15 سبتمبر 2005

 

 أربع سنوات على الحدث الزلزال:

 

هل تعلّم أحد شيئاً من 11 سبتمبر؟

فرانسوا باسيلى

 

 

ما زال العالم يعانى من تداعيات الحدث الأخطر منذ مطلع القرن الحادى والعشرين والذى يعرف الآن بالحادى عشر من سبتمبر ، أو " ناين إليفين " فالحرب القائمة اليوم فى العراق وأحواله المتردية البائسة هى إحدى تداعيات ذلك الحدث ، والأوضاع القلقة المخلخلة فى نظم الدول العربية واحتمالات حروب أو قلاقل أو انقلابات واردة وممكنة الحدوث فى أية لحظة ، والأوضاع القلقة فى أوربا بعد عدة أعمال إرهابية فى مدريد ولندن ,وما تبعها من سياسات أمنية جديدة مازالت تحت الدراسة ,تدل كلها على أن تداعيات ذلك الحدث الإرهابي الأكبر الذي أسفر عن سقوط البرجين في نيويورك وضربة البنتاجون في العاصمة الأمريكية واشنطن لم تكتمل بعد وما تزال تفرز تفجيراتها السياسية والأمنية فى كثير من دول العالم.

 

والسؤال المفيد هنا هو: هل تعلم أحد شيئاً من دروس الحادى عشر من سبتمبر ؟

تقول مقولة شهيرة أن الذين لا يتعلمون من التاريخ محكوم عليهم بتكرار مآسيه .

فهل تعلمت الأطراف المختلفة أى شيئ من ذلك الحدث التاريخى بما يمكنهم من عدم تكرار مآسى ذلك اليوم وتداعياته الدموية ؟ وما هى الدروس التى من المفروض على هذه الأطراف تعلمها واستيعابها ؟

إن هناك ثلاث فئات من البشر ,فئة قابلة للتعلم من دروسها الحياتية بشكل سريع, تجدها تستخلص الدروس من كل تجربة وتجرى تعديلات فى أساليب عملها وتفكيرها لتحقق النجاح الأكبر مستقبلاً, وفئة ثانية قابلة للتعلم ولكنها تستخلص الدرس الخطأ من كل تجربة بسبب خضوع رؤيتها لنوع من العمى العقائدى الذى يجعلها ترى فقط ما يدعم معتقداتها وأيديولوجيتها المسبقة وبالتالي يجيء تحليلها لتجاربها قاصراً ومخلاً, فستنتج دروساً لم تفرزها التجربة الواقعية . وبذلك تكون عرضة لتكرار أخطائها بحذافيرها أو بشكل مشابه كل مرة , ومن هؤلاء القيادة العراقية التي كان على رأسها صدام حسين والتي لم تتعلم سوى الدروس الخطأ من التجربة الناصرية فى مصر ومن تجاربها هي نفسها فى الحرب مع إيران ثم مع الكويت ثم مع العالم كله الذى أجبرها على الخروج من الكويت.. نهاية بسقوطها أمام الغزو الأمريكى البريطانى الأخير وانهيار النظام .

والفئة الثالثة فئة غير قابلة لأن تتعلم من دروس تجاربها التاريخية على الإطلاق وذلك لتواجد هذه الفئة فى عالم آخر خارج الجغرافيا والتاريخ المتعارف عليهما من بقية البشر, فهى فئة تسكن زمناً آخر وأرضاً أخرى في عالم هلامى متوهم مصنوع من بنات الأحلام وخيوط الأوهام ولا وجود له سوى فى مخيلة هذه الفئة التي قد يبدو أنها تدب على الأرض مثل بقية البشر إلا أنها فى واقع الأمر تعيش بمقتضى تصوراتها وأوهامها وحالتها العقلية ومزاجها الوجداني وثقافتها البيئية بأكملها فى ذلك العالم الآخر البديل المتوهم. وينتمى إلى هذه الفئة الكثيرون من الشباب المتطرف دينياً الذى يعيش فى عالم من الأصولية الدينية المتشددة المنغلقة على ذاتها المتواجدة فقط فى الغيبيات وفى الماضى التليد وليس لها تواجد مجسد موضوعى فى اللحظة الحاضرة إلا باعتبارها مروقاً على الماضى يستوجب اقتناصها وإعادتها قسراً لكى تتلبس الماضى التليد شكلاً وزماناً وموضوعاً. وهؤلاء تراهم يرتدون ملابس السلف ويربون أجسامهم على شكل ومنهج السلف ويفكرون بعقل السلف ويأكلون مأكل السلف ويتوالدون بأسلوب السلف ويموتون موت السلف. وينطبق هذا على الأصوليين الإسلاميين وكذلك الأصوليين اليهود في فلسطين. ويساعدنا هذا التقسيم الثلاثى للفئات البشرية على تفهم مواقفها من الدروس المتاحة من "ناين إليفين" وكذلك على استقراء توجهاتها المستقبلية القريبة والبعيدة .

