Middle East Transparent

21 اكتوبر 04

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

محمد عبد المطلب الهوني

وتشخيص المرض العربي

هاشم صالح

 

قراءة في كتاب : المأزق العربي- العرب في مواجهة الاستراتيجية الأمريكية

 

لا تنبغي الاستهانة بهذا الكتاب الصغير من حيث الحجم (110 صفحات) ولكن الكبير من حيث الإشكاليات المطروقة والمحتوى، فهو يشبه المانيفست من أجل فكر عربي آخر. وربما كان يشكل قنبلة موقوتة في هذا الظرف التاريخي الذي نعيشه. ينبغي الاعتراف بأنه يحصل الآن فرز جديد في ساحة المثقفين العرب. فالقسم الأكبر لا يزال محكوماً بالإيديولوجيا القديمة التي سيطرت علينا طيلة الخمسين سنة الماضية والتي يمكن أن ندعوها: بالإيديولوجيا القوموية-الإسلاموية، وهي إيديولوجيا لا تزال مسيطرة على الشارع العربي والفضائيات ومراكز القوى على الرغم من أنها فقدت مصداقيتها في دوائر العلماء والفلاسفة والمفكرين الحقيقيين. وهذا أمر طبيعي، فعامة البشر في كل بلد تظل مرتبطة بغرائزها التحتية وعواطفها الشعبوية أكثر من النخبة المثقفة والعارفة ببواطن الأمور وظواهرها، وهناك دائماً مسافة ما بين النخبة والجماهير وتزداد هذه المسافة اتسعاً كلما كانت الجماهير أمية أو أقرب إلى الأمية. بل وحتى الكثير من المثقفين العرب يمكن أن ندعوهم بالأميين أيضاً إذا ما اعتبرنا أن الأمية لا تعني فقط عدم معرفة القراءة والكتابة، وإنما عدم امتلاك أي ثقافة نقدية فيما يخص التراث الديني. من هذه الناحية لا يوجد تقريباً أي فرق بين المثقف العربي ورجل الشارع.

 

ولكن ظهر في الآونة الأخيرة جنس جديد من المثقفين العرب، جنس خارج على الرأي الشائع والمعتقدات الشعبوية المشتركة التي تهيّج الجماهير والفضائيات والصحافات. شيئاً فشيئاً ابتدأت مجموعة قليلة من المثقفين العرب تنحرف عن الخط العام والمقولات الجاهزة وتتجرأ على انتهاج دروب أخرى غير الدروب المعتادة. من بين هؤلاء الدكتور محمد عبد المطلب الهوني، والمفكر التونسي العفيف الأخضر الذي كتب مقدمة ممتازة للكتاب. ويمكن أن نضيف إليهما شاكر النابلسي، وعثمان العمير، وعبد الرحمن الراشد، وكمال عبد اللطيف، وعزيز العظمة، وصادق جلال العظم، وجورج طرابيشي، ورجاء بن سلامة، وآخرين عديدين أعتذر عن عدم ذكر أسمائهم الآن على الرغم من أنهم لا يقلون أهمية. وهذا الجنس الجديد من المثقفين العرب مرشح للتزايد أكثر فأكثر كلما انكشفت عورات الإيديولوجيا العربية ونواقصها : أقصد إيديولوجيا الفضائيات والغوغائيات الهيجانية الخارجة عن ضبط العقل.

 

