستعانة بمقولات المفكرين وأنقل لكم جانب من مقال للدكتور صلاح سالم بعنوان إصلاح المناهج الدراسية، يشير فيه إلى خطورة غَلَبة الأحادية على المجتمع ( ..أولا: قيمة الأحادية: وتعني رفض حقيقة التعدد وعدم القبول بالآخر سواء على مستوى الرأي والفكر أو النظم أو الجماعات. والاعتقاد بسيادة موجود واحد. وتأتي قيمة الأحادية كانعكاس لممارسة تلقين المطلق "طرح الأفكار والمقولات والحقائق على أنها مُطلقة وليست نسبية" وتكريس وعي يضفي على الأفكار والنظم والأشخاص نوعاً من القدسية، وهو ما يلصقه البعض افتراء بالإسلام. والواقع أن حقيقة التعدد هي إحدى الحقائق الكبرى في الوجود، كما أنها أحد المبادئ الأساسية في الدين الإسلامي فوحدانية الله، وهي الركن الأساسي في الإسلام إنما تَعني أن كل ما عداه تنتفي عنه هذه الصفة ويخضع لمبدأ التعدد، كما تشير إلى أن القدسية لله وتنصرف إلى كلامه (القرآن الكريم) وسواهما ليست هناك مقدسات.

ويترتب على قيمة الأحادية مجموعة من الخصائص الثقافية، أقل ما توصف به أنها عكس ديمقراطية. ومن هذه الخصائص:

1-الانفصال بين الفكر والواقع، ففي حين يظل الفكر أسير هذه الأحادية، يعكس الواقع تعدد مفرداته وتنوع موجوداته، ومع أو مواجهة مع هذا الواقع يتفاقم الشعور بالاغتراب، ويصبح الانعزال هو السبيل الوحيد أو السياج الواقي.

2-عدم القدرة على التعايش مع الآخرين والانفتاح عليهم، والاقتناع بعدم جدوى الحوار معهم، ومن ثم عدم التسامح مع كل ما هو مختلف.

3-هذه النظرة تؤدي إلى تشويه كل ما هو مختلف وبالتالي تنهار الثقة في الآخرين ويسيطر الشك والتوجس وتبادل الاتهامات.

ثانيا: الثنائية الحدية: وتعني تصور أن ثمة نموذجين متناقضين لا يجتمعان أبداً، أو أن هناك بديلين على طرفي نقيض لا ثالث لهما. وترجع إلى التفكير بطريقة "إما.. وإما" "من ليس معنا فهو ضدنا "وعرض الأفكار والقضايا في شكل ثنائية متناقضة وقولبة الأحكام المسبقة والتي تنطوي أنه ما لم يكن كذا فهو كذا بالضرورة، ولهذه الخاصية باع طويل في تقويض الممارسة الديموقراطية وتعزيز التطرف..)

ثم يذكر د. صلاح الفرق بين ثقافة القطيع وثقافة الفريق، وكيف أن التكوين الثقافي الخاطئ يشكل قيداً على الديمقراطية وأساساً للتطرف والعنف. وهكذا فعل اتحاد الكتاب، شكّل قيداً على الديمقراطية وتطرف واستخدم العنف ضد الرأي. وأقول اتحاد الكتاب فعل ذلك وليس فقط مجلس إدارته، لأن الأغلبية وافقت على هذا القرار الجائر الطاغي سواء بالكتابة أو حتى بالصمت، ومن يقرأ نشرة أخبار الكُتّاب العدد 45 في مايو 2001، يتبيّن الأسلوب الإرهابي المكارثي في نفوس أعضاء الاتحاد، وسوف يتولى الباحثون والمفكرون فضح هذا العدد المبتذل في وقته وبيان أن المجلس بدلاً من أن يكون بوقاً للرأي العام المستنير، تحول ليكون بوقاً للغوغائية ونموذجاً لحال القطيع.

وإن كنّا نتعجب من هذا التصرف، فإن العجب الأساسي لو كان مجلس الإدارة أدى العكس! لماذا؟ لأن حال مصر كلها والعالم العربي كله- هكذا، غوغائية، حتى أغلب المثقفين والهيئات الثقافية صارت الغوغائية والمظهرية ديدنهم. والسبب شرحه الدكتور عبد المنعم سعيد (فإن تراث يوليو قائم على توحد النخبة في الإرادة السياسية للدولة لا زال باقياً ويفرض نفسه على الساحة الفكرية والسياسية من خلال المنطق الذي يقوم عليه حيث يصير الكل في واحد، ومن خلال بيروقراطية الدولة التي تعززت مواقعها وتكاثرت أذرعتها على عكس ما يعتقد الجميع).

