9 ديسمبر 2005

 

 

الاعلانات السياسية وصراع الاستراتيجيات في سوريا

غياث نعيسة

 

 

القوة المهيمنة و الايديولوجية السائدة؟

ترافقت الحرب الانجلو-امريكية على العراق ومن ثم احتلاله وسقوط بغداد في 9 نيسان- أبريل 2003 بحملة تهديدات شديدة من المسؤولين الامريكيين (بوش، رامسفيلد ورايس..) ضد النظام السوري. واليوم، يمكن القول، دون ان نرتكب خطأ كبيراَ في التقدير، ان احتلالا امريكياَ للعراق "مريحاَ"، كان دفع بالولايات المتحدة الى حسم سريع لبقاء النظام السوري(انظر بول ماري دو لاغورس، لوموند دبلوماتيك، تموز-يولية 2004). ولكن الصعوبات الجمة التي يواجهها هذا الاحتلال ولا سيما المقاومة الشرسة التي يتعرض لها، ما تزال تجعل الوضع في العراق قلقاَ ومنهكاَ لها. وربما يكون هذا هو احد الاسباب في عدم انتقالها الى الخيار العسكري تجاه النظام السوري.

 

في الوقت نفسه، تتعرض بلدان المنطقة الى ضخ اعلامي وايديولوجي من الدول الكبرى وبالاخص امريكا، لتسويق "مشروع الشرق الاوسط الكبير" و"لانموذج" الديمقراطية التي تعدنا به. ف"الثورة الديمقراطية" العتيدة التي يدعو لها الرئيس الامريكي بوش في المنطقة تستند على "نموذجين". الاول هو افغانستان، وهو انموذج ما يزال عقيماَ وسخيفاَ "لديمقراطية" امراء الحروب والعشائر". والثاني هو العراق، الذي لا يمكن ان يكون، و لا بحال،انموذجاَ جذاباَ للديمقراطية في منطقتنا. لسبب بسيط انه بلد تم تفكيك وتحطيم القوات الامريكية لدولته، بعد ان كانت قد فككت وحطمت بنى المجتمع العراقي عبر أكثر من عقد من الحصار الرهيب. وبالتالي فان" الديمقراطية " التي تبنيها قوات الاحتلال الامريكية في العراق هي "ديمقراطية" طائفية، ولانها كذلك كالتجربة اللبنانية- فانها تحمل في طياتها عوامل ازمة دائمة.

بالرغم من ذلك، لا بد من القول بان مجمل هذه العوامل من التواجد الامريكي العسكري المباشر في المنطقة ( تحت شعار محاربة الارهاب والتي بدأت باحتلال افغانستان) اضافة الى المشروع الايديولوجي لادارة بوش والذي يجد جذوره لدى المحافظين الجدد وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة- والجيوسياسي لاعادة صياغة منطقتنا، دون ان ننسى حقيقة رفض او استعصاء الانظمة العربية وخاصة السوري منها - لاي اصلاح سياسي ذو قيمة، ادت الى تبني النخب العربية ومنها السورية بشكل صريح او موارب لهذه المواقف الايديولوجية. فاصبحت الليبرالية- والجديدة منها- هي الايديولوجية السائدة لديها، واصبح التغيير من " الخارج" هو الامكانية الوحيدة، ويجب التعامل معه. واصبحت الديمقراطية، هي ماحدث في افغانستان او هي " الديمقراطية الطائفية " في عراق اليوم..الخ.

 

في سوريا، صرح مثلاَ احد "نشطاء حقوق الانسان" المعروفين بخصوص احد الاعتصامات التي دعت لها بعض اطراف المعارضة السورية في 10 اذار-مارس 2004 في دمشق : " نحن نمثل 85 بالمائة من السكان" في اشارة منه لنسبة العلويين التي تقدر ب 15 بالمائة ( انظر ميكايل جاكوبسون، معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى، 2005).

