08 فبراير 2005

 

هل من نموذج لحكم إسلامي؟

هادي فريد التكريتي

 

 

ما إن انتهت الإنتخابات، في الثلاثين من كانون الثاني وقبل أن تعلن نتائجها، بدأ رؤساء القوائم المتنافسة على التفاوض حول المناصب الرئيسية، وهي منصب رئيس الجمهورية ومنصب رئيس الوزراء ورئيس المجلس الوطني القادم.. وهذا أمر طبيعي، والعراقيون الذين تحدوا الإرهاب والموت المجهول، صوتوا للعهد الجديد، خصوصا أن هذه الانتخابات تأتي بعد معاناة دفع الشعب، كل الشعب العراقي، فاتورتها تضحيات جسام ولازال يدفع، من أجل حريته ونيل حقوقه، بمفهوم الواقع الحالي والسائد عالميا. ويأمل هذا الشعب أن تأتي حكومة تصحح ما اقترفه النظام الدكتاتوري من جرائم التمييز بين مكونات الشعب العراقي، وما أفرزته جرائمه من نتائج جراء هذا التمييز، من دمار لكل مقومات المجتمع، حيث المطلوب من المجلس الوطني والحكومة القادمين، وهما من قوى سياسية علمانية وقومية ودينيةـ طائفية كانت معارضة للنظام المهزوم، أن تصلح ما أفسده ذلك النظام.  

 

إن المجتمع العراقي سيعاني كثيرا، وسيقدم ضحايا أكثر إن لم يضع، الحكم الجديد نصب عينيه تجربة الشعب العراقي مع البعث الفاشي خلال الأربعين سنة الماضية. إذ أن النظام البعثي قد ألغى من مفهومه ما يسمى بالمجتمع المدني ومؤسساته، من أحزاب ومنظمات وجمعيات تمثل المجتمع العراقي بكل تلاوينه القومية والطائفية والعرقية، ولم يعترف بغير البعث فقط. وهذا أحد الأسباب التي دعت الكثير من الأحزاب والتنظيمات السياسية وغير السياسية لأن تختفي من علنية الساحة العراقية. ومما لاشك فيه أن أغلب القوائم المتنافسة والتي، ربما، ستحقق نجاحا كاسحا، لم يكن لها وجود أو وجود شرعي في العهد الصدامي. وهذا الأمر يفرض عليها، أن تكون واقعية وأن لا يركبها الغرور بحيث تصور لنا أنها هي الجهة الوحيدة المخلصة التي يهمها أمر العراقيين والإتفاق على شخصية رئيس الجمهورية وباقي المناصب العليا. "الجماعات العراقية والدينية الرئيسية الثلاث وهي الشيعة والأكراد والعرب السنة"، هذا ما قاله العضو القيادي في المجلس الإسلامي الأعلى حامد البياتي. إذن المتنافسون على الساحة العراقية فقط هم (شيعة وأكراد وعرب سنة) والباقي من مكونات الشعب العراقي، أين سيذهب بهم السيد البياتي؟ والمجتمع المدني ومنظّماته، الأحزاب السياسية والجمعيات والمنظمات الديمقراطية، هل سيشطب عليها؟ هل سيعترف بها ؟ أم سيكون وضعها ليس أفضل من المنظمات والأحزاب في عهد الحكم الصدامي؟ وهل الشعب العراقي سينصاع لما يقوله الشخصية البارزة في المجلس الإسلامي حامد البياتي؟ وأين التعهدات قبل الإنتخابات عن المجتمع المدني؟ والديمقراطية؟ والدستور الذي سيمثل كل الفسيفساء العراقي؟ لم كل هذا التعالي؟ وهل سيكون هو أو غيره البديل عن حكم البعث؟ ثم لماذا يذكر بالإسم "العرب السنة" ولم يقل كذلك "الشيعة العرب"؟ هل سنقع في مستنقع جديد إسمه "طائفية المجلس" بعد أن تخلصنا من "طائفية البعث"؟ وهل هي نقيصة أن يكون السنة عربا؟ أو أن يكون هو عربيا، على سبيل المثال؟ وإن لم يكن هو عربيا، هل هذه نقيصة؟ أليس الإسلام ألغى كل الفروقات، ألم تقولوا لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى..؟ لم الغرور؟ وفقط للتذكير، فالأمريكان لازالوا لم يرحلوا والسيادة لا زالت منقوصة حيث يحتلون القصر الجمهوري!!  ثم ألم يكن البياتي بالإمس في بلدان الديمقراطية؟ ألم يتعلم منها شيئا يفيده في الحكم والتعامل مع الآخرين باحترام؟