ما هي الإشكاليات الأساسية التي يطرحها كتاب محمد عبد المطلب الهوني؟ يمكن حصرها في ثلاثة أو أربعة محاور. والمشكلة الأولى التي يطرحها هي الموقف الانتهازي أو المكيافيلي للسياسة الأمريكية طيلة الحرب الباردة. وأما المشكلة الثانية فتخص رد الفعل العربي عليها ومدى ملاءمته أو عدم ملاءمته، وبخاصة بعد ضربة 11 سبتمبر. فهنا حصل تدشين جديد للتاريخ وينبغي على الفكر العربي وكذلك السياسية العربية أن تأخذه بعين الاعتبار. وأما القضية الثالثة التي تستحوذ على اهتمام المؤلف فتتمثل في النقد الراديكالي للأصولية العربية-الإسلامية. هذا في حين أن القضية الرابعة والأخيرة تتمثل في الدفاع عن الحضارة الديمقراطية-الليبرالية الحديثة باعتبار أنها الحضارة الوحيدة الموجودة على سطح الأرض، وبالتالي فينبغي على العرب والمسلمين بشكل عام أن يجدوا طريقة ما للتفاعل معها، لتعريب أطروحاتها وقيمها إذا ما أرادوا الخروج من المأزق الذي يتخبطون فيه اليوم. من هنا ضرورة الانخراط في مشروع ترجمة ضخم لفكر التنوير والحضارة الأوروبية، وهذا ما سأتحدث عنه في نهاية المقال.

 

هذه هي باختصار شديد بعض الإشكاليات التي استحوذت على اهتمام الدكتور الهوني على مدار مائة صفحة كثيفة ومليئة بالتحليلات والآراء الشخصية والمعطيات. وقبل أن أدخل في مناقشتها أو مناقشته هو من خلالها ينبغي عليّ أن أشيد بالأسلوب السلس، الواضح لهذا الكتاب. فلا يوجد تقعّر لغوي، ولا لغة مبهمة أو معقدة بدون سبب. وإنما يمكن لأي قارئ حتى لطالب الثانوية- أن يقرأه ويفهمه إذا أراد. وهذا يعني أنه حتى أكبر المشاكل الفكرية وأكثرها صعوبة يمكن أن نعبّر عنها بلغة بسيطة وخالية من التعقيد والغموض.

 

يبدو لي أن المؤلف متألم كثيراً من موقف السياسة الأمريكية طيلة الحرب الباردة. فلم تكن المبادئ هي التي تتحكم بها وإنما المصالح والغايات الشخصية. فبما أن الهدف الرئيسي كان هو الانتصار على العدو الشيوعي وسحقه فإن جميع الأسلحة أصبحت مباحة. بالطبع فإن الهوني ليس ساذجاً. فهو يعرف أن هناك شيء اسمه "عقل الدولة" أو مصلحة الدولة العليا، وأن هذا العقل أو تلك المصلحة قد تتناقض مع المبادئ التي قامت عليها هذه الدولة بالذات. فدعم أمريكا للأنظمة الشمولية المنغلقة إلى أقصى الحدود طيلة كل تلك الفترة شيء مزعج ولا يمكن فهمه إلا عن طريق مبدأ مكيافيلي : الغاية تبرر الوسيلة. وهذه الغاية أعمت أمريكا إلى درجة أنها أصبحت مهووسة بمحاربة الشيوعية في الخمسينات وأصبحت تلاحق الناس على الضمائر الداخلية والشبهات أيام مكارثي السيئة الذكر، ولدرجة أنها تحالفت مع بن لادن لضرب الخطر الشيوعي الذي لا يساوي واحد على ألف من خطر بن لادن!!..

 

ولكن ليس محمد عبد المطلب الهوني هو وحده الذي يستغرب الموقف ويستنكره. بل إن العديد من مثقفي أمريكا ذاتها ناهيك عن مثقفي أوروبا- أصبحوا يستهجنونه ويعتبرونه بمثابة الخطيئة التاريخية التي لا تغتفر. ولكن بالطبع لم يستيقظوا على هذه الحقيقة المرة ويعضوا على أصابعهم ندماً إلا بعد 11 سبتمبر. عندئذ راحوا يصبّون جام غضبهم على الإدارات الأمريكية المتعاقبة التي تواطأت مع أنظمة عربية وغير عربية لا علاقة لها الحداثة الفكرية والسياسية، بل إنها عدو لدود لروح العصور الحديثة أو جوهرها. وأستطيع أن أعدد عشرات الكتب على هذا الاتجاه في المكتبة الأمريكية أو الفرنسية. لكن الشيء المؤلم بالنسبة لرجل تقدمي عربي كالهوني هو أن أمريكا بلد الحضارة والرقيّ خانت مبادئها في الخارج من أجل خدمة مصالح مادية أو سياسية عاجلة. فقد ضربت الحركات التقدمية في المنطقة العربية وإيران (انظر مشكلة محمد مصدق) وساندت الأنظمة المحافظة إن لم نقل الرجعية. هذا دون أن نتحدث عن مساندتها للسياسات القمعية الإسرائيلية وبخاصة قبل هزيمة 1967 وفيما بعدها.