 

أزمة النظام السوري وازدياد عزلته

 

استطاع النظام السوري خلال اربعين عاماَ من ارساء اسس سلطة استبدادية ونظام شمولي، وسحق خلالها كل القوى السياسية او الاجتماعية والنقابية المناهضة له، وكان الطرف المنتصر في "حرب أهلية" شنها ضد المجتمع السوري. لم تصادر السلطة السورية الحقل السياسي فحسب بل وضعت يدها على الثروات، وخلقت حولها ومعها شرائح اجتماعية واسعة اغتنت من نظام للفساد مرعب. كما انها صادرت الحقلين الاجتماعي والى حد ما الثقافي، وفرضت هيمنة الحزب الواحد.

 

وفرغت المجتمع، من خلال حرب استنزاف متواصلة، من افضل ممثلي نخبه السياسية والفكرية من خلال اعتقالها وزجها لهم في السجون لسنوات طوال، او دفعها الى المنافي. لقد تم تذرير المجتمع السوري بكامله وفق منظومة ولاءات ومصالح متشابكة حول طغمة حاكمة تربطها وشائج عائلية وشبكة من مجموعات مصالح موالية. وبرزت في سوريا طبقة "جديدة " من رجال الاعمال والبورجوازييين اغتنت ونمت فقط بفضل ولائها واندماجها بالسلطة.

 

كانت ذروة التجلي الاستبدادي في مسار النظام السوري هو الصراع المسلح بينه وبين جماعة الاخوان المسلمين والذي دام بين عامي1977 و1982 والذي قام خلاله كلا الطرفين بعملية تحشيد طائفي للمجتمع السوري، ما تزال تحمل سوريا اثاره. وكرس النظام السوري طبيعته كنظام بوليسي يقوم على اجهزة الامن التي اصبح عددها كبيرا(يقدر ب 15 جهازاَ) وبصلاحيات غير محدودة، ومعياره الوحيد هو مدى الولاء له.

 

ومع الانتقال الوراثي لسدة الرئاسة عام 2000، اعلن الرئيس الجديد بشار الاسد في خطاب القسم في 17 تموز يولية عن وعود اصلاحية عديدة، وساهم هذا في ارتخاء العنف الامني وشجع عدد من شرائح النخبة على استعادة نشاطها واهتمامها بالشأن العام، بعد مرحلة طويلة اقتصر فيه النضال المعارض والسري على عدد قليل من المجموعات المعارضة ومنظمة حقوق انسان وحيدة (لجان الدفاع..). وانتشرت الهيئات والمنتديات في ارجاء سوريا.

لكن سياسة المنع والقمع للسلطة السورية عادت سريعاَ الى عادتها القديمة، وتنطح نائب رئيس الجمهورية عبد الحليم خدام في شباط فيراير 2001 للتهديد بمنع تحويل سوريا الى "يوغسلافيا او الجزائر" وتلى ذلك حملة اعتقالات طالت ماعرفوا بنشطاء "ربيع دمشق" لايزال اغلبهم قيد الاعتقال. ومنعت المنتديات والاجتماعات العامة. زاد تعزيز السلطات من سياساتها القمعية، منذ ما سمي باحداث القامشلي (شمال سوريا) في اذار مارس من العام الماضي، مع مظاهرات الاكراد. بل تتفاقم هذه السياسة القمعية في الاشهر الاخيرة، لتعيد اغلاق ما تبقى من منافذ قليلة للتعبير والنشاط السلمي.

 

بينما جاءت نتائج مؤتمر حزب البعث الحاكم في شهر حزيران يونية من هذا العام لتحبط أي رهان على قدرة او رغبة - النظام السوري في اصلاح نفسه ولو جزئياَ.

 

هذا الاستعصاء الداخلي فاقم من اهمية واولوية دور العامل الخارجي في "التغيير" في سوريا في الوعي العام، وبالاخص لدى النخب. واضاف على عزلة النظام السوري الدولية عزلته وانفصامه عن شعبه.ولكن السلطة السورية تعتقد انها بذلك تمنع توفر بديل عنها جدي و مقبول امريكيا، هذا من جهة. وتظن انها بهذا تكون في وضع يحسن من وضعها التفاوضي مع الادارة الامريكية، بصفقة ما تزال تأمل انها ممكنة مع الاخيرة.

