8 يناير 2006

 

امنيات العام الجديد

الذرائع لا تصنع حضارات الشعوب

فرانسوا باسيلي

 

عام جديد ... فبأية حال عدت يا عام ؟

كل سنة وانتم طيبين .. هكذا نتبادل الامنيات بالعامية المصرية . خفيفة الدم .. وكلمة ( طيبين ) و (طيب) من اجمل الكلمات في العامية المصرية , وتعني الكثير من المعاني الجميلة , وبعض المعاني غير الجميلة ايضا .. فحين أقول لك ( كل سنة وانت طيب) فإنني أتمنى لك ان تعود عليك السنوات وأنت في حالة ( طيبة ) أي حالة حسنة مقبولة .. وتلاحظ ان الحالة الطيبة هذه هي أكثر صدقا ومعقولية ووسطية من ان اتمنى لك أن تكون في حالة عظيمة مثلا أو ممتازة أو بالغة السعادة , فهذه كلها كلمات فيها مبالغة وعدم واقعية .. أما كلمة طيب فهي الأكثر صدقا واعتدالا .. فالحالة الطيبة هي الحالة المستحسنة المقبولة التي يحمد الله عليها , والانسان الذي يطلبها انسان متواضع لا يتملكه الطمع ولا يهرع خلف البارق من المغريات ولا يغالي في المطالب والامنيات .

أما المعنى الجميل الآخر لكلمة ( طيب) بالعامية فتأتي في سياق قولنا أن فلان رجل طيب , اي رجل بسيط مكشوف السريرة صريح النوايا صادق الكلمة وصافي النية .. فهو رجل طيب وليس مثل الكثيرين الآخرين من الملاعين النماردة الذين ( يلعبون بالبيضة والحجر) الذين يظهرون غير ما يضمرون ويقولون غير ما يقصدون ويدبرون في الخفاء ويطعنون في الظلام ويخونون ( ويلعبون بذيولهم) وينافقون ويتقلبون ويتلونون.هؤلاء ليسوا(طيبين).

وهناك استخدام آخر لكلمة ( طيب ) بالعامية يمنحها معنى التهديد والوعيد وذلك حينما ننطقها بشكل ممطوط قائلين ( طااااا يب ) أي ( فلتنتظر ما سأفعل بك أو ما سيحدث لك من أهوال عقابا لك ) وكأنني اعني بها أن أقول ( حسنا ( طيب) اذا كان هذا هو موقفك فانتظر وعدك وقدرك) ولعل هذا هو المعنى الوحيد غير الجميل لكلمة ( طيب) .

وكل سنة وأنت ( طيب)

نظر البعض الى عام 2005 المنصرم وقالوا انه كان من اسوأ الاعوام التي مرت على العالم في الحقبة الاخيرة .. فقد وقع فيه طوفان السونامي الرهيب الذي راح ضحيته عشرات الآلاف من الابرياء وروع العالم بأسره اذ كان الضحايا من عدد كبير من البدان الآسيوية ومن السياح القادمين من دول كثيرة اوروبية وغيرها .. كما وقعت فيه كارثة كاثرينا في الولايات المتحدة , والتي دمرت مدينة نيو اورليانز ذات الطابع الفرنسي والتي كانت شهيرة بموسيقى الجاز وبمهرجانها السنوي العالمي ( جراس ماردي) .. وكشفت ( كاترينا) عن واقع بائس من الفقر والعوز تعاني منه طبقات كاملة تكاد ان تموت ( طبقات تحتية) لم يكن مجتمع الاعلام الامريكي ولا الوعي الامريكي- على دراية بوجودها , ذلك الوعي الذي يشكله اعلام هو هوليوودي الطابع في اساسه يعتمد على قطع أهم البرامج لاستضافة ( الكوميرشالز) اي الاعلانات التلفزيونية المتتالية التي يستغرق كل منها من نصف دقيقة الى دقيقة .. وكشفت كاترينا بقوتها الطبيعية الهادرة الستائر الملونة عن امراض الفقر والبؤس وغياب الخدمات الصحية والثقافية لمئات الآلاف من القابعين في قاع المجتمع الامريكي موجودين تحت خط الرادار , فلم تكن تقع عليهم كاميرات الاعلام المشغول بنجوم هوليوود ومغامراتهم العاطفية المثيرة , أو بالجرائم ذات الاثارة العالية التي يظل الاعلام يلوكها لشهور طويلة , وأحيانا لسنوات , ما دام يمكن الاستمرار في بيع الاعلانات من خلال هذه البرامج , فالدافع الاساسي وراء الاعلام هو الدافع التجاري وليس المعرفي ولا التثقيفي ولا الجمالي .