المتطرفون الإسلاميون

المتطرفون الإسلاميون هم صانعو عملية الحادى عشر من سبتمبر تدبيراً وتنفيذاً . والذين قاموا بتنفيذ عمليات سبتمبر لم يتركوا ورائهم ما يشرح أسباب قيامهم بهذا العمل ولا مفهومهم له وهدفهم منه ولا مطالبهم أو شكواهم أو تظلماتهم.. فلم يهتم أحد منهم بكتابة بيان أو رسالة: مما يفسر بأن هذه العملية كانت هى هدفاً فى حد ذاتها أى أن الهدف هو إحداث قدر هائل من القتل والتدمير دون هدف سياسيى لاحق يريد تحقيقه. وهو تفسير محتمل حيث أن المزاج المتطرف بشكل عام هو مزاج تكتيكى وليس استراتيجياً فالمتطرف ينظر فقط للفعل الذى يقوم به الذى هو أقرب إلى الانفعال الغريزى الذى يطلب التنفيس عن الكراهية والحقد ويريد الانتقام والتشفى دون أن يفكر في رد الفعل أو الخطوة التالية سواء من قبله أو من قبل عدوه. وهذا ما نلاحظه فى الصراع الفلسطينى الإسرائيلى على مدى ربع القرن الماضى حيث تتصارع الأصوليتان الإسلامية واليهودية فى شكل عمليات لحظية انفعالية انتقامية من كل طرف ضد الآخر دون قدرة على التوصل إلى ابتكار رؤية استراتيجية تقدم حلاً شاملاً بعيد المدى .

وعلى هذا فليس من المتوقع أن يكون المتطرفون الإسلاميون الذين دبروا أو نفذوا أو ساندوا عمليات سبتمبر قد استخلصوا منها أى دروس فالمرء مثلهم لا يطلب دروساً من مشاعره الانتقامية الراغبة فى التشفى البحت وبالتالى فالتداعيات الواقعة بأضرارها على المسلمين أنفسهم سواء فى العراق أو فى البلاد العربية أو الولايات المتحدة لا تشغل بال هؤلاء ولم تكن ولن تكون فى حساباتهم لأنهم بالأصل لا ينشغلون بالحساب الأرضى تحت توهمهم أنهم يعيشون فقط من أجل الحساب والعقاب الإلهى الأخير.

 أما إذا أردنا أن نقوم نحن بحساب الربح والخسارة لحركات التطرف الإسلامى التى باركت عملية سبتمبر فالمرجح أن يكون فائض الخسارة أكبر بكثير من فائض الربح فقد تم احتلال وتدمير دولة عربية أساسية كانت هى إحدى عواصم الخلافة الإسلامية فى عصرها الذهبى (الدولة العباسية) وتدل المؤشرات أن مستقبل العراق لن يخلو من احتمالات التقسيم أو الحروب الأهلية أو قيام دولة دينية شيعية تابعة لإيران وهذه كلها ليست سوى خسارة لحركات الإسلام السنى. كما أن أوضاع الجاليات الإسلامية فى أوربا وأمريكا ستكون هى أيضاً خسارة لتداعيات سبتمبر.