 

الاستراتيجية الامريكية تجاه سوريا

 

تبدو الاستراتيجية الامريكية، وتشاركها الدول الاوربية الموقف نفسه، تجاه النظام السوري وكأنها تقوم (حتى الان، على الاقل) على مبدأ "الضغوط السياسية-الدبلوماسية المتصاعدة في شدتها مع التلويح الدائم بالخيار العسكري". فقد استطاعت الادارة الامريكية، وفي خلال الثلاث اعوام الاخيرة، من تجريد النظام السوري من دوره الاقليمي، وخاصة بعد فرض انسحابه المهين من لبنان في اواخر شهر نيسان ابريل من هذا العام. وتحاصره اليوم داخل حدود سوريا وتضيق عليه الخناق.

 

بدأ الضغط الامريكي على النظام السوري باقرار الكونغرس الامريكي في 11ت2 نوفمبر 2003 "لقانون محاسبة سوريا واستقلال لبنان"، وصادق بوش على العقوبات في 11 ايار مايو 2004.

 

واتفقت دول الاتحاد الاوربي( 25 دولة) بكامل عددها على "تأجيل" اتفاق الشراكة مع سوريا بتاريخ 25 ايار مايو 2004. وصدر قرار مجلس الامن رقم 1559 في ايلول 2004. لكن ما فاقم من ازمة النظام السوري هو اغتيال رئيس الوزاء اللبناني السابق رفيق الحريري في 12 شباط فبراير 2005، الذي اتهم به فوراَ النظام السوري، وادى الى تشكيل لجنة تحقيق دولية برئاسة القاضي الالماني ديتليف ميليس على اساس قرار مجلس الامن رقم 1595. لقد فجر عمل هذه اللجنة تماسك النظام السوري وافقده توازنه، ليأتي انتحار-او نحر- وزير الداخلية السوري غازي كنعان قبل ايام من اعلان ميليس لتقريره في 21 ت2 اكتوبر 2005 الذي يتهم فيه الحكومة السورية بعدم التعاون معه ويعلن عن دلائل تشير على تورط مسؤولين سوريين كبار في عملية اغتيال الحريري ، فأتى قرار مجلس الامن رقم 1636 بعد تقرير ميليس باسبوع ليزيد من ورطة النظام السوري وخنقه. لان جوهر هذا القرار يعطي للجنة التحقيق الدولية صلاحيات تمس "السيادة الوطنية"، مما يعني انها اصبحت ناقصة (كما حصل في عراق صدام حسين)، هذا من جهة. واعطاها صلاحيات مطلقة للتحقيق واصدار مذكرات اعتقال باي فرد كان، مهما كان موقعه، والمسؤولين الذين ذكرهم ميليس في تقريره يشكلون "مركز " وقلب السلطة السورية. لهذا السبب يمكن ان نفهم ماكان يعنيه الرئيس بشار الاسد في خطابه الاخير بداية الشهر الجاري (ت2 نوفمبر)بقوله انه- أي القرار- يقول لنا "اقتل نفسك او اقتلك". اذن، فان قبول النظام السوري بهذه الضغوط والقرارات الدولية يعني امكانية تفكيكه داخلياَ، في المقابل فان رفضه لها سوف يعرضه الى عقوبات وضغوطات اشد قد تصل الى استخدام القوة ضده، بعد انهاكه، للاجهاز عليه.

 

والحال، فان الادارة الامريكية ودول الاتحاد الاوربي- تسعى، من خلال تشديد الحصار والهجوم المتواصل على النظام السوري، وعلى كافة الجبهات، من اجل دفعه الى السقوط " كثمرة ناضجة" (انظر جيو سياسية اغتيال الحريري، بوبل دو موند، بيروت، اذار مارس 2005 ).

