18 مايو 2005

 

حتى لا يكون المؤتمر القطري الأخير

جورج كتن

 

المسألة في سوريا لم تعد في أفضلية التغيير الشامل أم التطوير التدريجي، فنظام الحزب الواحد أمام فرصته الأخيرة لإخراج البلاد من المآزق المتوقعة، يحتاج لجهد فائق في المؤتمر القطري القادم لتحقيق قفزة نوعية واسعة في مفاهيمه وسياساته. ورغم أننا لسنا في عصر المعجزات، فلا بأس من بعض الأمل الضعيف جداً بأن معجزة ما ستحصل تجنب البلاد دفع تكلفة عالية للتغيير المتوقع.

 

لكي تحدث "المعجزة"، فالمؤتمر يجب أن يعترف بالمتغيرات الإقليمية والدولية، وأن مفاهيم الحزب وشعاراته وثوابته ليست مخلدة، وأن الأمور ليست على ما يرام كما يظن العديد من مسؤولي السلطة. فهل ينقلب البعث على ذاته أم أن انقلابيته المثبتة في مبادئه "الخالدة" مخصصة للهيمنة على السلطة والاحتفاظ بها ورفض تداولها.

 

إن النوم على الحرير والاطمئنان أن الأمن والاستقرار مستتب والأجهزة الأمنية ساهرة والقوى "العقائدية" جاهزة وملايين الأعضاء الحزبيين متحفزين للرد...هي نفس الأوهام التي خدعت عشرات الأنظمة في الاتحاد السوفييتي ودول المعسكر الشرقي، التي انهارت جميعها في لحظات. وإذا كان البعض يعتقد أن الحزب الواحد في سوريا يختلف، فهو غارق حتى أذنيه في الأوهام. عليه أن يتعظ بالحزب "العظيم" الشقيق العراقي، أو ليأخذ العبر بما حدث في لبنان، فسلطان وهيلمان الدولة الأمنية التي تم بناؤها خلال 30 عاماً، انهار في أيام معدودة من مقتل الرئيس رفيق الحريري إلى خروج آخر جندي ورجل أمن سوري، رغم مئات آلاف الموالين والأحزاب التابعة والأجهزة والمعاهدات والمؤسسات المركبة حسب الطلب، كأنما كان البناء كرتونياً فتداعى عند أول هبة ريح. ومن أخطر الأوهام الظن أن ولائم الموالين اللبنانيين لتوديع طواقم الأمن، هو "إنجاز" يمكن أن يخفي الهزيمة النكراء للدولة الأمنية.

 

الدولة الأمنية التي تم بناؤها في سوريا خلال 42 عاماً ليست أكثر قوة ولن يكون مصيرها أفضل إذا استمر السير على النهج القديم الذي ثبت فشله عالمياً واقليمياً، فالناس تتوقع أفعالاً تغييرية في شتى مناحي الحياة ولم تعد تقبل المماطلة والتسويف. ورغم أن الحزب تابع للسلطة، ورغم تحكمها بالانتخابات للمؤتمر القطري، فلنفترض أن "الأمل المعجزة المستحيلة" يأتـي من حزبيين عادوا إلى رشدهم بعد الانتباه لما يجري حولهم، واستفاقوا من سباتهم وغرقهم في الامتيازات والمناصب، فيتمكنوا من إسماع صوتهم للمهيمنين على السلطة.

 

نتمنى أن يثبت هؤلاء أننا على خطأ وأن الحزب قابل للتغيير والتحديث، وقابل لطرح برنامج تغييري شامل، فالنظام الانقلابي الفاقد للمشروعية الداخلية منذ الأساس، والذي فقد الدعم الخارجي السوفييتي أولاً ثم الأمريكي، لن يكتسب مشروعية داخلية وهي الأهم، إلا إذا اغتنم الفرصة الأخيرة للقيام بإصلاحات جذرية شبه مستحيلة، لأن المثل يقول "إن الشيطان لا يقضم أظافره".

 

المؤتمر القطري أمام مسؤولية كبيرة لن يستطيع تحملها إن لم يقر ديمقراطية داخلية تتجاوز هيمنة متنفذي السلطة داخله، تسمح بالحوار حول كافة القضايا دون قيود على الأفكار والآراء، وإن لم يعترف بأن الشرعية لأي نظام تأتي فقط من الشعب الحر الذي ينتخب ممثليه بنزاهة وشفافية. ولن يتقدم خطوة واحدة إن لم يقر بفوات شعاراته "الخالدة" وعدم ملاءمتها للعصر.

