5 مارس 2007

 

 

 

 

 

دعاة أم معتدون؟

من أسلمة العصر الى عصرنة الإسلام

فرانسوا باسيلى

 

لم تمر على قيام ثورة الخمينى الإسلامية فى إيران بضعة أشهر حتى بدأ قادتها يعملون على تصدير ثورتهم الى دول الجوار فى الخليج العربى والعراق. وقد عاينت محاولة التصدير هذه شخصيا اذ كنت اعمل مع شركة بكتل الأمريكية فى مشروع الجبيل فى شمال شرق المملكة العربية السعودية. وكان لى زميل مهندس مصرى بارع فى اللغات ، كان يستمع الى اذاعة الثورة الاسلامية ، وقال لى ان الإذاعة الإيرانية تحض الشعوب العربية على الثورة على حكامها واعلان ثورة اسلامية تطيح بهم كما أطاح الايرانيون بالشاه. ووصل الامر ان بعض هذا التحريض كان يحدد للمستمعين ساعة معينة بعد صلاة الجمعة يدعوهم فيها بالصعود فوق اسطح منازلهم للتكبير والتهليل واعلان الثورة الاسلامية. مما ادى فى النهاية الى لجوء دول الخليج - مؤيدة بالولايات المتحة - الى صدام حسين لكى يقوم بدور حامى حمى الخليج والمدافع عن العرب ضد الفرس ، وهكذا اضطر صدام فى النهاية الى الدخول فى حرب ضد ايران دفاعا عن حكمه وعن بقية النظم الحاكمة فى الخليج بالإضافة الى الدفاع عن المصالح الأمريكية الهائلة بالمنطقة. ووقفت الولايات المتحدة بقوة خلف صدام – وأرسلت رامسفلد لمقابلته فى بغداد ووافقت على حصوله على أسلحة دمار شامل كيماوية يستخدمها ضد ايران، وهى نفس الأسلحة التى راحت بعد ذلك بربع قرن تبحث عنها وتؤكد وجودها وتستخدمها ذريعة لاحتلال العراق وملاحقة صدام ثم اعدامه.

 

ومن المهم هنا امام هذا المسلسل الكئيب من التحريض والهجوم والدفاع والحروب والاحتلال، وكل ما صاحب هذه كلها من خراب هائل ودمار شامل وملايين من الضحايا من البسطاء من جميع الاطراف، ملاحظة ان الخطوة العدوانية الأولى التى أدت الى هذه الدومينو الدموية الما تزال تنزف الى اليوم هى تلك الشهوة الآكلة التى دفعت بآيات الله من قادة الثورة الاسلامية فى ايران الى تصدير ثورتهم الى الخارج. وقد قاموا بهذا الفعل العدوانى ضد الآخرين قبل تحقيق اى انجازات داخلية لشعوبهم. فتركيزهم هنا لم يكن على النهوض بالمستوى الانسانى الحضارى الاجتماعى الاقتصادى او حتى الدينى لملايين الايرانيين، وانما تحول التركيز بمجرد نجاح الثورة الى التوسع الخارجى، هذه الشهوة الآكلة فى نشر الدعوة خارج الحدود وفرضها على الآخرين – وهى شهوة تبلغ حد الهوس والمرض معا لأنها غير مبررة ولاتستند على واقع قوى يمنحها شرعية – جلبت على الشعبين الايرانى والعراقى خرابا ودمارا هائلين. ويمكن للانسان العاقل السوى ان يتخيل حال المنطقة كلها اليوم لو كانت الثورة الاسلامية قد تفرغت للنهوض بشعبها وتوفير اسباب الحياة الكريمة له ومكنته من الابداع والخلق والابتكار والعمل الجاد مثل شعوب اخرى فى الهند والصين وكوريا الجنوبية – على سبيل المثال – ولو فعلت لما احتاج العراق لمهاجمة الكويت فى نزاع على موارد آبار النفط بعد افلاس خزينته فى حربه لإيران. ولما وصل الحال الى الدمار الذى نراه اليوم فى هذه المنطقة.

 

هذه الشهوة المهووسة بتصدير رؤية معينة للإسلام وفرضها على الآخرين يحول الداعين من دعاة الى معتدين ويحول جهود قادة العمل الاسلامى من مهمة النهوض باحوال المؤمنين وتحديث وعصرنة الاسلام الى شطحات ومغامرات عدوانية خارجية تريد أسلمة الآخرين وأسلمة العصر.

