17 مايو 2005

 

 المبدئية بين اللامساس.. والترجيح

هل يمكن تعديل وقت صلاة العشاء؟

جمال البنّا

 

 

  قضت أوضاع العصر، وما اتسم به من تجديد وتغيير واكتشاف واختراع لأن ننتهج في مأكلنا ومشربنا وسيرنا وسفرنا ولبسنا وزيّنا، فضلا عن التعامل اقتصاديا بوسائل جديدة مع بنوك وبورصات واسهم وسندات وما يتدخل فيها من ربا، صريحا أو مقنعا، دع عنك ما أدخلته أجهزة الإعلام من صحافة، وسينما وتلفزة وقنوات فضائية تعرض الصالح المفيد والطالح الضار ـ نقول قضي كل هذا إلى وجود نوع من الاحتكاك ـ أو التعارض ـ مع ما ألفناه وما كان موجودا واستقرت عليه الأوضاع وما قنَّنَتهُ الشريعة في أحكامها الدينية.

 

  وقد تحدث مناسبات تثير أسئلة محيرة. فعند انعقاد ألعاب الاولمبياد من شهور خلت ثارت قضية الملابس التي يكون على اللاعبة المسلمة ارتداءها إذا أرادت الاشتراك في ألعابها كالسباحة، والتنس، والكرة، مما يتضمن مخالفة صارخة مع آداب الزي الإسلامي. بل لقد ثارت هذه القضية بالنسبة لما يلبسه الذكور أنفسهم، عندما تذكر بعضهم أن الرأي الفقهي هو أن ما فوق الركبة يعد عورة. ففكر بعض لاعبي كرة القدم وغيرهم من ذوي التوجهات الإسلامية بإطالة "الشورت" بحيث يغطي الركبة.

 

  إن هذه القضايا تثير الكيفية التي يمكن التعامل بها مع المبدئية التي تفرضها الأصول الدينية. وهل تكون "اللامساس" بحيث لا يحدث أي مخالفة لها، أو أن تخضع هذه المبدئية لصور متفاوتة من التطويع أو المرونة بحيث يمكن أن تتلاقي الضرورات مع المبدئيات.

 

  ومع أن فكرة الالتزام بالمبدئية هي للوهلة الأولى الغالبة لان فكرة المبدئية تفترضها، فإن ضرورة تفاعل المبدئية التي عادة ما تكون جامدة، صماء، محدودة، مع ضرورات الحياة وطبيعة العصر لابد وان تحفر لنفسها طريقا ما بين المبدأية ومقتضيات العصر.

 

  وفي نظرنا أن ليس هناك من مبدأ له من القداسة والحصانة والإطلاق بحيث يكون علينا التسليم به وعدم المساس به إلا مبدأ واحد هو وجود الله تعالي وذاته وطبيعته، وانه اصل القيم والحكمة وخالق الكون، وانه أرسل الرسل وانزل الكتب هداية للناس وانه تعالى هو وحده، يوم القيامة يفصل فيما كانوا فيه يختلفون بحكمة ورحمة تفوقا معاييرنا.

 

  ولا يُقبَل بصدد الله تعالى أي "نسبية" ما، لأن النسبية نفسها تنفي هذا فلا تكون نسبية إلا بالنسبة لما هو غير نسبي والله تعالى وحده فوق النسبية.

 

  هذا هو المبدأ الذي من حقه أن نقول عنه "لا مساس" وإنما تسليم.

 

  ولكن الأديان جميعا لها جوانب اجتماعية وقواعد خلقية أريد بها المضي الرشيد للمجتمع.. يدخل في هذا الجانب ـ في نظرنا ـ كل الآداب العامة التي سنتها الأديان، بل أيضا كل "الدنيويات" أي كل ما يتعلق بالوجود الدنيوي مما يمكن أن يطلق عليه الشريعة.