 

الحزب أمام مفترق طرق، أفضلها يبدأ من نقد المرحلة السابقة والاعتراف بالأخطاء ومحاسبة المرتكبين والاعتذار للشعب، وإنهاء دور الحزب كواجهة سياسية تابعة للسلطة، والتصرف على أساس أن المؤتمر يملك قراره بنفسه، ولم يجمع لتمرير سياسة جديدة للسلطة، مثلما جمع المؤتمر التاسع لتمرير وراثة السلطة، وأن لا فرق بين الحزب الواحد والحزب القائد إلا في الشكل، فالأول احتكار فج للسلطة والآخر احتكار مع مساحيق تجميلية، وأن الحزب المبني على أساس المكاسب الوظيفية، لن يستمر طويلاً وسينهار عند أول منعطف، فالفشل هو لسياسات كاملة "قومية" و"اشتراكية"، يتشارك فيها جميع أحزاب الجبهة وعدد من أحزاب المعارضة التي تردد نفس الشعارات والمفاهيم من الضفة المقابلة.

 

المؤتمر القطري لن يكون قد فعل شيئاً إن لم يعترف بفشل جبهته وعجزها الدائم وانتفاء أي مبرر لوجودها في عهد التعددية الحزبية الحقيقية القادم، فالأحزاب المشاركة في الجبهة التي اخترعت الأجهزة بعضها أو أحيت بعضها الآخر، وقفت جميعها ضد العمل لإقرار قانون يسمح بحرية تشكيل الأحزاب فيما عدا حزب يوسف فيصل-، أما توسيع الجبهة بدخول الحزب القومي السوري في اللحظة الأخيرة قبل غرق السفينة فيضيف "زوبعة" أخرى للزوابع التي تعصف بالجبهة.

 

وإذا كان الحزب قد ضحى بحل نفسه من أجل قيام وحدة مصر وسوريا، فلا نظن أن ذلك سيتكرر حالياً، فلن يحل الحزب نفسه من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان ووقف الفساد والاستبداد وعودة السلطة للشعب، ولو أن ذلك أحد الحلول المفيدة. أما أبأس الحلول فهو ما يروج له من استبدال الوجوه المستهلكة والبالية بوجوه شابة من أبناء المسؤولين، فالأبناء ليسوا أفضل من آبائهم وليسوا الجيل الصاعد بل الجيل الفاسد. وأسوأ ما يمكن أن يحصل هو ترجيح أوهام بعض من يريدون الإصلاح، من أن فكر الحزب صحيح وصالح لكل زمان ومكان والمشكلة في الممارسات، فالفكر القومي الشوفيني، و"الاشتراكي" - كقطاع عام مجسد في رأسمالية الدولة البيروقراطية-، لا يمكن تطبيقهما إلا بممارسات قمعية، فالممارسات هي نتاج لفكر، لم يعط في أي مكان سوى الاستبداد والفساد.

أمام المؤتمر فيما لو امتلك حرية قراره مهمة طرح مشروع برنامج إصلاحي شامل يبدأ بإلغاء كلي لحالة الطوارئ وكافة القوانين القمعية المخالفة لحقوق الإنسان:

- قانون 6 لعام 1965 لحماية الثورة الذي يعاقب بالمؤبد أو الإعدام لمن يخالف تطبيق ما يدعى بالنظام الاشتراكي حتى لو كان ذلك بالقول أو أي من وسائل التعبير.

 

- قانون 24 للعام 1966 الذي أخضع مجلس القضاء الأعلى -المفترض أن يكون مستقلاً- للسلطة التنفيذية.

 

- قانون رقم 14 للعام 1969 الذي يشرع للتعذيب ولارتكاب جرائم بحق المعتقلين، إذ يمنع الادعاء على رجال الأمن عند ارتكابهم لجرائم أثناء ممارسة وظائفهم.

- المرسوم 47 للعام 1968 الذي أنشأ محكمة أمن الدولة العليا، والسماح للقضاء العسكري والمحاكم الميدانية بالنظر في قضايا ضد مدنيين.