 

مما يدعو للقول بأن سيناريو الادارة الامريكية والى حد ما الدول الاوربية- بالضغوط المتزايدة على السلطة السورية هو سيناريو ديناميكي، حده الادنى هو تطويع النظام السوري واعادة هيكلته وصولا الى احتمال اسقاطه، وعلى ارضية استنزاف النظام السوري-وافقاده- لاي هامش للمناورة ان كان على الصعيد الدولي او الداخلي.وان كان برزت مؤخراَ مؤشرات على محاولة السلطة السورية شد لحمة صفوفها وتماسكها، وخاصة الحلقة الضيقة لها وعمودها الفقري.

 

 

محاولات الاصطفافات

 

على خلفية ما ذكر اعلاه، وفي الايام التي سبقت اعلان تقرير ميليس، صدر في دمشق في 16 ت1 - أكتوبر بيانا باسم "اعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي" بتوقيع التجمع الوطني الديمقراطي (يضم خمسة احزاب هي الاتحاد الاشتراكي وحزب الشعب الديمقراطي وحزب العمال العربي وحركة الاشراكيين العرب وحزب البعث الديمقراطي ) وتحالفين للاحزاب الكردية ولجان احياء المجتمع المدني وعدد قليل من الشخصيات. وفور صدوره بسويعات اعلنت جماعة الاخوان المسلمين انضمامها وكذلك فعل فريد الغادري، المقيم في الولايات المتحدة، وحزبه(حزب الاصلاح السوري) وتحالفه، وتلاهم اخرون.

 

اثار صدور الاعلان ضجيجاَ اعلامياَ، وكيف لا ؟ وسوريا اليوم في قلب العاصفة. كما اثار، وما يزال لغطاَ حوله وايدته مجموعات وتحفظت عليه اخرى وعارضه اخرين..الخ، لماذا؟

 

في الواقع، ان اول ما يثير الانتباه هو الشكل المحدود والضيق والاقصائي بخلاف ما هو وارد في نص الاعلان- لاليات الاعداد له. فاية عريضة او بيان حول الديمقراطية تحوز اليوم على التوقيع"السهل" لعشرات الاحزاب والهيئات والشخصيات. وثاني الامر، هو ان الاعلان والانضمام المباشرة-بسرعة مذهلة لجماعة الاخوان المسلمين، كشف عن كونه حصيلة توافق وتنسيق بينهم مع استبعاد التشاور مع العديد من القوى والشخصيات داخل سورية.

 

لم يخلق هذا الاعلان التفافاَ حقيقياَ حوله حتى الان. ولكنه سارع، بسبب السجال حوله، الى الدفع السريع للواجهة لقضية "البديل"، كما دفع حكماَ الى اعادة اصطفافات سياسية جديدة. على سبيل المثال صدر في 15 ت2 نوفمبر الجاري "اعلان حمص" ويتضمن افق سياق ديمقراطي مختلف عن اعلان دمشق واكثر تماسكاَ منه. وهذا لم يمنع حوارات اخرى تدور بين عدد اخر من القوى السياسية والشخصيات لاصدار اعلان ثالث يقال انه سيكون اكثر وضوحاَ وتوافقية، وربما اعلان رابع او خامس.

 

من جهة اخرى، لا بد من القول ان نص الاعلان لم يأت بجديد، فاغلب ما ورد به من مطالب ومحاور انما هي تكرار لما كانت تطالب به العديد من الاحزاب والهيئات السورية في الداخل منذ سنوات. لكن الجديد فيه هو تبني اخيرا- التجمع لهذه المطالب، بعد ان التصقت به سمة سعيه الدائم لارضاء كل من النظام السوري والمطالب الشعبية بالديمقراطية........ لذلك فان التحاق التجمع الوطني الديمقراطي، ولو متأخراَ، بالمطلب العام بضرورة " التغيير الديمقراطي الجذري" هو موقف ايجابي(انظر محمد مقداد، اعلان دمشق ومأزق قواه السياسية، اخبار الشرق، ت1 اكتوبر 2005).

