Middle East Transparent

15 سبتمبر 2004

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

هل أصبح الإسلام السعودي مشجب الإسلام المتطرف؟
غازي المغلوث

يحاول بعض المفكرين والكتّاب العرب تحميل الإسلام السعودي فاتورة موجة التطرف والتشدد، والتشنج الديني، والأنساق الدوغمائية التي طوّقت المنطقة العربية بأسرها في العقدين الأخيرين،وتعليقها على مشجب نموذجنا الديني المحلي، وأذكر أن المفكر المصري الدكتور أنور عبدالملك، في أحد لقاءاته مع تلفزيون الجزيرة في قطر، كان يقول إن الإسلام المصري يتسم بالتسامح والانفتاح والمرونة ويقبل الآخر على مر التاريخ، وإن مصر لم تعرف مظاهر الإسلام المتشدد في الشعائر والطقوس واللباس والحجاب إلا بعد الفورة النفطية التي حدثت في الخليج وذهاب العمالة المصرية إلى هناك، في إشارة واضحة إلى الإسلام السعودي، وما كتبه المفكر اللبناني وضاح شرارة في دور ما أسماه "العقيدة الوهابية" في تسوير المجتمع وتسويته لصالح فئات وأفكار معينة في كتابه الموسوم، الأهل والغنيمة، المقومات السياسية في المملكة العربية السعودية (دار الطليعة، بيروت).

وهناك الكثير من الكتابات التي طالت الإسلام السعودي من قريب ومن بعيد، من أمثال كتابات المفكر الدكتور حسن حنفي، والدكتور عزيز العظمة، ونبيل فياض، ووصفه بالطقوسية والشعائرية والنكوصية والرجعية والتقليدية، والتمشيخية، والبترو- إسلامية، وألمح المحامي المصري الأستاذ/ منتصر الزيات في الحلقات التي نشرها في صحيفة "الوطن" في الأسبوع الماضي إلى أن بعض الطروحات السلفية المتطرفة في السعودية كانت من منابع الإرهاب الذي شاع في العالم في الفترة الأخيرة، وهناك سيل من الكتابات الصحفية والإنترنتية في العالم برمته، تصب في هذا الاتجاه، وتسير على نفس الخط، خصوصا بعد الحادي عشر من سبتمبر.

والحال أن مثل هذه الشنشنة الأخزمية، متوقعة ومبررة من خطابات تستقي مرجعياتها من أيدلوجيات يسارية وليبرالية وقومية وحداثية وعلمانية وتغريبية من عربدة المطربشين، ورطانة المبرنطين، إلا أن الجديد في الأمر، ما قاله المفكر المعروف، الدكتور طارق حجي في الحوار الذي أجرته معه قناة الحرة الأمريكية التي تبث بالعربية، مع الكاتب المصري، الأمريكي مجدي خليل المصنف بأنه أحد عرابيّ - تيار الليبراليين العرب الجدد - المشهور بعدائه الشديد للإسلام والعروبة، فما طرحه الدكتور طارق من قراءة خطيرة للإسلام السعودي، شديدة الهول، وبعيدة الغور, آية ذلك قسمته لأمة الإسلام إلى فسطاطين، فسطاط الإسلام المعتدل، المتسامح، المنفتح، الحضاري، والذي تمثّله المراكز الدينية التقليدية في العالم الإسلامي، القاهرة، ودمشق، وبغداد،ومن ورائهم الأزهر الشريف كرافد لهذا الإسلام، وفسطاط الإسلام، المتطرف، المتشدد، الإرهابي، الإقصائي، والذي اقتدح زناده، واستخرج دفائنه، واستنشل كنائنه، الإسلام السعودي، من لدن إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل، مرورا بشيخ الإسلام ابن تيمية، وصولا إلى الشيخ محمد بن عبدالوهاب صاحب الدعوة الإصلاحية في الجزيرة العربية - رحمه الله- إلى أن طلع فجر الإسلام المتطرف من نقاب الحشمة، وانتضى سيف صبحه من قراب الظلمة، ومن ورائه المؤسسة الدينية الوهابية كرافد لهذا الإسلام، والمؤسسات التعليمية الأخرى. وأعجب ما عجبت له توصيفه معركة الدرعية الحاسمة والتي على إثرها تم سقوط الدولة السعودية الأولى بين جيش الدولة المصرية بقيادة إبراهيم باشا بإيعاز من الخلافة العثمانية وبين الجيش السعودي بأنها تمثل المعركة الحقيقية بين الإسلام المتطرف والإسلام المعتدل، لأن الفريقين مسلمان، وبعد هزيمة الجيش السعودي، عاد الإسلام المتطرف القهقرى، إلا أنه انتعش بعد الثورة النفطية من جديد، واندفع كالسيل الهامر في العالم العربي والإسلامي، ويكاد يسد الأفق، بالتساوق مع تراجع المراكز الدينية التقليدية عن دورها التاريخي في نشر الإسلام المعتدل. ولسنا نغالي إذا ما قلنا إن هذه القراءة للإسلام السعودي قراءة غير بريئة، ومبتسرة للأحداث والزمان والمكان، ولسنا بذلك نبرئ الإسلام السعودي من الأخطاء، ومن رؤى متشددة هنا وهناك، ومن أقوال ونصوص فيها شيء من الصرامة، ومن بعض الإفرازات للتدين المتشدد، ولكن أن يتحمّل الإسلام السعودي كل أخطاء وخطايا الإسلام المتطرف الإرهابي التكفيري وحده فهذا طرح غير موضوعي، ويشف عن مواقف مسبقة، وقراءة متحاملة. ومهما يكن من أمر، فإن الإسلام المتطرف هو صناعة معقدة لا يمكن إرجاعه إلى عامل أو سبب واحد، وكما ذكر المحامي منتصر الزيات أن صناعة الإسلام المتطرف كان من بعض الأطروحات السلفية المتشددة في السعودية، والحركات الإسلامية من مصر والجزائر وبعض الدول الإسلامية التي ذهبت إلى أفغانستان، فهناك تراكمت الأفكار وتصارعت وتشكلت وأفرزت إسلاما متشددا متطرفا إرهابيا يكاد يهدد العالم بأسره، ناهيك عن بعض الانسدادات في الحياة السياسية والثقافية في داخل بعض الدول العربية والإسلامية، أما حديث الدكتور طارق حجي عن أن معركة الدرعية كانت فاصلة بين الإسلام المعتدل والمتطرف فيها شيء من التذاكي، فالمعركة كما تجمع المصادر التاريخية هي معركة سياسية بالدرجة الأولى، كانت تخشى من توسع نفوذ الدولة السعودية الفتية على حساب دولة الخلافة العثمانية حينذاك، لذلك أوعزت إلى محمد علي باشا حاكم مصر لإسقاط الدولة السعودية، وليس فيها إسلام متطرف ولا معتدل ولا يحزنون. أما كلام الدكتور طارق عن لعبة المراكز والأطراف، والمتون والهوامش، فهذه عقدة العقد عند بعض المثقفين والمفكرين العرب، والإشكالية أن البعض ليس متقبلا أن المراكز والأطراف في العالمين العربي والإسلامي - تغيرت وتبدلت- فما كان ينظر إليه أنه مركز بات طرفا، وما كان طرفا أصبح مركزا.

عن "الوطن" السعودية

* كاتب وأكاديمي سعودي

 

للتعليق على هذا الموضوع