 

 

دعوة أم عدوان؟

 

الهرولة التى راح آيات الله يندفعون بها بلا مبرر ولامنطق فى تصدير ثورتهم الى دول الجوار ليست ظاهرة ينفرد بها الاسلاميون الايرانيون. اذا نجد نفس الظاهرة قبل ذلك فى الجماعات الاسلامية فى مصر. فهذه الجماعات بلا استثناء لاتكتفى بالدعوة بالتى هى أحسن لمبادئ الدين والحياة الفاضلة الكريمة وانما تبدأ وتنتهى دائما بنفس الشهوة الآكلة فى فرض رؤيتها الدينية على بقية المجتمع بالإكراه وبالعنف اذا لزم الامر . فبعض هذه الجماعات – كالتكفير والهجرة – يكفر المجتمع كله ويصفه بالجاهلية، ومادام المجتمع كافرا فى عرفهم فتستوجب محاربته حتى يعدل عن كفره ويدخل فى الاسلام الصحيح الذى هو اسلامهم وحدهم وبشروطهم هم وحدهم. ولذلك قامت هذه الجماعات بعمليات ارهابية ضد المجتمع القائم ورموزه السياسية والأمنية والدينية ، فاغتالوا الشيخ الذهبى وحاولوا اغتيال نجيب محفوظ  ودخلوا فى صراع عنيف دموى ضد رجال الشرطة المصرية وضد الأقباط وضد السياح وضد اصحاب بعض المحلات والفنادق والملاهى، وطريقهم الى هذا لم يكن الوعظ والارشاد وانما القتل والاغتيال بالرصاص والسكين، فالدعوة قد تحولت على ايديهم الى عدوان، والدعاة صاروا فى حركاتهم معتدين وسفاكى دماء.

 

نلاحظ هنا أنه فى كل مجتمع. بما فيها المجتمع الأمريكى، توجد جماعات تختلف فى رؤيتها الدينية عن الرؤية الدينية السائدة ، وأحيانا تجد هذه الجماعات نفسها غير قادرة على معايشة المجتمع بأفكاره وأساليبه السائدة فتختار ان تنعزل عنه – او تهاجر منه بلغة جماعة التكفير والهجرة – ويحدث هذا فى الولايات المتحدة نفسها، فنجد الكثيرين يكونون نوعا من العيش المشترك فى أماكن نائية يمارسون فيها رؤيتهم الدينية المختلفة التى يرتاحون اليها ، دون محاولة منهم للإعتداء على المجتمع او ممارسة العنف ضد أفراده. ولكن الجماعات الاسلامية المصرية لم تفعل هذا، فهى حتى حينما تهجر المجتمع فهى لاتبتعد عنه الا لكى تدبر فى ليل للتآمر ضده وممارسة العنف والقتل ضد رموزه وضد من تتصورهم اعداء لها. فهذه الجماعات ليس هدفها نشر دعوتها للنهوض بالمؤمنين الذين يشاركونها نفس الرؤية الدينية ، وانما هدفها الاساسى هو نشر الدعوة خارج اطار اتباعها وفرض دعوتها فرضا واكراها على الآخرين، على المجتمع بأكمله حولها، وعلى العالم كله خارجها.

 

ورغم وجود نص صريح ان "لا اكراه فى الدين" فان قادة هذه الجماعات يتجاهلون ذلك تماما ويعتبرون ان من واجبهم الدينى تحويل المجتمع قسرا اذا لزم الامر الى مجتمع اسلامى كامل فاضل بحسب رؤيتهم هم للكمال والفضيلة. فالاكراه والعنف والحرب الدائمة حتى يخضع الآخر "الكافر" ويرضخ ويرضى الدخول فى اسلامهم الصحيح ويرجع عن اسلامه المنحرف هو أسلوبهم الذى ارتضوه وطبقوه ولو كان مخالفا للنص الصريح الذى يحرم الاكراه فى الدين.