 

  وبالنسبة للإسلام، فإن لكل الآداب العامة والنصوص التشريعية "حكمة" اقتضت قيامها، لان الأحكام لا تسن عبثا أو اعتباطا. وعندما نزلت النصوص عن هذه الآداب والأحكام كانت هذه الحكمة متوافرة، ولكن يحدث أن هذه تتعلق بجوانب دنيوية أن يقتضي التطور من التجديد ما ينفي الحكمة التي سن من اجلها الدين هذه النصوص. هنا لا يكون علينا غبار إذا اعتبرنا أن العلة انعدمت، وبالتالي انعدم النص، واجتهادات عمر بن الخطاب شاهدة على ذلك.

  وعندما جاءت الأديان كان هناك ميراث ضخم من أوضاع سيئة، كان هناك الرق، وكان هناك دونية المرأة، وكان هناك الربا الذي يعتبر جسد المدين ضمان الوفاء، فإذا عجز استعبد الخ.

  

 

  أرادت الأديان إصلاح هذا كله وقطعت في هذا شوطا بعيدا، ولكن الله تعالي وضع للمجتمع أسسا يقوم عليها هذا المجتمع ولا يمكن التمرد عليها أو مخالفتها..

 

  من هذه الأسس أن تنشأ اعتبارات أو مقتضيات جديدة "ترتفق" على النص، ولا يكون هناك مفر من ملاحظتها ما دامت لا تهدم الأصل، وإنما تتعلق بالاعتبارات الطارئة.

 

  فزي المرأة في العمل يمكن أن يختلف عن زيها في الحفلات. وإذا أرادت المرأة أن تمارس السباحة كرياضة فلا بد أن ترتدي الثياب التي تتناسب مع هذه الرياضة.. وإذا أريد الجمع بين الأخذ بهذه الضرورة دون انتهاك مبدأ الاحتشام فيمكن تخصيص شواطئ خاصة للسيدات.

 

  ولكن هذا لا يمكن في المباريات العامة اولمبية، أو غير اولمبية. وهنا يكون علينا الترجيح بين مزايا ممارستها وما بين المحاذير والأخطار أو الأخطاء التي تنتج... وأنا شخصيا لا ارفض أن تلبس سيدة مسلمة زي السباحة لتشترك في مسابقة دولية أو خارجية، لان من المُسَلَّم به أن السباحة رياضة مفيدة. وهناك من الآثار ما يحض عليها ومن غير المعقول أن تكون مفيدة للرجال وضارة بالنساء فإذا كانت السباحة مفيدة ولم يكن الغرض من اشتراك المرأة استعراض محاسنها وإنما ممارسة السباحة، فإني اعتبر أن هذا قد يدخل في توجيه القرآن "فاستبقوا الخيرات" وعلينا أن نكون من الشجاعة بحيث لا نضحي بالأفضل في سبيل فهم مغلوط للنصوص أو مقاصد الإسلام، أو شبهات تعد من الظن الذي هو اكذب الحديث.

 

  وإن كنا لا ندعي احتكار هذا الصواب، أو أن غيرنا مخطئ "فلكل وجهة هو موليها".

 

  أما الحجاب، فبداهة أن ما يقال على زي السباحة ينطبق على الحجاب وقد قلنا في كتابنا الحجاب "إن الحجاب قد فرض على الإسلام، ولم يفرض الإسلام الحجاب، وكيف يفرضه وقد كان مطبقا طوال ألفي عام قبل الإسلام؟

 

  أما "الشورت" بالنسبة للرجال فهذا ما أعتبره نوعا من "التقعر" والتجمد والبعد عن أي تفكير أو إعمال للعقل.

 

  وقد يصل التعارض إلى إطار العبادات كما في الحج وما يثيره رمي الجمرات من احتشاد مليونين من الناس لرمي الجمرات في أيام معدودة وفي مكان واحد من تزاحم راح ضحيته العشرات ممن فقدوا حياتهم تحت الأقدام وما يقال عن رمي الجمرات يمكن أن يقال عن كثير من مناسك الحج.