 

والواقع أن المأزق العربي، أو مأزق التقدميين العرب، يكمن هنا. فهم من جهة معجبون بالحضارة الغربية وإنجازاتها. وهم من جهة أخرى يجدون أنها تساند عدوهم في الداخل والخارج على حد سواء. لهذا السبب لم يحصل اللقاء بين الحركة التقدمية العربية وأمريكا طيلة أربعين سنة من الحرب الباردة. بل حصل العكس تماماً : أي الصدام والعداء. ويخيل إليّ أن أطروحة الهوني تريد أن تقول ما يلي : بعد 11 سبتمبر اختلفت الأمور جذرياً وأصبح من الممكن اللقاء بين حركة التقدم العربي والحضارة الأوروبية-الأمريكية لأول مرة. وغني عن القول أني أشاركه هذا الأمل بشرط واحد ينصّ عليه هو شخصياً : حلّ الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بما يحقق نشوء دولتين ديمقراطيتين عربية وعبرية (ص. 75).

 

هنا نلاحظ أن الهوني يقطع مع الإيديولوجيا العربية القديمة أو التي أصبحت تبدو قديمة أكثر فأكثر اليوم. فالإيديولوجيون العرب يعتقدون أن العداء مع أمريكا والغرب أبدي سرمدي لا ينتهي إلا لكي يبدأ من جديد. ولكن المفكرين الجدد في العالم العربي يعتقدون أن هذا العداء انتهى نصف نهاية بعد ضربة 11 سبتمبر. وسوف يفقد كل مبرراته بعد أن تحل القضية الفلسطينية. بعدئذ سوف نصبح جميعاً في مركب واحد هو مركب الحضارة الإنسانية التي دخلت في صراع جديد مع الإرهاب الأصولي البربري من جهة، ومع العولمة الجائرة وليس العولمة في المطلق من جهة أخرى. والواقع أن هذه تغذّي ذاك لأن أربعة أخماس الثروة البشرية هي في يد خمس سكان الكرة الأرضية، أي أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية واليابان وأستراليا (ص. 41).

 

هكذا نلاحظ أن تحليل الهوني مرن بالفعل ومتوازن على مدار الكتاب. فهو لا يهمل خطورة الإرهاب ولا يغض الطرف عنه لأن أصله إسلامي أو عربي كما يفعل الغوغائيون والإيديولوجيون العرب. ولكنه في ذات الوقت لا يهمل مسبباته التي يلقيها على الخارج والداخل في آن معاً. وهنا نصل إلى الإشكالية الكبرى الثانية التي تكاد تخترق الكتاب من أوله إلى آخره : أقصد إشكالية الأصولية أو ما يدعوه الهوني بـ"سوء فهم المعتقد" (ص. 99 وما بعدها...).

 

يقول الدكتور محمد عبد المطلب الهوني بالحرف الواحد : "من أهم معوقات الديمقراطية في الوطن العربي سوء فهم المعتقد. فالدين في حد ذاته ليس عائقاً من عوائق التحضّر، ولكنه يصبح أكبر عائق عندما يستخدم استخداماً إيديولوجياً سياسياً من قبل فاعلين اجتماعيين" (الصفحة السابقة). وهذا ما هو حاصل الآن. ونلاحظ أن المؤلف يشنّ هجوماً صريحاً لا لبس فيه ولا غموض على هؤلاء الإسلامويين الذين يفهمون الدين على طريقة القرون الوسطى ويحاولون تطبيق مبادئ القرن السابع الميلادي على مجتمعات القرن الواحد والعشرين! وبما أن الشعب لا يزال منغمساً من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه في هذه التصورات القروسطية الغيبية فإنهم أي الأصوليين الحركيين- يجدون آذاناً صاغية ويجيشون الجماهير وراءهم بالملايين..