 

وإذا أردنا أن نسمي الأشياء بمسمياتها، فالبعث لم يكن طائفيا بالمعنى الحقيقي بقدر ما كان عنصريا وفاشيا حيث اعتمد لترسيخ حكمه على كل الطوائف من المجتمع العراقي وليس بطائفة بعينها. ومن لم يصدق ما أقول، فليُجرِ جردا بأسماء قيادات، البعث، وكوادره التي بنت له أجهزته الإرهابية والقمعية، التي ما فرقت بين طائفة وأخرى ولا بين قومية أو دين يعاديها. فإذا كان البعث مدانا لأنه قرّب السنة، فكثيرون آخرون من غير السنة أوصلوه لغايته، وأوقعنا في مستنقع قذر يسمى "الطائفية البعثية والفاشية". فأي مستنقع سنغوص فيه بعد أن يلتئم المجلس الوطني حينما يقرر بالأغلبية صياغة الدستور العراقي وأن "الإسلام المصدر الوحيد للتشريع ورفض أي بند أو تشريع من الدستور إذا كان مخالفا للإسلام "، كما أكدت المرجعية الشيعية في بيانها؟ إن هذا الأمرـ كما تقول المرجعية ـ :"غير قابل للمساومة". كما حذرت المرجعية "من تغيير وجه العراق وفصل الدين عن الدولة، لأن في ذلك مخاطر لا تحمد عقباها وذلك مرفوض لدى العلماء والمراجع كافة..".  وحتى اللحظة لم تخبرنا المرجعية ما هي المخاطر التي لا تحمد عقباها؟ فهل إن ابتعد الدين عن السياسة ستقوم الساعة؟ ولماذا لم ينص الدستور الملكي السابق على هذا الشرط في حين كان مجتمعنا أكثر تخلفا، إنما نص على أن العراق دستوري ديمقراطي؟، هل كان النظام الملكي أكثر وعيا وثقافة مما نحن عليه اليوم، ألم تكن آنذاك مرجعيات شيعية ؟، نعم كانت، ولكنها كانت أكثر تفهما للواقع العراقي  وأكثر حرصا وربما أكثر وطنية. فهم أصحاب ثورة العشرين، ونحن جئنا مع الأمريكان..!! وهم ـ المرجعيات ـ أكثر دراية بقراءة لمستقبل العراق ومصلحته، كم من السنين تفصل بيننا وبين العهد الملكي! وكم من السنين نحن متخلّفون عن ذلك العهد؟

 

