8 سبتمبر 2006

 

 

 

 

 

 

غابت مصر فلعبت ايران:
هل تصبح إيران زعيمة العالم العربى؟

فرانسوا باسيلي

 

التأييد والإعجاب الجارف بحزب الله وزعيمه السيد حسن نصر الله الذى تضاعف خلال الحرب الاخيرة مع اسرائيل والذى اكتسح الشارع العربى من المحيط للخليج – من ناحية – والتعاطف والتأييد من نفس الشارع العربى لمعركة ايران المستمرة مع الادارة الامريكية أساسا حول مشروع ايران النووى ومايثيره هذا المشروع فى مخيلة الشارع العربى المحبط الذى طالت سنوات انكساره النفسى تحت وطئة هزائمه امام اعدائه الخارجيين – من الغزاة – والداخليين – من الطغاة معاً أصبح يستدعى صعود سؤال لعله اغرب الاسئلة التى لم تكن تخطر على بال احد وهو : هل يمكن ان تصبح ايران قائدة للعالم العربى؟

 

ان بوادر امكانية هذه الزعامة الغريبة من قبل دولة غير عربية كإيران بينها وبين العرب الى عهد قريب حروب هائلة التكاليف (الحرب الايرانية العراقية التى كانت دول الخليج كلها تقف فيها خلف العراق خوفاً من النفوذ الايرانى والتهديدات بتصدير الثورة الاسلامية الخمينية) كانت قد بدأت رياحها تتجمع فى الافق العربى منذ سنوات ، ثم تزايدت بسرعة مطردة فى السنوات القليلة الماضية ، فى شكل يجمع بين التشكك الخجل وعدم التصديق من قبل شعوب وجماعات سياسية عربية تعودت على ان تنظر الى الفرس باعتبارهم اعداء تاريخيين ، ولم تنظر اليهم يوما على انهم اصدقاء ، فكيف يمكن تصور وضع تكون فيه ايران موضع اعجاب وفخر من قبل الجماهير العربية ، حتى يصل الامر الى امكانية قبول ايران ليس فقط كدولة صديقة للعرب بل كدولة قائدة لهم!

 

ولكن الدلائل الواضحة على الساحة السياسية والدينية والعاطفية للشعوب العربية اليوم تكاد ان تفقأ اعين كل المحدقين المتأملين فى هذه الساحة بذلك الخيال المتراقص لصورة هذه الزعامة القادمة وهى تكتسب ارضاً اوسع يوما بعد يوم لتصبح صورة مقبولة بل مرغوبة من قبل المزيد من الجماهير العربية المتضورة جوعا لاى بادرة من بوادر الزعامة والقيادة الجريئة القادرة على تحقيق ولو بعض الانتصارات المتواضعة امام من تراهم هذه الجماهير فى صورة اعداء شيطانيين يملكون ترسانات هائلة من اسلحة القوة والتدمير والسيطرة يقومون بها على مدى اكثر من نصف قرن باذلال هذه الشعوب وسحق كرامتها فى التراب.

انهم لهذا مستعدون لان يتبعوا اى قائد ، ولو لم يكن مسلماً سنياً مثلهم ولكن شيعياً من "الرافضة" مادام سيعيد لهم ببعض مواقفه، وافعاله، بعض الذى فقدوه من الكرامة المهدرة والانسانية المسحوقة .

 

ومن عندها يمكن ان يلومهم فى هذا او يرى فى تصرفهم هذا امرا غريبا مستهجناً؟!

 

ولذلك كان طبيعيا وانسانيا جدا – ان يثور المصلون بأحد جوامع مدينة الاسكندرية فى وجه امام المسجد عندما بدأ يعظهم فى خطبة الجمعة بالا يؤيدوا حزب الله وزعيمه حسن نصر الله لان هؤلاء من الشيعة وليسوا من السنة . لقد هاج عليه المصلون السنة لانه يريد حرمانهم من بريق الامل فى زعامة جديدة تستطيع ان تتكلم ببعض الشجاعة وبعض الكبرياء ، وتستطيع ان تؤكد كلامها بالفعل وتستطيع ان تتصدى لهؤلاء "الشياطين" الذين يعيثون فى حياتهم بل وفى داخل بيوتهم فسادا وقتلا وتدميرا بلا رادع ولا مجير . هذا هو مالم يفهمه امام المسجد المسكين!