 

وهنا تكمن المشكلة الكبرى التي ستواجه جميع المثقفين الأحرار في العالم العربي بعد حل قضية فلسطين التي كانت تغطّي على هذه القضايا بحكم أولويتها وخطورتها على مدار نصف القرن الماضي، فالأولوية كانت لمواجهة العدوان الخارجي لا لنقد الداخل وعناصره المتحجرة والمعادية للحضارة والنزعة الإنسانية.

 

هذه المشاكل الجديدة التي أخذت تظهر على السطح في الآونة الأخيرة أصبحت تتطلب مثقفين جديدين وعيوناً جديدة. وهنا نلاحظ أن الأستاذ الهوني لا يتردد عن إحداث القطيعة مع لاهوت القرون الوسطى أو فقهها سواء فيما يتعلق بمكانة المسيحيين العرب ومشكلة الذمة والجزية وكل هذه المصطلحات التي عفى عليها الزمن، أو بمشكلة الجهاد، أو بمشكلة الحدود والعقوبات البدنية، الخ،... وهنا يقول هذه العبارة الرائعة : "الجهاد إذن ليس الفريضة الغائبة كما يردد الإسلامويون، بل هو الفريضة المنقرضة بحكم انقضاء عصر التقسيم الثنائي واللاهوتي للعالم إلى دار حرب ودار إسلام" (ص.115).

 

هذا التعبير "الفريضة المنقرضة" أثلج صدري وجعلني أضحك كثيراً مثلما أثلج صدري مصطلح جمال البنا، وهو إسلامي معتدل وعقلاني عندما قال لي بأن الفريضة الغائبة هي فريضة التنمية وليس الجهاد!.. فتنمية المجتمعات العربية والإسلامية ومحاربة الفقر المدقع فيها هو الذي ينبغي أن يكون شغلنا الشاغل وفريضتنا الغائبة الحاضرة. وكفانا هلوسةً ومجانيناً وهيجانات!..

 

ويصل الأمر بالأستاذ الهوني إلى حد القول بحتمية الانتقال من التشريعات الإسلامية إلى التشريعات الوضعية الحديثة (ص. 108). لماذا؟ لأن التشريعات الإسلامية القديمة لم تعد صالحة للتطبيق في عصرنا الراهن. فمن سيقطع يد السارق إذا سرق رغيف خبز مثلاً؟ ومن سيجلد شارب الخمر؟ ومن سيرجم الزانية بالحجارة؟ ثم ينخرط الهوني في هذا التحليل العميق للمشكلة مبيناً الفرق بين عقلية العصور القديمة وعقلية العصور الحديثة. يقول بالحرف الواحد : "إن الديمقراطية الحديثة في فلسفتها الجزائية ترفع شعار إعادة تأهيل المجرم وتشترط في العقوبة ألا تكون مهينة لكرامته كإنسان. وهي تهدف في النهاية إلى إصلاح الجاني، أما في الإسلام فإن العقوبات الأساسية هي عقوبات بدنية تبدأ بالجلد وتنتهي بقطع الرقبة مروراً بتقطيع الأيدي والأرجل. وهذه العقوبات كانت في زمانها غير مستهجنة، وكانت وليدة عصر الانتقام من الجاني. أما اليوم فلا يعقل أن تبتر يد سارق أو يهان إنسان بجلده أمام الملأ. لقد انتقل الإنسان في عصرنا من منطق الانتقام وإلحاق الضرر بالمعتدي، إلى محاولة إصلاحه، لأنه قد يكون جانياً وضحية في الوقت نفسه. فأكثر الجناة هم ضحايا مهمّشون في مجتمعاتهم ومن قِبلها، أو هم يعانون من أمراض نفسية أدت بهم إلى الوقوع في براثن الجريمة" (ص. 107).