هل يريد السيد البياتي والمرجعية أن يؤسسوا دولة إسلامية مثل إيران، سلفية ـ شيعية؟ العراقي لا يهمه أن يدخل رجل الدين ميدان السياسة، أو غيره. ولكن على رجل الدين ألا يتحدث باسم الدين إن دخل عالم السياسة، ويصدر الفتاوى. هذا حق وهذا باطل. الحق والباطل في الأمور الدينية، وليس في الأمور السياسية، التي تحتمل الصح والخطأ، والدين لا يقول الخطأ..! وإذا قرر الشعب بالأكثرية ولم ترض عنه المرجعية ماذا ستكون النتيجة؟ ألم تسعف تجربة إيران المنادين بتطبيق الشريعة، التي جاءت الجماهير بخاتمي على أنه سيصلح الأوضاع المتردية، هل سمحت له المرجعية بذلك وهو المنتخب عبر صناديق الإقتراع، والآن ما هي النتيجة؟هل تشعر الجماهير الإيرانية بالرضا عن خاتمي وحكومته، وعن حكم  يقرر الصح فيه أو الخطأ شخص واحد نيابة عن الأمة؟ لم الإنتخاب إذن؟ ثم أي شريعة سيأخذ بها الدستور: السلفية، السنية، الجعفرية أم الإمامية، وأي الأحكام ستطبق، بالسيف أم الرجم أم ماذا؟ وهذه المرأة "المسكينة"التي تقدمت الصفوف بجرأة وشجاعة وتحدت الموت والإرهاب وعددها فاق عدد  الرجال المصوتين بالإنتخابات، ماذا سيصنع بها الدستور الجديد إن لم يكن علمانيا؟ هل ستكون قعيدة البيت، وهي بكامل زينتها تنتظر الخطيب أم الزوج؟ نساؤنا أكثر من نصف مجتمعنا، هذا ما أكدته الإنتخابات، والمرأة تريد أن تثأر من النظام السابق الذي عطلها عن تسخير قدراتها في بناء المجتمع العراقي. إنها تريد أن تساهم وتشارك في النشاط العام، وهذا يعني أن على من أوصلته "المرأة" إلى المجلس الوطني عليه أن يحترمها ويضمن لها حقها"في الدستور الجديد " ويفسح لها في المجال لأن تمارس كل النشاطات وعلى قدم المساواة مع الرجل، يعني ضمان حقها في إشغال المناصب الحكومية حتى أعلاها وأجلها، يعني بالقلم العريض، أن لا يحشرها المجلس الوطني بين ما هو حق مشروع لها ـأقرته كل الوثائق التي أقرتها الأمم المتحدة ولوائح حقوق الإنسان، المعترف بها دوليا، والموقع عليها من قبل الحكومة العراقيةـ وبين أحكام قانون يعتبر الشريعة المصدر الوحيد للتشريع، يعني تقييدها بالقوانين الإسلامية التي هي غير واضحة المعالم، إنما حسبما ما يقره الفقيه، حسب قناعته، وربما سيتم تجريدها حتى من قانون الأحوال الشخصية الذي ضمن لها بعض الحقوق وليس كلها. إلا أن هذا لم يرض عنه الإسلاميون في مجلس الحكم حيث أقدم على إلغائه رئيس مجلس الحكم، آنذاك، وهو إسلامي وشيعي منتهزا غياب أكثرية الأعضاء من غير الشيعة. وأعاده لها "مستر بريمر" الذي هو أكثر حرصا عليها من ابن جلدتها..!

على المجلس الجديد أن يشرع دستورا تقدميا يتماشى وروح العصر دستورا ديمقراطيا يكفل حقوق المواطن، يقر التعددية وتداول السلطة والرأي المعارض وحرية التعبير والنشر وتمتع الأقليات القومية والدينية والطائفية بنفس الحقوق التي تتمتع بها الأكثرية في تسنم الوظائف من أبسطها إلى أعلاها، ومن ضمنها رئاسة الحكومة والدولة أيضا. إن المواطن العراقي الذي تحدى الإرهاب، بكل ما يحمله من كره وحقد على العراقي، وأدلى بصوته، ليس من أجل أن يأتي بمن يقيد حريته ويعطل إبداعه وقدراته ويقيم حواجز بالية بين ما للمرأة من حقوق منقوصة ورجل له كل الحقوق ومطلق السيادة. وإذا لم يكف رجل الدين من التدخل في الشؤون السياسية، ويتم فصل الدين عن السياسة، فسنتحول من شعب يسعى إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى شعب مقيد بحكم ديني أوتوقراطي شمولي كما في السعودية وإيران. ورغم أن هذين البلدين كل منهما يسعى إلى إصلاح نظامه، إلا أن البعض عندنا يسعى إلى تطبيق ما فشل به الآخرون. ومنذ 1400 لم نجد من يرشدنا، حتى اللحظة، إلى حكم إسلامي يمكن أن يكون نموذجا للتطبيق!!

 

للتعليق على هذا الموضوع