وليس صدفة ان شعار الاخوان المسلمين حتى هذه اللحظة هو القرآن والسيف وعبارة "وأعدوا" المأخوذة من الآية القرآنية "وأعدوا لهم مااستطعم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم". وهكذا اختارت هذه الجماعات الاسلامية بمختلف مشاربها ان تحول الدعوة الى عدوان، فهى لاتجد من بين مختلف الآيات التى يحض الكثير منها على الرحمة والتعارف والحسنى والمودة سوى تلك التى تشير للحروب. وكانت جماعة الإخوان المسلمين تطلب من المنضمين اليها ان يقسموا على المصحف ومعه مسدس! وكانت للإخوان جماعة سرية مسلحة جاهزة للعنف قام بعضها بعمليات اغتيال ومحاولات اغتيال مثبوتة تاريخيا.

 

حل دماء البشر

 

من اكثر الظواهر بشاعة ودموية لدى الجماعات الدينية بل ولدى بعض كبار قادتها انفسهم، ظاهرة او فكرة حل دم الآخر سواء كان هذا الاخر فردا ام شعبا كاملا. وهى ظاهرة لانجد لها مثيلا اليوم لدى اية جماعة دينية آخرى . فلا نسمع عن احد آخر يصرح علنا بحل دم شخص او جماعة فى عصرنا هذا سوى ما نسمعه من قيادات لجماعات وحركات اسلامية، بدأت بفتوى الخمينى الشهيرة بحل دم كاتب بريطانى من أصل هندى مسلم بسبب كتاب قيل ان به اهانة للإسلام. الى كتيب اصدره قائد لاحدى الجماعات الاسلامية المصرية يحل فيه دم الاقباط – هكذا بالجملة! ومفهوم هذه الفكرة – حل الدم – هو انه يحل لاى شخص فى اى مكان واية ساعة وبدون الرجوع الى احد آخر ان يقتل المهدور دمه اينما وجده! وهذه الفكرة تعود بلا شك الى ماقبل فكرة الدولة والمدينة. اى الى ماقبل مصر القديمة الفرعونية التى أقامت اول دولة فى التاريخ البشرى. فبقيام الدولة أصبحت هى وحدها المخولة قانونيا بالحكم على انسان بالإعدام والاشراف على تنفيذ هذا الحكم تحت ضوابط صارمة. فالإخلال بهذا النظام الحضارى المدنى بإباحة حق قتل الآخر ومنحه لأى شخص هو عودة الى ماقبل المدينة اى الى الهمجية التى كان يعيش فيها الانسان الاول فى بدائيته ووحشيته. ولكننا نرى قيادات معروفة ومشهورة لحركات اسلامية وثورات اسلامية تنادى وتمارس فكرة حل دم الآخرين وكأننا لم نعرف نظام الدولة بعد!

 

هذا الفكر القادم الينا من ظلمات الماضى السحيق قبل مدنية الانسان وتحضره مايزال يطل برأسه بين وقت وآخر حتى اليوم. وها هو "مفكر" اسلامى مشهور – د. محمد عمارة – يؤلف كتابا تطبعه وتوزعه له وزارة الاوقاف المصرية يقول فيه قول داعية اسلامى كبير آخر هو الغزالى ان النصارى كفار وبالتالى تستحل دماؤهم! والسؤال هو: فى أى عصر يقيم هؤلاء؟

هل حقا تنتمى عقولهم وافكارهم الى زمننا الحالى؟ هل هنالك منطق او لغة او فكر يمكن لنا ان نتفاهم به مع هكذا عقول وافكار؟ فبأى منظور يمكن التفاهم او التحاور مع من يؤمن بفكرة حل دمك او حل دم اى انسان؟

 

الهوس بالآخر

 

نجد لدى هؤلاء "الدعاة" الذين هم فى حقيقتهم "معتدون" – نجد هوسا غريبا بالآخر وليس بالذات. فالدكتور عمارة مهووس بالنصارى وكتابهم المقدس، ولايحلو له الا ان يدبج المقالات التى ينشرها فى جرائد مصر "القومية" ! – اى جرائد الاقباط والمسلمين معا – يتلذذ فيها بالحديث عن تحريف الكتاب المقدس وضلال الذين يتبعون هذا التحريف، وما داموا ضالين فهم مشركون وكفار، وماداموا كفارا فليقاتلهم الله ونقاتلهم معه! حتى وصل به الامر الى كتابه الاخير وفى كل مرة يقدم اعتذارا للأقباط! والسؤال للدكتور عمارة وغيره من الدعاة المعتدين هو: لماذا تشغل بالك كل هذا الانشغال بما يعتقده الاقباط او غيرهم؟ لماذا لاتنشغل بإصلاح حال امتك واهل بيتك؟ الا ترى مدى الفساد الذى استشرى فى مجتمعك حولك فى كل مكان على كافة المستويات؟ الا يؤلمك حال المصرى الفقير المطحون الذى تضطره تكاليف الحياة وطلبات الاولاد ان يساوم نفسه ويغافل ضميره بشكل يومى فيقبل ان يرتشى او يسرق او يكذب او يشهد بالزور او ينهب او ينافق او يبطش ويعذب اخوته البسطاء المطحونين مثله؟