ويستمر في مقاله.. (فقد اشتركت أدوات التنشئة السياسية في أجهزة الإعلام العامة والتربية والتعليم في العمل على استقرار ذلك المفهوم القائم على وجود إرادة عامة ينبغي أن ينصهر فيها الكل في سبيكة واحدة، أما الاستقلال بالرأي، أو الانفراد بفكرة، فقد ظل النظر إليه بمثابة نوع من الانحراف غير المحمود، إن لم يكن ما هو أكثر، ورغم الجهود الكبرى التي بذلت خلال الأعوام الأخيرة من أجل السماح بقدر أكبر من التعددية في هذه الأجهزة وفي البرامج الدراسية، فإنها لم تنغرس بعد لكي تصير قيمة عامة، ولا يزال الطابع الغالب عليها ينحو إلى وحدانية التوجه ووجهة النظر).

ولنقرأ توجهات السيد فاروق خورشيد رئيس الاتحاد فور أن تم انتخابه، يقول في تصريح صحفي له (ولدي فكرة "جادة" سأحاول تطبيقها قريباً وهي تشكيل مجلس أباء للاتحاد سيكون له دور كمجلس الشورى، تشريعي وله الحق في إصدار توصيات ملزمة للمجلس ورقابة عليه وسيعين في هذا المجلس كبار الأدباء المؤسسين للاتحاد). فلننظر عقلية ذلك الرجل الرقابية التحكمية السخيفة، مجلس يشكله وهو وأمثاله ويفرضه ويفرض رقابته على الاتحاد. ولنلاحظ كلمة "أباء" إنها النظرة الديكتاتورية والتي تذكرنا بأنور السادات حين قال إنه كبير العائلة، ولأنه كبير العائلة فله أن يتصرف بحريته ولا يعارضه أي عيل من العيال! ثم إن مجلس الآباء هذا يكون في المدارس المصرية الابتدائية والإعدادية، فهل الأدباء عند نظر حضرته تلاميذ ابتدائي وإعدادي يحضر لهم مجلس آباء يلزمهم بالآراء؟! بالطبع هو لا يقصد أغلب أعضاء الاتحاد الذين دخلوا المجلس عنوة وخلسة، هو يقصد التحكم في الأدباء الحق الذين يرفضون عقليته.