كما استمر الوضع في العراق في التدهور , ولا يكاد يرى المحللون الاستراتيجيون في مراكز الفكر الاستراتيجي الامريكية حلا واحدا يرتاحون اليه فالعراق مستمر في مسلسل العنف وانهيار الامن والامان وغياب الخدمات الاساسية .. وبدأت تتصاعد أصوات لها اهميتها داخل دوائر الثقل الامريكية تطالب بجدول محدد لانسحاب القوات الامريكية .. وراح عدد من السناتورز المشهود لهم بالمصداقية العالية يقولون ان معلوماتهم تؤكد ان الحرب في العراق لا يمكن حسمها حربيا ..وانه يجب اعادة صياغة الاهداف الامريكية بما يسمح بالانسحاب من المستنقع العراقي .. وهبطت شعبية الرئيس الامريكي بوش الى أدنى مستوياتها بسبب الوضع المتردي في العراق .

أما في مصر فقد شهد عام 2005 صعود حركة كفاية وانتزاعها اعتراف العالم بها , ونجاحها في تحريك مياه السياسة المصرية الراكدة مما أدى الى تغيير الرئيس مبارك والحزب الحاكم لموقفهما الذي كان معارضا لأي تعديل في الدستور الى اقتراح تعديل الدستور للسماح لأكثر من مرشح للتنافس على الرئاسة , وهو ما حدث . لكن تكاد تجمع التعليقات في مصر على ان التغيير كان شكليا , ومن المفارقات المدهشة حقا ان الرجل الذي حصل على اكبر ثاني عدد من الاصوات بعد الرئيس مبارك وهو أيمن نور , قد انتهى العام عليه وهو ملقى في غياهب السجون المصرية بعد ان حكم عليه نفس القاضي الذي حكم على د. سعد الدين ابراهيم من قبله بالسجن , والرسالة الواضحة للجميع انه لن يسمح لأحد ان ينافس منافسة حقيقية على كرسي رئاسة مصر وأن من يتجرأ على فعل هذا سيكون مصيره السجن وبؤس المصير .

أما على الصعيد العربي , فقد شهد عام 2005 خروج سوريا من لبنان تحت ضغط دولي ., فالنظم العربية لم تعد تتخذ اية اجراءات ذات قيمة الا تحت ضغط دولي للأسف الشديد . وقد تبع هذا مسلسل من حوادث الاغتيالات الرهيبة الارهابية , راح ضحيتها رئيس الوزراء الاسبق رفيق الحريري , ثم تبعه عدد من اصحاب الرأي والقلم في لبنان من المناهضين للتسلط السوري , مثل سمير قصير ثم جبران تويني , واخيرا ينتهي العام بانشقاق عبد الحليم خدام عن النظام السوري , وكشفه لوقائع خطيرة منها ان الرئيس بشار الاسد قد هدد الحريري تهديدا صريحا ( بسحقه) اذا خرج عن طوع النظام السوري , ثم تصويت مجلس الشعب السوري بالاجماع وهل يفعل ذلك المجلس اي شيء سوى بالاجماع ؟ لإحالة عبد الحليم خدام للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى !

كانت هذه هي الاحوال البائسة في العالم عام 2005 .. فماذا يمكننا أن نقدم من امنيات للعالم في العام الجديد ؟

-         أتمنى الا يزيد الانسان من عذابات اخيه الانسان التي تسببها الكوارث الطبيعية من فياضانات وزلازل وحرائق بأن يضيف عليها كوارث يحدثها زعماء وقادة وعسكريون وارهابيون يشنون الحروب بأسباب ملفقة أو يخطفون الابرياء ليقطعوا رؤوسهم أو يجربون أنواعا جديدة من القنابل على رؤوس الابرياء أو يغتالون خصومهم السياسيين بسيارات ملغمة أو يفجرون أنفسهم في حفل عرس أو في جماعة تصلي ... وغيرها من أعمال العنف والارهاب المبيت المقصود التي نهت عنها جميع الاديان واستهجنها الشرفاء على مر الأزمان .

-         أتمنى أن يعود الامريكيون من العراق الى اسرهم واولادهم ويكف المغامرون السياسيون عن خلط الامور , وينهون الاحتلال الامريكي لبلد لم يهاجم الولايات المتحدة.. في مغامرة سياسية راح ضحيتها أكثر من 100 الف من الابرياء من جميع الاطراف , ويقوموا بالتركيز على الارهابيين الحقيقيين الذين خططوا لقتل الابرياء في الحادي عشر من سبتمبر .

-         أتمنى أن يستمر المجتمع الامريكي في مسيرته الليبرالية العلمانية التي صنعت مجده الحضاري وتفوقه العلمي ولا يتراجع عن مسيرته هذه تحت ضغوط اليمين المسيحي المتشدد الذي يريد خلط الدين بالعلم في مقاعد الدراسة , والتراجع عن الانجازات العلمية الباهرة التي أطلقها عصر النهضة في اوروبا , فالغرب لم يتقدم الا عندما فصل الدين عن الدولة .