لماذا لاتكتب فى اسباب هذا كله وكيفية معالجته؟ ماهذا الهوس بالنصارى؟ ولماذا عينك على الآخر دائما وليست على نفسك؟ اليس الأحرى بك قبل ان تشير الى القذى فى عين غيرك ان تخرج الخشبة التى فى عينك؟

 

من نفس منطق العدوان على الآخر تحت شعار نشر الدعوة طلع علينا مرة فى قناة الجزيرة احد الاسلاميين المصريين من لندن، بلحية سوداء كثة تصل الى صدره ووجه غاضب محتقن صارخ يبعث الرعب بلا شك فى قلوب الاطفال وراح يصرخ قائلا انه لن يهدأ لهم بال ولن تغمض عين حتى ترتفع راية الاسلام فوق داوونج ستريت والبيت الابيض! والسؤال هنا مرة أخرى: لماذا هذا الجنون والشهوة الآكلة لفرض دينك على الاخرين؟ لماذا تحولون الدعوة الى عدوان؟ اليس الاجدى قبل الاهتمام بفرض دعوتك على الآخرين ان تعمل على رفع مستوى المؤمنين بها أولا؟ اليس أعظم تشريف للأسلام هو ان تحقق الشعوب المسلمة انجازات عظيمة فى المجالات الحضارية المختلفة من اجتماع وقانون واقتصاد وعلوم وطب وتكنولوجيا وحقوق انسان وحرية سياسية؟

الا ترتفع راية الاسلام تلقائيا – بلا حروب ولاصراخ ولاجهاد – لو تحولت الدول العربية الى تايوان اخرى او كوريا جنوبية اخرى او يابان او صين اخرى؟ اليس التقدم الحضارى والعلمى هو القادر على رفعة الأمة ورفعة دينها؟

 

ان الرؤية الدينية التى اصبحت سائدة اليوم فى مصر وغيرها من البلاد العربية قد اصبحت – بسبب نجاح الاخوان المسلمين فى فرض مفهومهم المتزمت الملتبس على الشارع المصرىالعربى – رؤية سلفية لاتفهم العصر ولاتتكلم لغته اذ ماتزال تعيش لغة وفكر قرون غابرة، وهى بالتالى غير قادرة على النهوض بالأمة فى اى مجال من المجالات ، بما فى ذلك المجال الدينى نفسه الذى تركب موجته وتدعى التحدث باسمه وبرسالته.

 

بدلا من تصدير الثورة الاسلامية وفرض الدعوة وتكفير المجتمعات والجماعات والاقليات وهدر

دماء البشر والتعدى على معتقدات الاخرين والهوس بالآخر ومهاجمته وشتمه والانشغال بمحاولة اسلمة الاخرين واسلمة العصر، الاجدى للجميع ان يقوم الدعاة بالعمل على عصرنة الاسلام، فهناك الكثير من المفاهيم السائدة تستحق التحديث. وهو ما قام به المصلحون فى اديان اخرى كاليهودية والمسيحية بدءا من حركة الاصلاح الدينى والى اليوم، حتى استطاعت المجتمعات الغربية ان تصل الى معادلة دقيقة باهرة، امكن فيها للمواطنيين التمتع بحرية العبادة،

بينما اعترف الجميع بأهمية ابتعاد رجال الدين عن الحكم والسياسة ، وعندها فقط تحررت طاقات الانسان الغربى بشكل مذهل وراح يبدع فى كل مجال حتى اقام حضارة مذهلة الأبعاد حيث للانسان كرامة وحرية لم يعرف لها التاريخ مثيلا.

 

نريد دعاة لامعتدين يفيدون امتهم بأن يكفوا عن محاولات أسلمة العصر ويجتهدوا فى محاولات عصرنة الاسلام.

fbasili@gmail.com

 

  للتعلبق على الموضوع