 

مصر وايران

 

منذ سقوط الخلافة الاسلامية العثمانية فى مطلع القرن الماضى وانحسار تواجدها فى العالم العربى ، كان من الطبيعى ان تصبح مصر بثقلها التاريخى والجغرافى والبشرى والحضارى هى المؤهلة لملأ الفراغ الناجم ، وقد قامت مصر بدورها هذا بجدارة طوال ثلثى القرن العشرين وحتى عبورها لخط برليف فى حرب العبور الباهرة عام 73 . الى ان اخرج السادات مصر من موقعها الريادى العربى بمعاهدة كامب ديفيد ثم استمر دور مصر بعد ذلك فى التقوقع والضمور حتى يمكن القول اليوم ان مصر قد فقدت دورها القيادى فى العالم العربى منذ عشر سنوات على الاقل. وأتحدث هنا ليس فقط عن القيادة السياسية ولكن أيضا عن القيادة فى كافة مناحيها من اقتصادية الى ثقافية الى اعلامية الى اخلاقية . و الواقع ان كافة القوى الفاعلة فى مصر اليوم تعترف بهذا الامر الجلل المحزن باستثناء مجموعة قليلة فى قيادة الحزب الحاكم . وموقفها مفهوم بحكم موقعها ومصالحها .

 

وقد كانت إيران دائما فى موقع الجار القوى الحاسد أحيانا الطامع أحيانا المتأمر أحيانا أخرى و هى تنظر بغيرة الى تللك المساحة الشاسعة المجاورة لها الممتلئة بالشعوب المسلمة مثلها المختلفة طائفيا عنها  والتى كانت تلعب دور الزعامة فيها دولتان هما السعودية استنادا الىمكانتها الديانية ثم لاحقا الى ثروتها الهائلة . ومصر استنادا الى ثقلها الحضارى و البشرى ثم فى العهد الناصرى الى قيادتها الثورية لحركة التحرر العربى و العالمى . و لم تكن لإيران كونها فارسية و ليست عربية و شيعية وليست سنية ان تنافس على هذه الزعامة العربية . ولذلك تراوحت مواقفها بين محاولة التقرب من مصر فى العهد الملكى – حيث ذات يوم تزوج شاه ايران من الاميرة فوزية شقيقة ملك مصر فاروق الاول ومحاولة التصدى لمصر فى المنطقة خلال فترة المد الناصرى حيث وقف الشاه فى المعسكر الامريكى حليفا لاسرائيل إذ وجدفى هذا الموقع إمكانية ضرب مصر و التى كانت تشكل ثوريتها خطرا على نظامه الامبراطورى .

 

كانت عين إيران دائما على مصر . و عين مصر على ايران. وهما الدولتان الكبيرتان فى المنطقة العربية باسرها. و لكن الثورة المصرية استاعطت بجاذبيتها الفذة أن تستولى على مشاعر الجماهرية العربية بشكل توارى معه وجود إيران التى كانت تمثل فى تلك الفترة جزءا من تحالف أعداء الامة .

 

وحينما قامت الثورة الاسلامية الخمينية فى ايران  انقلبت المواضع واصبحت إيران هى الدولة الثورية التى تهدد بتصدير ثورتها الى كافة المنطقة العربية بما فيها مصر . وكانت تلك الثورة هى بداية تحول أنظار ومهج القطاعات الدينية فى مصر و العالم العربى نحو إيران فى نوع من التعاطف المبدئى . فقد تحولت إيران مع هذه الثورة من إحدى دعائم التحالف الامريكى الاسرائيلى فى المنطقة الى اهم مناوئية . ولكن ايران بسبب نزعة ثورتها الى تصدير نموذجها الى الدول المجاورة  تحولت الى خطر على الانظمة و الشعوب العربية معا . واستطاع صدام حسين أن يكسب تاييدا عربيا باعتباره حامى البوابة العربية من الخطر الفارسي .