 

من الواضح لكل مطلع على الوضع السوري، بان جماعة الاخوان المسلمين قامت خلال السنوات الخمسة الماضية بمراجعة هامة لخطابها، الذي تحول الى خطاب "ديمقراطي" وشبه ليبرالي، يقول انه يعترف بالاخر ويدعو الى تداول السلطة. كما لايخفى على احد بان جماعة الاخوان هي اكثر اطراف المعارضة تنظيماَ وكفاءة ودينامية في نشاطها، حتى لو لم يكن نشاطها الخاص بارزاَ حالياَ داخل سوريا. كما انها استطاعت، وخاصة في الاعوام الثلاث الاخيرة، من نسج شبكة علاقات مع معظم اطراف المعارضة السورية ودخلت الى المعادلة السياسية كطرف رئيسي فيها، بالطبع هذا لا يعني انها،أو أي حزب اخر غيرها، ذات نفوذ جماهيري، وفتحت قنوات حوار مع عدد من حكومات الدول الكبرى.

لذلك يمكن القول بان صدور اعلان دمشق ليس بعيداَ عن هذه المعطيات، ويجب قراءته وفقها.

 

لكن "اعلان دمشق"يعاني كنص من اشكالية اساسية، قد تكون مقصودة او فرضها الاتفاق بين اطرافه، هي انه نص ملتبس في كثير من فقراته ومتناقض.

 

وسنعطي مثالين: الاول، تقول احدى الفقرات في الاعلان "بناء دولة حديثة، يقوم نظامها السياسي على عقد جديد، ينتج عنه دستور ديمقراطي عصري.. المواطنة معياراَ للانتماء" وفقرات اخرى تتحدث عن الحريات الديمقراطية وتداول للسلطة وانتخابات حرة ودورية.

 

في الوقت نفسه نجد فقرة اخرى كانت وما تزال اساس سجال ونقد شديدين للاعلان، وهي فقرة كما وردت في الاعلان توشك ان تشكك بصدقية اجزائه الاخرى. يقول الاعلان" الاسلام دين الاكثرية وعقيدتها.... مع الحرص الشديد على احترام عقائد الاخرين.." ، ان يكون الاسلام بمذاهبه المتعددة هو دين الاغلبية وانه مكون اساسي لثقافتنا فهذا امر متفق عليه. ولكن ان يضع سلفاَ افقاَ "عقائدياَ" لاكثرية على اساس مذهبي في مشروعه "للتغيير الديمقراطي" يعيد الى الذاكرة التجربة العراقية الجارية. و هذا بخلاف مع جاء في فقرة سابقة من الاعلان تنص على"دولة حديثة..والمواطنة معياراَ". و ما يعزز من هذا الميل هو استناد النص على كلمتي "نحن" و "الاخرين" المكررة في العديد من فقراته. وهذا ما قد يؤكد الى حقيقة استناد اعلان دمشق على فرضية انه ينطق باسم الاكثرية التي دينها وعقيدتها الاسلام ولكنه بالرغم من ذلك يمد يده للاخرين من الاقليات الدينية او القومية هو الفقرة التالية: " اننا ندعو ابناء وطننا واخوتنا من ابناء الفئات السياسية والثقافية والدينية والمذهبية الى المشاركة معنا.." وهنالك امثلة اخرى على تكبيل الفقرات التي تعني بمتطلبات التغيير الديمقراطي من اجل بناء تجربة ديمقراطية تقوم على مبدأ المواطنة بغض النظر عن الجنس او العرق او الدين..بفقرات ذكرنا اهمها تعكس وعياَ لا يرى من امكانية، سوى اعادة بناء سوريا الديمقراطية من خلال تفاهم وديمقراطية"الطوائف"، وهذا ما لا نأمله لبلادنا. ولو حصل ذلك لسبب او اخر، مثل انهيار الدولة والمجتمع بعد غزو خارجي مثلاَ، فاغلب الظن ان ما سيحصل سيكون اقرب لتجربة افغانستان او العراق التي ستسود في "ديمقراطيتها" جيل جديد من امراء الحروب والطوائف.