لم تحقق عمليات سبتمبر إذن سوى خسائر باهظة للمسلمين دولاً وجاليات وشعوباً ولم تحقق سوى لحظة تشفى وانتقام ونشوة صبيانية مراهقة تروى غليل أصحابها لبرهة قصيرة، نشوة مراهقة لأنها انفعالية ولحظية تعتمد على التشفى فى ضرب الغرب فى أهم رموز حضارته ومراكزها المالية والسياسية والعسكرية لا تفرق بين مدنيين وعسكريين ولا تقدم مطالب سياسية محددة.. فما جاء على لسان زعماء القاعدة بعد ذلك  لم يكن سوى إقحام لقضايا عربية فى عملية سبتمبر التى لم تكن مرتبطة بهذه القضايا فى الأساس. وإذا كانت حركات التطرف الإسلامى تطمح حقاً فى الانتصار على الحضارة الغربية فليس من سبيل أمامها سوى تحقيق التفوق النوعى على هذه الحضارة فى جميع مجالاتها كما تحاول أن تفعل اليوم الصين مثلاً فهذه هى أدوات الصراع الحقيقى الاستراتيجى طويل الأمد.. ولكن هذا صراع يعرف المتطرفون الإسلاميون أنهم لا يملكون أدواته وليسوا قادرين عليه لذا يختارون طريق التخريب الأسهل يزرع قنبلة هنا وهناك وبهذا ينتشون لحظياً ويخسرون مستقبلياً .

الولايات المتحدة

ما هى الدروس التي يمكن للولايات المتحدة استخلاصها من "ناين إليفين" ؟

إذا تأملنا كيف استحوذت الولايات المتحدة على تعاطف ومؤازرة وتأييد العالم أجمع حكومة وشعوباً بعد ضربة سبتمبر إلى حد خروج الآلاف من الشباب الإيرانيين في طهران تأييداً لها وشجباً للإرهاب.. ثم كيف تحول كل هذا التعاطف العالمى إلى سخط وغضب عنيف مع إعلان الولايات المتحدة نيتها فى شن الحرب على العراق وكيف خرج الملايين من المواطنين فى مختلف أنحاء العالم ضد الحرب لأمكننا أن نستخلص الدرس الأول وهو أنه يمكن للدول أن تربح عالمياً بشكل كبير عندما تكون فى موقف الحق والعدل وفى موقف الإنسانية النبيلة الجريحة ..

فحتى عندما هاجمت الإدارة الأمريكية أفغانستان كان التأييد العالمي ما يزال قوياً إذ يمكن للجميع تفهم قيام دولة للدفاع عن نفسها ضد دولة أخرى منحت أراضيها لجماعة القاعدة للتدريب على أعمال الإرهاب التى أسفرت عن عمليات سبتمبر. فإلى هنا كان التصرف الأمريكى مشروعاً باعتباره دفاعاً عن النفس. وعندما بدأت الإدارة الأمريكية تضع عينها على العراق الذى لم يقم بمهاجمتها بدأت فى فقدان التعاطف والتأييد العالمي دولاً وشعوباً.. وراحت الإدارة الأمريكية تتصرف بكثير من الصلف والتعنت مفتعلة صداماً مع دولة لا تهددها مختلقة أسباباً رأى معظم البشر أنها ملفقة. واندفعت فى حرب راحت تطلق عليها أوصاف الغزل الأرعن مثل عملية "الصدمة والترويع" وكأن هؤلاء الذين ستصدمهم وتروعهم بالقنابل الهائلة التي راحت تمطر بغداد بجنون ليسوا بشراً أبرياء بينهم النساء والأطفال والكهول. ولم تستطع الجماهير العريضة في معظم دول العالم مساندة حرب تراها جائرة لا تستند إلى شرعية ولا إلى موقف أخلاقي رفيع كان هو المنتظر من دولة فى مكانة الولايات المتحدة.. وهكذا أهدرت الإدارة الأمريكية فرصة تاريخية كانت رهن أيديها لتكوين تحالف عالمي حقيقي من كافة الحكومات والشعوب ضد التطرف والإرهاب. وبدلاً من ذلك انزلقت إلى تصرفات تفتقد الشرعية فأشعلت حرباً راح ضحيتها إلى اليوم أكثر من مائة ألف إنسان . فالدرس الأساسي هنا أنك لا تأخذ أمر الحرب بذلك الاستخفاف والهرولة والغطرسة التي أخذها بها المحافظون الجدد بل عليك الالتزام الصارم بالشرعية وبالأسس الأخلاقية التى تملى عليك التحقق من الجناة والتأكد من الأدلة وعدم اختلاق المبررات.