 

 

أمريكا و ايران

 

 

أدت الحرب الامريكية المدمرة للعراق الى تقديم أعظم هدية الى ايران . إذ قامت بضرب عدوها اللدود الذى حاربها طوال الثمانيات إذ قدمت  لايران مكاسب فى ثلاث سنوات ما كانت تحلم بتحقيقها فى عقود كاملة ولا استطاعت تحقيقها حتى فى عهد الشاة وهو فى أوج قوته وسطوته. وبهذا تعاظم فجاة دور إيران فى الشان العراقى فيما تخلصت من أعباء مجابهة عدوها التاريخى العراق.

 

فى نفس الوقت وعلى مدى ربع القرن الاخير كانت السياسة الامريكية المنحازة تماما الى اسرائيل المناصرة لها فى احتلالها غير القانونى غير الاخلاقى للضفة و قطاع غزة وممارساتها المتوحشة ضد الفلسطينين محولة حياتهم الىجحيم استنادا الى بطش القوة المسلحة وحدها بسلاح امريكي - كانت هذه السياسة تقدم للشعوب العربية عاما بعد عام ثم يوما بعد يوم الدلائل الواضحة على ان اسرائيل - مستقوية بامريكا - قد اصحبت وحشا يلغ فى دم ضحاياه من الفلسطينين كل يوم دون رادع من احد .

 

وهكذا قدمت السياسة الامريكية الخرقاء هدية أخرى لايران بتعزيزها لمشاعر لشعوب الفلسطينية ومناصريها بالحاجة الى التحالف مع قوة تقوم بردع هذا الوحش الهائج . ومع خروج مصر من الساحة وتخليها عن دورها القيادى العربى الذى لعبته دائما طوال ثلاثة أرباع القرن الماضى أصبح هناك فراغ موحش فى العالم العربى لم يكن ممكنا له ان يستمر طويلا دون دخول من يملاه .

 

ومن هنا كان طبيعيا أن تكون إيران هى هذا القائد المتقدم نحو فراغ العالم العربى لكى يمسك بزمام قيادته واداره دفته.

 

لقد كان لكل من مصر وامريكا إذن دور أساس فى تعظيم دور ايران فى شرق اوسط جديد تتهيأ ايران لكى ترسمه على هواها وليس على الهوى الامريكى الذى كان يتخيله. لقد انقلب السحر على الساحر واصبح الجميع فى العالم العربى - باستثناء اصوات قليلة متخوفة من صعود المد الدينى الاسلامى والنفوذ الايرانى – يتشوقون الى شرق اوسط جديد تقوده ايران كزعيمه للعالم العربى – اكتسبت مشروعية زعامتها بمواقفها المقاومة للتوحش الاسرائيلى وللسياسة الامريكية المساندة له.

 

يمكن القول بأن مصر وامريكا هما المسئولتان عن صنع وتعزيز وتعظيم ايران ، مصر بتطوعها عبر العقديين الماضيين بالتخلى عن دورها القيادى العربى وقناعتها بدور الوسيط بين الأطراف المتنازعة! وأمريكا باتباعها سياسة بالغة التحيز فى الصراع العربى الاسرائيلى وتجاهلها بشكل لاانسانى للحقوق الفلسطينية والأعتداءات الاسرائيلية المتواصلة. ثم بحربها فى العراق التى حطمت دولة كانت تقف لايران بالمرصاد فى الوقت الذى فشلت فيه الادارة الامريكية فى خلق عراق جديد بديل كما كانت تحلم فى رومانتيكية هى اقرب الى احلام المراهقين منها الى خطط السياسيين الحكماء.

 

ومالم تغير الادارة الامريكية الحالية والقادمة بعد سنتين من سياستها الفاشلة المنحازة للعدوان ضد الحقوق المشروعة للشعوب.. ومالم تستيقظ مصر من غيبوبة دور الوسيط لتستعيد دورها القيادى بالمنطقة ، فان كل البوادر تشير الى ان ايران قادمة لتصبح قائدة للعالم العربى ، برضا ورغبة الشعوب العربية التى لم تعد ترى فى حكامها زعامة حقيقية تدافع عن مصالحها وعن وجودها وعن حقوقها امام الغزاة من الخارج فيما هى تجلس فوق مجتمعات فاشلة فاسدة مريضة بالعاهات والسرطانات من الداخل .

fbasili@gmail.com

 

 

 

 للتعليق على الموضوع