 

هذا المقطع يلخص الفرق بين "تربية" العصور الوسطى وتربية العصور الحديثة. وهو يدل ضمنياً على أن هناك قطيعة كبرى حصلت بينهما. وهي قطيعة نفسانية وإبستمولوجية، أي معرفية عميقة. ولكن هذه القطيعة التي اجتازتها مجتمعات الغرب المتقدمة بنجاح عندما انتقلت من الشريعة اليهودية-المسيحية إلى القوانين الوضعية الناتجة عن فلسفة التنوير والإعلان الشهير لحقوق الإنسان والمواطن لاتزال المجتمعات الإسلامية تقف متهيبةً أمامها. ولا تزال ترتعد فرائصها خوفاً من هذه القفزة في المجهول! فكيف لها أن تقطع مع فقهها القديم الذي تشربته في دمها وروحها وعاشت عليه مئات السنين؟! ومع ذلك فهذا هو الشيء المطلوب منا الآن أيها السادة. ونفس الشيء ينطبق على الشورى التي ليست هي الديمقراطية على عكس ما تتوهم أغلبية المسلمين. وهذا ما يبرهن عليه الهوني بشكل مقنع ودقيق في الصفحة 85 من كتابه. فالشورى كانت محصورة ببضعة أشخاص معيّنين تعييناً لا منتخبين بشكل حر. وأما الديمقراطية فتعني حق جميع أفراد الشعب في التعبير عن رأيهم لا فرق بين رجل وامرأة، أو كبير وصغير، أ, غني وفقير. كلهم لهم الحق في التصويت وانتخاب الحكام أو إسقاطهم وعزلهم. وبهذا المعنى فلم يعرف تاريخ الإسلام ولا المسيحية مفهوم الديمقراطية أبداً. وإنما هو اختراع جديد جاءت به فلسفة التنوير التي جبَّت ما قبلها. وهذا يعني أنه يوجد شيء جديد تحت الشمس، وأنه لا ينبغي على المثقفين العرب منذ الآن فصاعداً أن يرتكبوا هذه الجريمة النكراء : إسقاط مفاهيم العصور الحديثة كالحرية والديمقراطية والتسامح الديني وحقوق الإنسان ومفهوم المواطن والمواطنية على الإسلام والفكر الإسلامي. فلا يضير العصور القديمة أنها لم تعرف هذه الأشياء التي كانت تدخل في دائرة اللامفكر فيه أو المستحيل التفكير فيه بالنسبة لها. وليس عاراً على الحضارة العربية-الإسلامية، إنها لا تعرف أشياء كانت معرفتها مستحيلة على كل البشرية في تلك العصور الغابرة وليس علينا فقط نحن. لقد آن الأوان لكي نخرج من هذا الوهم الكبير، ومن هذا الاستلاب العقلي الذي يسيطر على عقلية ملايين العرب والمسلمين. بل ويهيمن على عقلية الكثيرين من المثقفين العرب! انظر ما يكتبه محمد عابد الجابري مثلاً عن لوثر وحركة الإصلاح الديني في الجرائد العربية حيث يربطها بالتراث العربي الإسلامي ويرتكب بذلك حماقة أو مغالطة تاريخية مخيفة. وأشد ما أخشاه هو أن يواصل كتاباته عن تاريخ الفكر الأوروبي ويربط فلسفة التنوير بنا أيضاً ويخلص إلى النتيجة التالية : نحن لسنا بحاجة إلى إصلاح ديني ولا إلى تنوير لأنه لا رهبنة ولا كهنوت في الإسلام، ولا يوجد تعصب ولا محاكم تفتيش ولا ملاحقات للمفكرين والأدباء والشعراء ولا من يحزنون... نحن براء من كل هذا. هذا شيء خاص فقط بتاريخ أوروبا، أو بالكنيسة المسيحية والبابا والفاتيكان. وأما نحن فلا نشكو من شيء حتى ولو ظهر فينا ألف بن لادن ومئات الظواهري والزرقاوي... ويبدو أن الأستاذ الجابري لم يسمع بما حصل لنصر حامد أبو زيد، ونجيب محفوظ، وفرج فودة، ومحمود محمد طه، وحيدر حيدر وعشرات غيرهم!!... فهذه ليست محاكم تفتيش في نظره. بل وأخشى أن يقول بأن فولتير وجان جاك روسو وكانط وهيغل وكل فلاسفة الحداثة هم أيضاً من تلامذتنا وأنهم لم يجيئوا بشيء جديد بالنسبة لتراثنا!.. عندئذ تكون الطامة الكبرى قد حصلت ولا زائد لمستزيد. وعمن يصدر هذا الكلام؟ عن فيلسوف القطيعة الإبستمولوجية في الفكر العربي! فهل يعرف معنى القطيعة الإبستمولوجية؟ هل يعرف معنى الانتقال من عصر إلى عصر، أو من فكر إلى فكر، أو من كون إلى كون؟