وللسيد فاروق خورشيد رئيس الاتحاد له تصريح عجيب آخر تعليقاً على أسلوب كتابة بعض الأدباء سواء كانوا جيدين أم لا، يقول حضرته ("إن المصادرة هي الحل الوحيد مع هؤلاء "الأطفال" الذين يمارسون الكتابة وليس لديهم أي إضافة، فقط يسعون وراء الشهرة والإثارة ويخالفون القاعدة الأخلاقية والدينية والاجتماعية والسياسية أيضاً، فنحن حسب كلامه- مجتمع مسلم وتقليدي ومحترم ويجب أن نصادر كل من يخترق هذه التقاليد الفكرية والأخلاقية" ولم يحدد لنا رئيس الاتحاد من الذي يمتلك حق المصادرة؟!) وينتهي تصريح السيد رئيس الاتحاد. ويلاحظ أن بيان اتحاد كتاب مصر (دفاعاً عن حرية الفكر والإبداع) الذي رصدته سابقاً أن الاتهام الموجه للدكتورة نوال السعداوي هو خروجها على الدين، والاتهام الموجه للأستاذ توفيق عبد الرحمن هو خروجه على التقاليد، وقد دافعت عنهما لجنة الحريات باتحاد الكتاب، واتهام السيد الرئيس لبعض المبدعين في تصريحه المبين كان مبنياً على أساس مخالفة من يهاجمهم للقاعدة (الأخلاقية والدينية والاجتماعية والسياسية)! اضطراب وغوغائية وسبهللة وكلشينكان. هل هذه عقلية رئيس مجلس إدارة اتحاد كتّاب مصر؟ لو فرضنا وحذفنا اسم السيد المذكور ووضعنا بدلاً منه اسم أحد المتطرفين المتأسلمين، فهل سيكون هناك فرق في العقلية؟ وإن كان الرئيس تفكيره هكذا، فكيف هم أغلبية السادة أعضاء مجلس الإدارة؟ بل كيف هم أعضاء الاتحاد الذين انتخبوا مثل هذا الرئيس ومثل هذا المجلس؟! وإن كان هذا هو تفكير رئيس مجلس اتحاد كتاب مصر وهذا هو اتحاد كتّاب مصر، فكيف هو حال بقية النقابات والاتحادات المصرية؟ بل كيف حال بقية المواطنين العاديين؟! وهل نحن بهذه الحالة شعب متحضر؟! نقول إننا أصحاب حضارة سبعة آلاف سنة، وهذا حقيقي، لكن ليس لأننا كنا حضارة زمان نكون بالضرورة متحضرين حالياً. توجد موروثات من السبع آلاف سنة مازالت داخلنا وإن كانت خافتة باهتة، لكن عشرات السنين تحت نير العثماليّة والمماليك وديكتاتورية العسكر، حطمت الكثير ولوثت الكثير بالإضافة إلى ضعف الدفع الذاتي للموروثات الإيجابية، فقد طال بها الأمد فصرنا حالياً شعب متخلف عدوه يعلي من قيمة مستوطنه فيصنع القنبلة الذرية والصواريخ وينشئ وادي السليكون ويصير من أغنى تجمعات العالم وأخطرها، وشعبنا الذي انحدر للتخلف يلعن أعداءه في مقالاته وكتبه ويسخر منهم بالكاريكاتير الفج ويفضحهم بالقصائد العصماء ويهددهم بالأناشيد، كل هذا في منظومة حنجورية رائعة، ثم ينام الكل راضياً هانئاً. نفس ما كان من قبل حين أتى إلينا بونابرته فسالت الجموع في الشوارع العِفشة والساحات النتنة وهي في أوسخ الملابس التي يسرح فيها البراغيث والبق والقمل، جموع شائهة تنظر للسماء وتهلل وتكبر ولا تأخذ بالأسباب، ثم يقع عليها قنابر (قنابل) الفرنسيس فتصيح الجموع.. يا رب يا لطيف. ويا خفي الألطاف نجنا مما نخاف! وهل ينجي الله أناس استناموا وتهدلوا ونسوا أن الخالق خلق لهم عقولاً لكنهم أصروا أن يكونوا قطعان بهائم؟ أناس نسوا الله فأنساهم أنفسهم. قال نزار قباني في قصيدته الشهيرة (هوامش على دفتر النكسة) ..

نقعد في الجوامِع

تنابلاً كُسالى

نُشطِّرُ الأبيات.. أو نؤَلِّف الأمثالا..

ونشخذ النصرَ على عدوِّنا

من عنده تعالى...

ومازلنا نحن هم نحن.. هل تغير شيء؟ لا. انهزمنا من العثمالّي وكان في استطاعتنا أن نهزمه، تركنا بعض القواد الخونة يتلاعبون بنا لينتصر الغازي المتخلف. انهزمنا من بونابرته وكان في استطاعتنا أن نهزمه لو أعملنا العقل وحاصرناه وجنوده يكادون أن ينهاروا من التعب والمرض، انهزمنا لأن قيادتنا كانت عند مماليك ملاحيس أغبياء. انهزمنا من الإنجليز وكان في استطاعتنا أن نهزمهم لكن قيادتنا رضيت أن يسخر منها العدو وتركنا خاين بك (خاير بك) يطعنا في الظهر. انهزمنا من الصهاينة فقد اكتفينا بحروب الخطب والأناشيد وأهل الثقة "أهل الثقة اسم تحسين تدليل لجماعة المنافقين، مثلما نكسة هي تدليل لهزيمة 67 وأمراض الصيف تدليل لوباء الكوليرا الخ". والقاسم المشترك في هذه الهزائم.. شعب مطحون مفروض عليه أن يكون متراخياً متخلفاً ليصير مجرد قطيع رغم أنفه للقيادات المسيطرة عليه، قيادات غبية بعضها خائن أفندي وبعضها غبي بك وبعضها فاسد باشا، وعدو يستغل عيوبنا ليظهر بمظهر العبقري أو ليؤكد عبقريته بغبائنا. وفي نفس القصيدة السابقة قال نزار..

يا سيدي السلطان

لقد خسرت الحرب مرَّتين

لأن نصفَ شعبنا

ليس له لسان..

