17 أبريل 2005

 

هل يتسارع الإصلاح السوري السلحفاتي؟

جورج كتن

 

كتب الكثير حول إصلاح الأنظمة العربية وعقدت مؤتمرات وندوات وصدرت تقارير وبيانات وتوصيات وأطلقت مشاريع محلية وعالمية، إلا أن عدد من الأنظمة صمت آذانها وتعاطت باستهتار مع المآزق الداخلية والمتغيرات العالمية والإقليمية، وفهمت أن التغيير هو عمل أي شيء يبقي على الأوضاع القائمة ولو بأثواب جديدة، بينما المقصود من الإصلاح التحول من أنظمة الاستبداد إلى أنظمة ديمقراطية ليبرالية تعيد للمواطنين دورهم في المشاركة بالشأن العام، والتوجه لنظام عصري مبني على اقتصاد السوق الحر والضمانات الاجتماعية، ولحلول سلمية تنهي الصراعات والحروب وتطلق عملية تنمية لردم هوة التخلف التي تزداد اتساعاً. 

وإذا كانت الحركة التصحيحية لم تصحح، فإن سوريا لم تعد بعيدة عن أجواء الإصلاح منذ بداية ولاية الرئيس الجديد تحت مسميات: تطوير، تحديث، إصلاح، تغيير. لكن ما جرى في السنوات الأولى من الولاية لم يتجاوز بضعة إجراءات جزئية، مثل قرار الفصل بين السلطة والحزب الحاكم منذ أربعة عقود، الذي نص على عدم تدخل الحزب في عمل مؤسسات الدولة مع إبقاء دوره في "التخطيط والإشراف والتوجيه والمراقبة والمحاسبة"، أي كل شيء ما عدا التنفيذ المتروك لأجهزة تابعة، أي استمرار النظام الأوامري الذي ثبت فشله عالمياً، حيث الحزب سلطة رابعة تهيمن على السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية، بدل إلغاء المادة الثامنة من الدستور التي تعطي الحزب قيادة الدولة والمجتمع قبل الذهاب لصناديق الاقتراع.

كما ألغيت المحاكم الاقتصادية الموجهة التي لعبت دوراً في إعاقة الاقتصاد السوري، وحولت اختصاصاتها لمحاكم قضائية عادية غير مستقلة. وسمح بإنشاء مصارف خاصة مع تقييدات على نشاطاتها لكي لا تطغى على المصارف المؤممة العاجزة. وأعطيت تراخيص لصحف وإذاعات خاصة لا تتعاطى الشأن السياسي، وأغلقت الصحيفة السياسية الوحيدة "الدومري" التي لم يكن متوقعاً أن تعمل لفضح الفساد عندما أعطيت ترخيصاً. وإجراءات أخرى جزئية وشكلية....منها على سبيل المثال كبديل عن إصلاح تعليمي حقيقي، إلغاء مادة التربية العسكرية  في المدارس التي أدت دورها في عسكرة المجتمع وتعويده على تنفيذ الأوامر العليا، واستبقاء مادة "التربية القومية" بدل استبدالها بما يثقف الطلاب بحقوق الإنسان والحريات التي ينص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقات الدولية المعروفة.

وجرى التخبط في الأولويات، إذ اعتبر الإصلاح الاقتصادي أولوية ثم تم الانتقال لأولوية الإصلاح الإداري، مع استبعاد الإصلاح السياسي بذريعة أن الشعب غير مهيأ له، إذ اقتصر الأمر على إخراج مئات من معتقلي الرأي، مع الاستمرار في اعتقال آخرين قدامى وجدد، وإجهاض "ربيع دمشق" قبل أن تعقد ثماره، فالمثقفون المعارضون لم يدركوا سريعاً أن الانفتاح المعلن عنه في بداية الولاية دعائي وليس للتطبيق الفعلي. كما حولت القبضة الأمنية الحديدية إلى قبضة ناعمة، لكنها ما زالت خانقة للحراك السياسي ومانعة للانتقال من النظام الأمني إلى النظام الديمقراطي.

ظن النظام أنه يمكن الاستمرار في مسيرته السلحفاتية وورشته لتلوين الوضع القائم وتجميل صورته الخارجية، في ظل شعار "التطوير ضمن الاستمرارية" الذي يعني الحفاظ على الثوابت القديمة التي عفا عليها الزمن، إلى أن داهمه الزلزال العراقي الذي أطاح بالنظام الشمولي الأكثر دموية وتخريباً، وأدخل للمنطقة الدور الخارجي المباشر في التغيير.