 

- القانون 49 للعام 1980 الذي يعاقب بالإعدام لكل منتسب لتنظيم الإخوان المسلمين.

 

- قانون المطبوعات51 للعام 2001 الذي خص الصحفيين بعقوبة 3سنوات سجن عند التعبير عن رأيهم بحرية.

 

- تعديل قانون الانتخاب 26 للعام 1973 بحيث يسمح بانتخابات حرة ونزيهة، تأتي بمجلس حر تكون إحدى مهامه الأساسية تعديل الدستور لإلغاء المادة الثامنة التي تعطي للحزب الواحد حق الهيمنة على الدولة والمجتمع، وتعديل المادة 84 بحيث تعيد الحق لكل مواطن للترشح للانتخابات الرئاسية وتعيد الحق للناخب للاختيار من بين أكثر من مرشح. وإلغاء المادة الثالثة التي تجعل دين رئيس الجمهورية الإسلام وهو تمييز مناقض للمساواة التامة بين المواطنين، وتعديل المواد 1 و13 التي تقول أن سوريا دولة اشتراكية والمادة السادسة التي تنزل عقوبات بمخالفي نظام اقتصاد التخطيط المركزي.

 

وليتحرر الحزب والمؤتمر ويحرر الشعب من هيمنة الأجهزة الأمنية المتشعبة والمتدخلة في كل شاردة وواردة من حياة المواطنين، عليه أن يكف يدها كلياً عن التدخل في كافة الأمور، ويضمن عدم عودتها لممارساتها السابقة بتشكيل جهاز تفتيش كفؤ ونزيه ومستقل لمراقبة ووقف أعمالها المخالفة للقوانين وتقديم المسؤولين عنها للقضاء، والعمل لتوحيدها وإخضاعها للسلطة التنفيذية، فإنهاء الدولة الأمنية من الداخل أفضل بكثير من الوسائل أخرى.

 

الإصلاح السياسي يجب أن يستهدف توصية المؤتمر بإصدار قانون لحرية تشكيل الأحزاب وقانون يسمح بصحافة وفضائيات ومواقع الكترونية حرة، وتأمين حقوق الأقليات القومية ووقف التمييز ضدها وإعادة الجنسية للمجردين منها، بالإضافة لرفع يد الدولة والحزب عن النقابات والاتحادات المهنية التي هي الآن واجهة تحركها السلطة لمراقبة وإعاقة نشاطات العمال والفلاحين والمهنيين، لتتحول قياداتها المنتخبة بحرية لتمثيل منتسبيها والدفاع عن مصالحهم.

 

ولا بد في المجال الاقتصادي من التوصية بتحرير الاقتصاد من هيمنة الدولة والتحول لاقتصاد السوق الحر، مع توسيع الضمانات الاجتماعية، والاعتراف بفشل القطاع العام، فالحفاظ عليه يعني استمرار إهدار المال العام لصالح متنفذي السلطة. وكذلك فتح الأبواب أمام الاستثمارات الأجنبية والاندماج بالاقتصاد العالمي، وعمل كل ما يتوجب لانطلاق الشراكة مع أوروبا. ويفضل للمؤتمر القطري أن يدعو لمؤتمر سوري عام يضم جميع القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لمناقشة برنامجه الإصلاحي الشامل.

 

تجاهل هذه المسائل يعني أن أعضاء المؤتمر لم يتعلموا شيئاً مما يجري حولهم، وأسوأ ما يمكن أن يطرحوه برنامجاً عنوانه"الوطن في خطر" الذي يعني نسف أي إصلاح وإعطاء مشروعية لاستمرار الاستبداد بحجة المؤامرات الخارجية، وهي دعوة لن تلقى استجابة في الشارع السوري.

 

لم يكن للمؤتمر القطري هذه الأهمية، لولا الأوضاع الراهنة المتأزمة، مما يجعله الأمل الأخير لإنقاذ النظام وحزبه، ولو أنه ليس الأمل الأخير للمواطنين، فلديهم خيارات أخرى للتخلص من النظام الاستبدادي.

 

هل سيرضخ المؤتمر للقرارات المعدة سلفاً من قبل الممسكين بالسلطة ويقول "نعم" لكل ما يملى عليه؟ أم يتمرد وينقذ الحزب، وربما يضمن مشاركته في النظام الديمقراطي القادم؟

للتعليق على هذا الموضوع