 

عندما أقرأ مثل هذا الكلام تظلم الدنيا في عيني وأصبح مستسلماً للمقدور ومعتقداً أن المرض العربي، أو الانسداد العربي، أو المأزق العربي، سمّه ما شئت، سوف يظل متواصلاً إلى أبد الدهر..

 

ولكن لحسن الحظ فهناك هدايا تسقط عليّ من السماء هذه الأيام، فإذا بالدنيا تنفرج، وإذا بالتفاؤل يعود إلى الأفق من جديد. فقد شهدت في الآونة الأخيرة حصول حدثين ما كدت أصدق عينيّ أني سأعيش حتى أشهدهما. وقد أشعراني لأول مرة بأن ثغرة في جدار التاريخ المسدود قد انفتحت أو أوشكت أن تفتح : أقصد التاريخ العربي-الإسلامي بالطبع. الحدث الأول يخص مناقشة الوزير الفرنسي نقولا ساركوزي مع طارق رمضان، والثاني يخص البرلمان التركي. فعندما حشر ساركوزي الأصولي "المعتدل" طارق رمضان في الزاوية بخصوص تطبيق الحدود ورجم المرأة الزانية اضطر مكرهاً إلى القول بتعليق الحكم مؤقتاً أو تأجيله. فهو يعيش في سويسرا وفي عز الحضارة الأوروبية وبالتالي فلا يستطيع أن يؤيد رجم المرأة بالحجارة عن بُعْد حتى تُجرح وتموت على رؤوس الأشهاد... ولكنه راوغ كثيراً في البداية قبل أن يقدم هذا التنازل البسيط بل وحاول التهرب من الجواب أكثر من مرة. وقد وجد حيلة ذكية للخروج من المأزق عندما قال بما معناه : هذا حكم شرعي يعتقد به جمهور المسلمين كلهم وأنا لا أستطيع أن أنقضه لأني عندئذ أكون قد انتهكت الشرع وانفصلت عنهم. فما فائدة أن تحاورني يا سيادة الوزير إذا كنت لم أعد أمثل هؤلاء المسلمين الأصوليين الذين تريد محاورتهم؟ إذا فقدت صفتي التمثيلية لأغلبية المسلمين فهل ستقبل بأن أقف أمامك حتى ولو لحظة واحدة لكي أحاورك؟ وهل سيكون لكلامي أية أهمية؟ ولكن لم تنطل هذه الحيلة على الوزير الفرنسي الذي لا يقل دهاء ومكراً عن رمضان فظل يحشره في الزاوية ويلاحقه بوابل من الأسئلة حتى اضطره إلى تقديم هذا التنازل وكأنه ينتزعه من روحه انتزاعاً.

 

أما الحدث الثاني فهو أكثر أهمية لأنه يخص البرلمان التركي ذي الأغلبية الأصولية "المعتدلة" أيضاً. فقد اضطر طيب رجب اردوغان الذي يشبه رمضان من الناحية التركية إلى أن يطلب من برلمانه سحب مشروع معاقبة المرأة الزانية. وهذا ما حصل. وكان ذلك بضغط من الاتحاد الأوروبي الطبع. نقول ذلك وبخاصة أن أردوغان يسعى بكل جهده إلى إدخال تركيا إلى ألفضاء الأوروبي.