الدرس العراقي لم يقنع النظام بان الخطر أصبح على الأبواب، وأنه لا بد من علاجات جذرية للأوضاع الداخلية المتردية، بالاعتماد على أن الوجود الاميركي في العراق غرق في مستنقع "المقاومة"، وبالاطمئنان إلى شارع نائم ومعارضة داخلية ضعيفة، وبالاعتماد على أن قسم من المعارضة يمكن أن يصطف إلى جانب النظام في اللحظات الحرجة، فالمعارضة التاريخية القديمة من نفس المدرسة القومية، لا تزال تضع الديمقراطية كأولوية ثانية بعد "الوطنية" حسب المفهوم القديم لها، أي مواجهة الخارج، - وهو مفهوم حمى الأنظمة المستبدة لنصف قرن-، وترفض "الوطنية" حسب المفهوم الراهن الذي يعني أن لا قدرة للمجتمع على المواجهة إلا بالمواطنين الأحرار، وتوزع معظم جهودها في معارك "قومية" متوهمة، ولم تستوعب بعد أهمية توجيه كل الجهود للداخل. أما المعارضة الإسلامية، فرغم دعوتها للديمقراطية، فهي لم تجر تعديلاً جوهرياً لمفاهيمها يقطع الطريق على الشمولية الدينية، فيما المعارضة الديمقراطية الليبرالية ما زالت في طور "ما قبل التأسيس".

الاطمئنان للمفاهيم القديمة وقوة الأجهزة والمستنقع العراقي وتشتت المعارضة والشارع المغيب، اهتز مرة أخرى مع الزلزال اللبناني، الذي أدى لنزع آخر ورقة إقليمية من يد النظام، وأظهر المزيد من عزلته الدولية بعد صدور القرار 1559، وأكد دور المجتمع الدولي في التغيير إلى جانب القوى الداخلية في عملية متبادلة التأثير، فالتدخل الخارجي للمجتمع الدولي أنهى وفكك نظام الوصاية في لبنان ليتمكن توافق القوى السياسية اللبنانية من إعادة بناء ديمقراطية لبنانية رائدة، وتقديم نموذج تغيير سلمي مغاير للتغيير العراقي العنيف.

هل يطلق التغيير اللبناني ونجاح العملية الانتخابية العراقية وفشل المراهنة على إعاقة النهوض الديمقراطي العراقي بالعمليات الإرهابية، عملية الإصلاح في سوريا؟ نأمل ذلك، إذ أن الوقت أصبح داهماً وضاغطاً، ولن يفيد التأخير والمماطلة حسب النهج القديم السلحفاتي طويل الاجل، كما لم يعد مفيداً الجدل حول الإصلاح، هل هو لمواجهة تهديدات خارجية أم لحاجة داخلية إذ بات للاثنين معاً، أو الجدل حول إصلاح سياسي أم اقتصادي أم إداري، فالمطلوب إصلاحاً شاملاً متسارعاً لكافة مناحي الحياة. والسؤال الملح هو هل يريد النظام أو هل يستطيع إنجاز إصلاح حقيقي. فالرفض يعني معارضة حركة التاريخ والوقائع الراهنة العالمية والداخلية، وإهدار لفرصة التغيير السلمي الهادئ على الطريقة اللبنانية بدل النموذج العراقي للتغيير الذي دفعت لتحقيقه أثمان كبيرة بسبب معاندة النظام السابق.

العودة لترتيب الوضع الداخلي بعد انتهاء الدور الإقليمي للنظام، وضرورة الاعتراف بأن عهد الشعارات القومية قد "تأجل"، وأن الداخل أولى بكل الجهود المبذولة، بالتحضير لانتخابات حرة ونزيهة ومراقبة من جهات حيادية، لوضع دستور جديد، بعد مرحلة انتقالية كافية، تجري خلالها مصالحة وطنية شاملة وإطلاق الحريات العامة، وإعادة النظر في النظام الأمني بعد ثبوت فشله في لبنان، وإلغاء حالة الطوارئ والمحاكم والقوانين الاستثنائية وإنهاء هيمنة الدولة على الاقتصاد، والدعوة لحوار ديمقراطي لا يستثني أحداً من القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حتى التيار الإسلامي الداخلي والخارجي.... لوضع برنامج وجدول زمني لخطوات متوافق عليها نحو هدف نهائي واضح.

هل يكون المؤتمر القطري القريب لحزب البعث مقدمة لقفزة في هذا المجال؟ نتمنى ذلك لكي لا تضيع فرصة أخرى ربما تكون الأخيرة. سيكون ذلك ممكناً إذا وضعت في المرتبة الأولى من الاهتمام مصلحة البلاد والمواطنين، وليس مصلحة بقاء النظام.

 

 

للتعليق على هذا الموضوع