دور اتحاد الكتاب والهيئات المفترض فيها العقل. دوره أن يحارب حالة التراخي البهيمي ويرفع لواء العقل والرأي العام المستنير وإن أضطر أن يلطم الشعب ويجبره على الإفاقة ليكون كما خلقه الله.. أناس. بشر. فحين قال القائل (أنتم الناس أيها الشعراء) فالمقصود من مقولته الحقة.. أنتم الناس أيها المثقفون. لكن حين ينحدر المثقفون ويرتضون المساخر بتركهم للعقل.. فحق على القائل أن يقول لهم (أنتم البقر أيها المثقفون) نعم نستحق اللعن والاحتقار لأننا ارتضينا على أنفسنا أن نكون بقراً مثلنا مثل الحالة العامة، ارتضينا أن يتبوأ بعض المفلسين السفهاء التفهاء الكثير من المناصب والمجالس وحاصروا المبدع الحقيقي والمفكر الواعي الصادق. علينا أن نقذف بهؤلاء الملاعين بعيداً ونقوم بدور إيقاظ الشعب من الغيبوبة. إن لم نفعل نحن فمن يفعل؟ من في المجتمع سيجرؤ على نفخ نفير اليقظة؟ من؟ فشل مشروع الضباط الأحرار، فما أحوجنا إلى مشروع المفكرين الأحرار على رأي الدكتور حسن حنفي.

وها هو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر بفصله لعلي سالم يثبت لنفسه وللشعب المصري وللعالم أننا أبعد ما نكون عن الحضارة والتحضر. ها هو يثبت أننا بما فينا من مثقفين في حالة غيبوبة متخلِّفة. إننا كشعب أصبحنا في حالة سيئة، حالة مرضية متقدمة متقدمة في المرض- والكثير من المحللين المصريين كتبوا وحللوا. أشير أنا فقط إلى ما لاحظته في سفري القليل خارج مصر، وأنا في السعودية كانت أول نصيحة من المصريين وأهم نصيحة.. خللي بالك من المصريين! أي احترس منهم ولا تأتمنهم. وفي لندن نفس النصيحة ومن المصريين أيضاً.. خللي بالك من المصريين! وكانت النصيحة في محلها، فالمصريون من أردأ الجاليات في الخارج، تفككاً وشجاراً فيما بينهم. وهذه حقيقة ملموسة، لأن المصريين في الخارج هم صورة مكبرة لقيم المصريين المترسخة في الداخل. ونسأل لماذا يكرهنا الكثير من العرب؟ لندع حالياً أنهم أيضاً بهم ما يسبب كراهية البشر لهم وبمخازيهم صاروا في الدرك الأسفل- يكرهوننا للخلل الذي أصابنا فصرنا في حالة شائهة ليست هي المصرية المعهودة. صار المصري يوضع تحت مصطلح (المصري القبيح) مثلما ظهر مصطلح (الأمريكي القبيح) خلال حقبة الستينيات. فقد انهارت في مصر قيم سامية وتصاعدت قيم وضيعة وبدأت تترسخ فينا وتلوثنا. وبدلاً من التحليل والعمل على العلاج من الهيئات والاتحادات، نطلق الأناشيد العبيطة ونتباهى بحضارة 7 آلاف سنة الخ. ونتهم العرب بأنهم في غيرة حاقدة علينا هذا حقيقي في جانب من الجوانب، كما أننا صرنا نحقد عليهم في جوانب- نعود لموضوعنا.

ثم لماذا يهتم هذا المجلس بمسألة التطبيع كل هذا الاهتمام؟ سيقولون إنها مسألة وطنية. جميل.. وهل مسألة تزوير الانتخابات ليست مسألة وطنية؟ وهل بقاء رئيس جمهورية غير منتخب طوال عشرين عاماً على سدة الحكم ليست مسألة وطنية؟ وهل تعديل الدستور بحيث يسمح لرئيس الجمهورية بأن يبقى مدداً متعاقبة ليست مسألة وطنية؟- هل فرض قانون الطوارئ الذي نرزح تحته ليس مسألة وطنية؟ هل الفساد الضارب في كل خلايا مصر ليست مسألة وطنية؟ هل منع المواطن المصري من إصدار صحيفة ليست مسألة وطنية؟ (ملحوظة: تم منع الدكتور عبد القادر القط والدكتور شكري عياد من إصدار جرائد ثقافية).