  وقد أغنانا الرسول صلي الله عليه وسلم وأفتانا بما نصنع في مثل هذه الحالة منذ ألف وأربعمائة عام.

 

  لقد حدث أن جاء الرسول صلي الله عليه وسلم عدد من الناس شاكين تقصيرهم أو تفويتهم مناسك الحج، فقال الرسول صلي الله عليه وسلم لهم "لا حرج" فعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلي الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع بمني للناس يسألونه فجاء رجل فقال: لم اشعر فحلقت قبل أن اذبح، فقال صلي الله عليه وسلم "أذبح ولا حرج"، فجاء آخر فقال: لم اشعر فنحرت قبل الرمي، فقال صلي الله عليه وسلم "ارم ولا حرج" فما سئل النبي صلي الله عليه وسلم عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: "افعل ولا حرج" متفق عليه، "أي أخرجه البخاري ومسلم" وعن أسامة بن شريك قال: خرجت مع رسول صلي الله عليه وسلم حاجا فكان الناس يأتونه فمن قائل يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف أو أخرت شيئا أو قدمت شيئا، فكان يقول "لا حرج إلا على رجل اقترض عرض مسلم وهو ظالم، فذلك الذي حرج وهلك" أبو داود.

 

  وقد وجدت في أوراقي تعقيبا كتبه كاتب سعودي هو الأستاذ يعقوب محمد إسحاق في جريدة عكاظ السعودية صدر يوم 8/11/1423 بعنوان "تعديل وقت صلاة العشاء" أشار إلى تصريح معالي نائب رئيس مجلس الشورى الأستاذ بكري شطا نصه "نفي معالي نائب رئيس مجلس الشورى الأستاذ بكري شطا ما يتردد من أن مجلس الشورى يعكف حاليا على دراسة تأخير وقت صلاة العشاء عن وقتها الحالي ـ بشكل رسمي ـ حتى تقفل المحلات التجارية أبوابها بعد الأذان حتى صبيحة اليوم التالي.

 

  وقال معاليه في تصريحه لجريدة "الرياض" حول ذلك: إن هذه مجرد مداولات وآراء ومرئيات من قبل بعض أعضاء المجلس كانوا يتداولون هذا الرأي ولم يطرح بشكل رسمي بل أنها اقل من اقتراحات أو توصيات.

 

  وكشف معاليه في تصريحه: أن المجلس كان يدرس كيفية تغلب المواطن الذي لديه أسرة وأطفال ولديه عمل في الصباح والمساء ويعمل في محل ولابد أن يجلس مع أسرته قليلا، خصوصا إذا نظرنا أن عمل المحلات يمتد للساعة الحادية عشرة أو الثانية عشرة ليلا وهو يعمل من الصباح فلا يستطيع أن يلبي احتياجات أسرته ومتطلباتها الاجتماعية وما إلى ذلك.

 

  وعقب الكاتب وهو كما ذكرنا "الأستاذ يعقوب محمد إسحاق" على هذا التصريح بقوله: "كان المسلمون في عصر صدر الإسلام يعيشون في الجزيرة العربية حياة بدائية خالية من مشاغل الدنيا ولديهم أوقات طويلة من الفراغ فيضطرون إلى النوم في وقت مبكر وهو الأمر الذي جعلهم يؤدون صلاة العشاء في وقت مبكر قبل أن يناموا لان ديننا دين يسر لا دين عسر فقد سمح الرسول صلي الله عليه وسلم بأداء صلاحة العشاء قبل نوم الناس.

 

  أما في الوقت الحاضر فقد اختلفت ظروف الحياة وتعقدت أمور الناس والمجتمع وامتدت ساعات العمل من الصباح حتى منتصف الليل وهو الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في وقت صلاة العشاء مراعاة للظروف العامة للمجتمع الذي أصبح يحب السهر ومراعاة لظروف المحلات التجارية التي تستمر في العمل حتى منتصف الليل علي اقل تقدير.