 هذا من الناحية الشرعية الأخلاقية أما من الناحية العملية المجردة فيمكن استخلاص الدرس الذى استوعبه الرئيس جورج الأب من حربه الأولى ضد صدام والتى انتهت بالنجاح فى تحقيق هدفها من إخراجه من الكويت .  فقد قال بوش الأب أنه قبل أن تشعل حرباً عليك أن تعرف ثلاثة أشياء: ما هو الهدف الذى تريد تحقيقه والذى بتحقيقه تعرف أنك انتصرت, ثم كيف ستبدأ الحرب, ثم كيف ستنهى الحرب . أما فى حالة بوش الابن, فقد كان يعرف واحداً فقط من هذه الثلاثية وهو كيف يبدأ الحرب, فهذه خططوا لها جيداً ونجحوا فيها بسهولة . أما كيف ينهى الحرب وماذا يحققون منها فلم تكن هذه واضحة لأحد . وأقدموا على الحرب دون معرفة الأمرين الآخرين بشكل واضح ومحدد , فكانت النتيجة ما نراه اليوم من وضع مأساوى للإدارة الأمريكية التى تبحث الآن عن مخرج من هذا المأزق فلا تكاد تجد مخرجاً واحداً معقولاً.

ولكن مهما كانت النتيجة فى العراق , وحتى لو أدت إلى تراجع مهين للإدارة الأمريكية فإن هذا لا يعنى بالضرورة هزيمة أمريكية طويلة الأمد ,فمن مزايا النظام الديمقراطى الأمريكى انه يفرض التغيير الشامل فى الماسكين بكافة شئون الحكم كل أربع أو ثماني سنوات على الأكثر.. وبالتالي يمكن أن تأتى أداره جديدة تكون أكثر قدره على استيعاب الدروس الحقيقية وإجراء التعديلات الضرورية فى السياسة الأمريكية لضمان أداء أفضل , وهذا ما حدث بعد حرب فيتنام التى راح فيها عشرات الأضعاف مقارنة للخسائر الأمريكية فى حرب العراق ,ورأينا كيف استطاعت الإدارات  الأمريكية المتعاقبة أن تتجاوز أخطاء حرب فيتنام وتخرج فى النهاية منتصرة على عدوها الاتحاد السوفيتى وتقضى ليس فقط على المد الشيوعى الذى كانت تريد إيقافه فى فيتنام بل على الشيوعية نفسها كأيديولوجية وكنظام وكدوله . فأنهار الاتحاد السوفيتى بكاملة على نفسه. وعلى هذا فحتى لو انتهت حرب واحتلال العراق إلى كارثة تحتسب خسارة للولايات المتحدة فليس معنى هذا سوى خسارة معركة واحدة ,والمنتظر أن يسمح النظام الديمقراطى الأمريكى باستيعاب هذه الخسارة والاستفادة من دروسها العميقة وتوظيف هذه الدروس فى ابتكار أساليب أكثر فعالية للتعامل مع الإرهاب ومع الدول الأخرى والشعوب فى العالم كله .

الشرق الأوسط والعالم

أما الدرس الآخر الهام جداً الذى على دول المنطقة استيعابه فهو حقيقة أن محاربة الإرهاب لا تكون بالسلاح الأمنى وحده , وإنما يجب أن تكون مواجهة شامله ذات أبعاد أمنيه وثقافية  وسياسية واجتماعيه , ورغم أن الحرب ليست هى الأسلوب الناجح لإدخال الديمقراطية إلى دول المنطقة ,فمازال احد الدروس المستفاد ه من ضربات سبتمبر هو أن الأنظمة الاستبدادية والمجتمعات الفاشلة فى المنطقة العربية هى ارض خصبة لانتشار الفكر الدينى المتطرف ولذلك فلا مناص من تشجيع الديمقراطية على المدى الطويل ,مع الاهتمام بالتعليم العصرى الحقيقى للأجيال الصاعدة , فهكذا يمكن استقطاب الشباب الحائر الضائع المحبط ومنحه فرصة صناعة حياته ومجتمعاته , هذا داخلياً , أما خارجياً فلابد من عدم التردد فى حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً شاملاً دون أساليب المماطلة الإسرائيلية ودون الخضوع للفكر الأصولى  اليهودى الذى يريد الأرض التى يسكنها ملايين الفلسطينيين تحت دعاوى أصولية دينيه صرفة .

. . . . . . . . . . . . .

هذه هى دروس الحادى عشر من سبتمبر

فهل سيتعلم احد شيئاً بعد مرور أربع سنوات على الحدث ..

أم نحتاج إلى سنوات إضافية من الموت والخراب والإرهاب ؟

fbasili@gmail.com

 

           

للتعليق على هذا الموضوع