هل امتلاك السلطة للإذاعة والتليفزيون ليؤله في الحكام ويبرر كل أفعالهم ليست مسألة وطنية؟ إذن لماذا لم يهتموا بكل هذه القضايا التي هي أخطر على الوطن؟ أسألهم وأنا موقن أن بالمجلس بعض الأعضاء المستنيرين المحترمين وأنا بجوارهم قارئ بسيط. أسألهم.. تعلمون أكثر مني أن الذل الذي نحن فيه ليس سببه استعمار أو أمريكا وربيبتها إسرائيل، بل الفساد الداخلي الذي يمنع مصر أن تكون قوية وتجابه أمريكا وإسرائيل. تعلمون حديث رسولنا الكريم حين عودته من غزوة تبوك وقوله (عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، قالوا وما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟ قال جهاد النفس) أي أن المعركة الأساسية هي في الداخل. المعركة الأساسية في معدلات التنمية وفي فتح المجال لإبداع الشعب وانطلاقاته وتحطيم الفساد. المجابهة حضارية بما فيها من اقتصاد متين وثقافة واعية. وأعود للاقتباس، وهذه المرة من مقال للأستاذ السيد ياسين في أهرام 20 يونيو 1996. مقال - الأمن القومي والبحث العلمي- (ولعل أبلغ تعبير عن هذا الاتجاه في شمول مفهوم الأمن القومي، ما ذهب إليه ماكنمارا وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، من أن الأمن القومي هو التنمية! وربما كان هذا التعريف من أدق التعريفات. ذلك أن قدرة أي مجتمع على مواجهة ضروب التهديد التي يتعرض لها، سواء من الخارج أو الداخل تتوقف إلى حد كبير على درجة الاستقرار السياسي، ونوعية التماسك الاجتماعي، وغياب الصراع الثقافي الحاد، واطراد معدلات التنمية، وبعبارة أكثر إجمالاً درجة التقدم في سلم الحضارة المعاصرة). كلام معقول يعلمه بعض أعضاء مجلس اتحاد الكتاب، وقرءوا مثلما قرأت كتاب (المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل) للأستاذ لمحمد حسنين هيكل، وتعجبوا من ذكاء الصهيوني الدموي ديفيد بن جريون حين كان يتابع الاقتصاد المصري بدقة، لأنه يفهم وكل عاقل يفهم أن النمو الاقتصادي يمكن الدولة من فرض إراداتها وتحقيق أهدافها ورفض ضغوط أعدائها. وإسرائيل أرسلت الدارسين لداخل مصر ولم تستكف بالتجسس عليها من الخارج كما ينادي المهووسون منّا. اغتالت العلماء الأفذاذ فهي تعلم مقدار وخطورة عطائهم عليها، وفي نفس الوقت مازال غوغاء مصر يخونون كل من يذهب إلى إسرائيل بدون أن تفصيلات وأي تخصيصات! كنت آمل أن بمثل ما نرفض ذهاب الأدباء، أن نشجع الباحثين والدارسين والصحفيين الجادين والمفكرين أن يذهبوا لإسرائيل وينقلوا إلينا نقاط ضعفهم ونقاط قوتهم، ولا نتبع الرأي الخاطيء الذي يقول أنه يكفينا أن ندرسهم من الكتب والمجلات. نشجعهم أن يذهبوا ويبقوا ويعودوا ليشرحوا لنا كيف وهي الدولة التي عدد سكانها يماثل مدينة الإسكندرية تقريباً، كيف صارت بكل هذا التقدم العلمي والتكنولوجي والصناعي والزراعي بل والسياسي؟ كيف تذلنا وتذل كل الأمة العربية وتمسح بأمة محمد التراب؟ كيف تغمّي أمه عيسى وتحيدها بل تستميلها؟ كيف تلاعب العالم وتتلاعب بهم؟ كيف تضع الطين والنيلة فوق رؤوس الجميع؟ كيف؟.. لنقلدها في بنائها الإيجابي ونقلد معها كل بلد تقدم وصار عملاقاً. ومهما كانت إسرائيل عنصرية، ففيها المواطن اليهودي قيمة، ولا وطن بدون مواطن حر. ولن تكون مصر وطناً محترماً قوياً بدون مواطن حر محترم. ولا وطن عملاق بدون مواطن عملاق. وهذا ما يتغاضى عنه السادة أعضاء المجلس الموقر.

- من كتاب (ينابيع الذات "مساحات من السيرة الذاتية" 2002م) تحت الطبع

oddoul33@yahoo.com

مواضيع سابقة:

نكبة فلسطين ونكبة النوبة

صناعة البصل والبلاليص في مصر

ناصر.. المسيخ الدجال
رسالة من الأديب النوبي نَبْ إلى الرئيس الكبير في القاهرة
التكبر والعنصرية بالأصل العربي

 

للتعليق على هذا الموضوع