 

  وتأخير وقت الصلاة إلى منتصف الليل أمر يتفق مع الأحاديث الصحيحة التي تنص على أن النبي صلي الله عليه وسلم قد أذن بتقديم وقت صلاة العشاء خوفا من أن يكون أداؤها في منتصف الليل أو قبل ذلك بقليل نوعا من المشقة علي المسلمين الذين اعتادوا النوم في وقت مبكر الخالين من المشاغل والملهيات التي تستدعي السهر.

 

  وللدلالة علي مشروعية تأخير وقت صلاة العشاء أورد نصوص بعض الأحاديث النبوية التي تتعلق بالوقت الصحيح لصلاة العشاء:

  ـ لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير صلاة العشاء، انظر صحيح ابن ماجة.

  ـ لولا أن أشق على أمتي لأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه.

 

  انظر الحديث في صحيح الترمذي.

  ـ لولا أن اشق على أمتي لفرضت عليهم السواك مع الوضوء ولأخرت العشاء الآخرة إلى نصف الليل. انظر الحديث في صحيح الجامع.

 

  فإذا تأملنا الأحاديث النبوية الشريفة نراها تبين أن الوقت الصحيح لصلاة العشاء إن جاز هذا التعبير هو منتصف الليل أو قبله بقليل وانه صلي الله عليه وسلم أجاز أداءها في وقت مبكر مراعاة لظروف المسلمين في عصر النبوة حيث كان المسلمون يذهبون إلى النوم مبكرين في أول الليل لعدم وجود ما يستدعي السهر في حياتهم مخافة أن يكون في تأخيرها لمنتصف الليل مشقة علي المسلمين لان دين الإسلام دين يسر لا دين عسر ويراعي أحوال الناس حتى في العبادات.

  فإذا نظر مجلس الشورى الموقر في مواعيد نهاية العمل في المحلات التجارية في الساعة الحادية عشرة ليلا فيكون من المناسب أن يؤدي الجميع صلاة العشاء فور قفل المحلات التجارية في الوقت المقترح لنهاية الأعمال الليلية، وهذا الأمر قد يستدعي فتوى من سماحة المفتي العام للمملكة لتهيئة الناس لوقت صلاة العشاء المعدل الذي يتفق مع الشرع الحنيف" انتهي تعقيب الأستاذ يعقوب.

 

  قد لا نتفق مع الكاتب لا في المبدأ، ولكن في الوقت الذي ارتآه لصلاة العشاء، ولكن الفكرة ـ التي ترددت في السعودية بالذات، تفتح أمام المجددين آفاقا واسعة.

 

  وفي الحقيقة أن الإسلام وضع القاعدة الكلية للتعرف الامثل في كل ما يتعلق بضرورة تواؤم الأوضاع التي نصت عليها الشريعة، والتي تدخل في مسائل "الدنيا" مع المقتضيات التي فرضها التطور وأوجدت اواضاعا غير الأوضاع التي سنت في ظلها نصوص الشريعة والسند الأصولي لهذا هو استمرار وجود العلة التي من اجلها سنت هذه الأحكام، وهذه العلة تدور حول العدل أو الحكمة، فإذا حدثت أوضاع تفوت هذه العلة أو توجد من المضار ما يفوق المنافع التي استهدفتها فلا حرج مطلقا من تعديل النص بما يحقق مقصد الشارع وهو العدل، والحكمة والمصلحة.

 

  ولا يدخل في هذا ما يتعلق بصلب العقيدة كوجود الله تعالي وطبيعته وذاته لان هذا الوجود هو نفسه الحكمة، فلا يمكن أن تفتقد أو تتطلب التعديل.

 

 

للتعليق على هذا الموضوع