 

المثال الثاني او"الالتباس" الاخر في اعلان دمشق يتعلق بمدى وضوح مواقفه من النظام القائم؟. فمن جهة نجد الاعلان يقول ب"ضرورة التغيير الجذري في البلاد، ورفض كل اشكال الاصلاحات الترقيعية او الجزئية او الالتفافية" وتأكيد الاعلان على "اننا نتعاهد على العمل من اجل انهاء مرحلة الاستبداد" الخ.

 

في الوقت نفسه فان الاعلان يقول في فقرة اخرى " ان عملية التغيير قد بدأت....وهي ليست موجهة ضد احد" ودعوته للمشاركة فيها لمن اراد من "اهل النظام"، من جهة اخرى.

 

يمكن ان نجد نفس الالتباسات تجاه قضية "الخارج"-مثال ثالث-، فمن جهة يقول اعلان دمشق "رفض التغيير الذي يأتي محمولاَ من الخارج".بينما تعلن التوضيحات التي صدرت معه بان الاعلان يتوجه الى الرأي العام الخارجي "للقول بأن سورية ليست قوقعة فارغة سياسياَ.....وهي تتمتع اليوم بوجود قوى شعبية لها تاريخ طويل في النضال الديمقراطي، جديرة بالثقة ويمكن الحوار معها".

كما تجاهل اعلان دمشق الطابع القومي للقضية الكردية. مثلما تجاهل تماماَ قضية العدالة الاجتماعية واعادة توزيع الثروة الاجتماعية في بلاد اكثر من نصف سكانها (ومن مختلف الاديان والمذاهب والطوائف والقوميات و..) يعيشون في فقر مدقع او تحت حافة الفقر.

 

بالنسبة لنا لا يشكل اعلان دمشق سوى "لحظة" بالتاكيد هامة- من لحظات دينامية الحراك والصراع السياسي والاصطفافات الجارية في سوريا اليوم. ومن الضروري التعامل معه ومع الاعلانات الاخرى بروح التعاون والحوار والسجال، من اجل التوصل الى افضل توافق للقوى السياسية(اليسارية والقومية والليبرالية) والاجتماعية في سوريا لبناء اوسع تحالف ممكن للانتقال الديمقراطي على اساس برنامج واضح ومكثف ضد العدوان والتبعية وضد الدكتاتورية و من اجل الديمقراطية والحرية والعدالة. ديمقراطية تنهض على اساس المواطنة، وفصل الدين عن الدولة، والمشاركة المباشرة والواسعة والواعية للمواطنين. واخيراَ تبقى الممارسة الفعلية على الارض هي المحك والاختبار الحقيقي لاي برنامج او اعلان.

 

مما لا شك فيه ان الحراك العام في سوريا ما يزال محصوراَ على النخب، ولم تنزل الشرائح الاجتماعية الواسعة بعد الى ساحة الفعل. وما تزال النخب المعارضة اسيرة صراع الارادات والاستراتيجيات بين الدول الكبرى، وعلى رأسها زعيمة الامبراطورية الولايات المتحدة، من جهة.وبين سلطة استبداية في سوريا،من جهة اخرى. ورهانات اغلب هذه النخب تنوس بين الاثنين. ما ندعو اليه هو التوجه الى غالبية الشعب السوري من المنتجين و المفقرين والمهمشين وصانعي الثروة والحياة والثقافة(النقابات والمنظمات المهنية والمعلمين والطلبة...)،انها المعنية الاولى بمصيرها ومصير بلادها وهي الضحية الاولى لاليات القهر والاستغلال للنظام الدكتاتوري، وهي التي ستكون الضحية الاولى، مرة اخرى،في أي عدوان عسكري امريكي او دولي على سوريا. قد يكون هذا هوالمدخل الحقيقي لما يسمى الخيار الثالث، اما في حال غيابه فلا شئ يبشر الان بمستقبل قريب مزهر لسوريا. والسير على الطريق ما يزال شاقاَ وصعباَ.

Bgm61@aol.com

 

للتعليق على هذا الموضوع