 

هذان المثالان مهمان جداً وشديدا الدلالة والمغزى. إنهما يدلان على أن التاريخ يمكن أن يتحرك في العالم العربي والإسلامي بفعل عوامل خارجية وحضارية ضاغطة. ولذلك فإني أتمنى من كل قلبي أن تدخل تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. بل وسأقول : فلتزحف الحضارة الأوروبية، حضارة التنوير وحقوق الإنسان والمواطن، على المسلمين زحفاً ولتساعدهم على حل عقدهم المتأصلة والمزمنة التي عجزت جميع الحلول والعلاجات عن حلها حتى الآن. ولكن هذا التحرير لن يكتمل ولن يترسخ إلا إذا جاء من الداخل أيضاً. ولن يجيء من الداخل إلا إذا حصل تفكيك لكل الانغلاقات اللاهوتية المتحجرة والأوهام الجبارة التي تسيطر على الوعي الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه وكأنها حقائق مطلقة لا تناقش ولا تمس.

 

ولكي يحصل ذلك ينبغي أن نُحارَب الكتب الأصولية الصفراء التي تملأ المكتبات والشوارع العربية بكتب أخرى مضادة، كتب جديدة لم يشهدها العالم العربي بعد. وبهذا الصدد ينبغي التنويه بالمشروع الكبير الذي أسسه الهوني مع نخبة من المثقفين العرب لتحديث الفكر العربي عن طريق تغذيته بالترجمات والمؤلفات التي طال انتظارها. فهو يقف على رأس مشروع كبير يضم محمد أركون، ونصر حامد أبو زيد، ومحمد الشرفي، وناصيف نصار، وعبد المجيد الشرفي، وجورج طرابيشي، وعبده الفيلالي الأنصاري وآخرين... ينبغي نقل مشروع التنوير الأوروبي كله إلى العالم العربي. لا أعرف فيما إذا كانت "المؤسسة العربية للتحديث الفكري" قادرة وحدها على ذلك. ولكني أعرف بأن بإمكانها أن تفعل الكثير إذا أرادت، وقد ابتدأت أولى ثمارها بالظهور. وهنا لا بد أن أستشهد بما قاله أحد كبار التنويريين في عصرنا الراهن العفيف الأخضر، فولتير العرب. يقول بالحرف الواحد في المقدمة العامة للكتاب : "مؤلف هذا الكتاب د. محمد عبد المطلب الهوني هو نفسه تعبير عن هذا الاتجاه التاريخي (الذي يريد إنارة الواقع عن طريق الفكر). فبعد اطلاعه على تقرير الأمم المتحدة الأول شعر بالصدمة : 300 مليون عربي يترجمون من الكتب سنوياً أقل سبع مرات من 20 مليون يوناني. فقرر رصد مليون دولار لإنشاء المؤسسة العربي للتحديث الفكري كيما تتلافى التأخر العربي في الترجمة عن اللغات الحية وعياً منه بأن الترجمة هي أحد مفاتيح التلاقح الثقافي للإسهام في توضيح المنظورات أمام الرأي العام وصناع القرار في العالم العربي.

 

وكمثقف ليبرالي وديمقراطي جنَّد ماله وقلمه معاً للإنخراط في المعركة الطويلة ضد التأخر التاريخي العربي".

 

انتهى كلام العفيف الأخضر. فهل ابتدأت الصحوة الحقيقية يا ترى في العالم العربي؟ هل ستحصل حركة تنويرية واسعة كتلك التي قام بها الموسوعيون وديدرو وفولتير وروسو وليسنغ وكانط في القرن الثامن عشر الأوروبي. هذا كل ما نأمله ونرجوه. ومن أجل هذه المعركة ينبغي أن نضحي بكل غال ورخيص. فهي معركة المعارك، أم المعارك. وبناء عليها يتوقف كل شيء.

 

 

للتعليق على هذا الموضوع