-         أتمنى ان يدخل الاخوان المسلمون في مراجعة شديدة للنفس لاختيار الوسطية والاعتدال والبعد عن تاريخهم الملوث بالعنف والاغتيالات حتى ولو كانت تحت دعاوى أنها موجهة ضد ( الخونة ) فمن أعطاهم حق تنصيب أنفسهم قضاة شوارع يحكمون بلا محكمة وينفذون وكأنهم سلطة تنفيذية ؟ الآن وقد أصبحوا داخل البرلمان المصري يمثلون كتلة معارضة رئيسية لعلهم يركزون على القضايا الاساسية التي تعاني منها مصر ولا يكون جل تركيزهم كما كان في الماضي على امور تكشف عداءهم الشديد والرجعي لحرية الفكر والفن والابداع والحرية الاجتماعية ودور المرأة كما تكشف عن اهتمامهم الشديد بمسائل الحلال والحرام وهي مسائل دينية وليست سياسية وليس مجالها البرلمان , وكلها قضايا لن تفيد الناس شيئا حقيقيا ملموسا , مثل طلبات احاطة تقدم بها نواب الاخوان في البرلمان السابق في موضوعات طلب حظر المسابقات التلفزيونية , وطلب تقليص المدارس الاجنبية في مصر , وطلب احاطة لمنع القبلات في الافلام ! ومنع التمائيل العارية والموديلات في كليات الفنون ومنع اغاني نانسي عجرم وغيرها , وقدم الاخوان طلب احاطة عاجل حول مسابقة اختيار اجمل عارضة أزياء في العالم والتي اقيمت في شرم الشيخ معترضين على هذا .. فكيف تفعل مصر هذا وهي دولة اسلامية ؟!

-         والحقيقة ان الاهتمام بهذه الامور كان وما زال هو احد مشكلات الاخوان الرئيسية اذ يكشفون بهذا ليس فقط انهم يسكنون عصرا آخر غير الذي يسكنه العالم كله , ومعظم المصريين , ولكن ايضا يكشفون عن سذاجة سياسية وفكرية كبيرة , فما هذه بالامور التي يتوقف عليها مصير الامم ولا هي بالقضايا التي تصنع بها الشعوب حضاراتها . فهل يمكن شفاء الفكر الديني المتشدد المتزمت لدى الاخوان ليصبح فكرا اكثر معاصرة ونضجا وأكثر تركيزا على الجوانب التي تصنع التفوق العلمي والحضاري بدل تلك التي تركز دائما على هاجس الجنس , وكم بوصة تظهر من جسد المرأة ؟

-         أتمنى لمصر خطوات أكبر وأسرع نحو الديمقراطية الحقيقية واحترام حرية الفرد والفكر والفن , وحقوق المرأة والاقليات ونبذ الحلول الامنية نحو حلول ثقافية واجتماعية واقتصادية ناجعة .

-         وأتمنى لقوات الامن المصرية أن تتدرب تدريبا افضل على استخدام الوسائل الحديثة للتصدي للمتظاهرين والمعتصمين , فلا تضطر للإستعانة بالبلطجية حاملي المطاوي والهراوات لفض المظاهرات أو ترويع الناخبين , ولا تضطر الى قتل خمسة وعشرين من اللاجئين السودانيين عير المسلحين , أتمنى للمسؤولين عن الامن المصري استخدام الوسائل الحديثة مثل الرصاصات المطاطية التي لا تقتل أو اجهزة الصدمات العصبية التي تشل وتسقط ولكن لا تقتل وغيرها من الاساليب حتى لا يقتل الابرياء ولا تشوه سمعة مصر في نشرات الاخبار حول العالم .

-         وأتمنى للتلفزيون المصري ان يستيقظ من سباته العميق ويهرول العاملون به محاولين اللحاق بالعصر , فقد سبقتهم فضائيات لدول حديثة مثل : فضائيات الجزيرة والعربية والــ ART , وما زال التلفزيون المصري يعاني من البيروقراطية والمحسوبية وانتظار الاوامر وفقر المواهب .

-         وأتمنى لسوريا الشقيقة ان تفك اجهزتها الامنية ومجلس شعبها الذي لا يصوت الا بالاجماع والبحث عن قيادات شابة جديدة لشعب يستحق أفضل بكثير مما يحدث باسمه وله .

-         وأخيرا أتمنى أن يحقق الشعب الفلسطيني المجاهد لأكثر من نصف قرن آماله المشروعة في دولة مستقلة ذات سيادة يحظى فيها بالامن والسلام والرخاء مثل بقية شعوب الارض.

ولكن في النهاية لا قيمة لامنيات لا يعمل البشر على تحقيقها بأنفسهم لأنفسهم .. ولا يكمن المستقبل العربي في ايدي أحد آخر سوى الشباب العربي. ومسؤولية الانتقال من الامل الى العمل هي مسئولية كل فرد وكل نظام , وكل حاكم عربي .

فإذا لم ننهض لنبدأ العمل ونحقق الامل فلا علينا أن نلوم سوى أنفسنا .. كل القوى والمؤثرات الخارجية هي "ذرائع " وليست "موانع "

والذرائع لا تصنع حضارات الشعوب .

 

fbasili@gmail.com

 

 للتعليق على هذا الموضوع