16 يناير 2007

 

 

 

 

 

بعد سكون زوبعة وزير الثقافة المصرى

جسد المرأة وشرف الرجل: الحجاب فضيلة أم وسيلة؟

فرانسوا باسيلي*

 

الآن وقد هدأت الزوبعة التى أثارها وزير الثقافة المصرى بتصريحه ان الحجاب عودة الى الوراء وان شعر المراة كالورود الممتعة للنظر، واشتعلت على اثرها ردود فعل متشنجة فى مجلس الشعب المصرى قام فيها نواب الحزب الوطنى الحاكم بالمزايدة على نواب جماعة الاخوان المسلمين "المحظورة" ! فى سباق لإثبات من الأكثر ورعا واشد ايمانا وتقوى، بما فى ذلك صرخات تعلن ان "الشعب المصرى كله مسلمين" ! ماحين بذلك من الوجود عشرة ملايين مواطن قبطى، دون ان يقوم رئيس مجلس الشعب الموقر بالتدخل للتصحيح او التعقيب حتى لايعلو صوته على صوت حفلة الزار المنتصبة فى الشارع المصرى المهتاج دينيا منذ ثلث قرن!

 

الآن وقد سكن غبار هذه الزوبعة دون الوصول الى اية نتيجة، على عادة كل الزوابع التى تثار فى مصر بعد الحين والحين فتحتقن من اجلها الوجوه وتتعالى صيحات الاتهام ثم يمضى كل الى طريقه دون اتخاذ اى عمل او سن قانون او تعديل وضع وهى عادة المجتمعات الصوتية التى تتكلم ولاتفعل، يمكننا ان نتأمل فى هدوء ليس فقط فى الفكر الصانع لهذه الزوبعة ولكن فى الثقافة التى تقف وراء كافة ابعاد المنزلق الحضارى الذى يعانى منه المجتمع المصرى – والعربى – اليوم.

 

فى هذا الاطار اطرح الملاحظات والافكار التالية:

 

الطريق الى الله

 

فى نفس اللحظة التى كانت فيها مصر بأوساطها السياسية والدينية والثقافية والاعلامية منهمكة على مدى حوالى شهر كامل فى معركة الحجاب- فى احتشاد عظيم للآيات المؤيدة والاخرى المعارضة وفى كر وفر وتهديد ووعيد يصل دائما فى المعارك الدينية الى حد التكفير وما يصحبه من حل للدم وتهديد للحياة.. فى نفس تلك اللحظة كانت مركبة الفضاء الامريكية الجديدة تنطلق من قاعدة كاب كانافريل بولاية فلوريدا تحمل عددا من رواد الفضاء الذين ما ان افلتوا من جاذبية الارض حتى وصلوا الى محطة الفضاء الدائمة السابحة فى الفلك فخرجوا من مركبتهم الفضائية وراحوا يقومون بأعمال الصيانة والتجديد والاصلاح لآجهزة وكابلات المحطة لكى تزداد قدرتها على اداء مهامها من رصد للكواكب ومتابعة لحركة الافلاك والبحث عن اسرار الكون والحياة.

 

ومادامت الحياة المصرية والعربية قد أصبحت فى حالة انجذاب دينى مستمر بشكل خرج عن الطبيعى والسوى وأصبح حالة من المرض النفسى- اجتماعى الذى يستوجب الفحص والعلاج فدعنا نسأل سؤالا دينيا اذن: ايهما اكثر اقترابا من الخالق عز وجل: الجالسون على كراسيهم فى حجرات فاسدة الهواء وعلى مقاهى مفتوحة طوال الليل والنهار يتجادلون حول مساحة مايجب ان يغطى ويظهر من شعر المرأة او وجهها او جسدها – وهو نفس الجدال الذى كان اجدادهم ينشغلون به فى مصر منذ قرن من الزمان – ام الآخرون الفالتون من الجاذبية الارضية المنطلقون فى الفضاء الكونى الهائل يشيدون به محطات دائمة ويستكشفون به اسرار الكون وقوانين وجوده وحكمة خالقه فيه، ثم يعودون الى الارض لمواصلة المغامرة الانسانية لابتكار حضارة تتجدد وتتقدم كل يوم؟

 

هل يمكن ان يتصور احد ان الخالق العظيم سيسعد اكثر بؤلائك الخاملين الفارغين الا من الكلام والضجيج والتهديد والوعيد مهما راحوا يسجدون له ويرددون صلوات لاتثمر شيئا فى حياتهم ولاتتحول الى سلوك جاد جميل بهى ولا الى عمل مفيد للإنسان فيرضى بذلك الله؟

 

ان الفهم الطفولى للدين ومايطلبه الله من الانسان- وهو الفهم السائد فى الثقافة العربية اليوم- قد جرد الدين من أجمل معانيه وأنبل مقاصده.. وحوله – على ايدى دعاة وامراء جماعات وشيوخ جلهم غير متعلم – الى سلسلة لاتنتهى من العبادات والطقوس والاوامر والنواهى والفتاوى التى تطال ادق تفاصيل الحياة اليومية، والتى يتحول فيها الانسان الى "عبد" ذليل ليس عليه سوى الطاعة العمياء. فعليه قبل ان يدخل من باب ان يستفتى شيخه ان كان من الحلال ان يخطو بقدمه اليمنى ام اليسرى! ان الفكر الأصولى يريد تحويل العربى المسلم - تحت نير الثقافة الدينية اللغوية السلطوية السائدة - الى انسان مخصى العقل، لايملك ان يفكر فى اى امر من امور حياته، فالشيخ وحده هو من يحل ويربط له، فكيف لانسان كهذا فى حالة العبودية العقلية والتبعية الشخصية هذه ان يبدع او ينجز او يبتكر او يخترق حواجز المتداول المتعارف عليه لكى يحقق السبق والفوز فى اى مجال من مجالات الحياة؟

 

متى نصل الى ادراك ان البحث العلمى هو انبل صلاة يمكن ان يرفعها انسان، وان المعادلات والرياضيات هى اجمل الآيات.

 

جسد المرأة وشرف الرجل

 

قبل زوبعة الحجاب بقليل ، تناقل الاعلام الدولى تصريحا لمفتى استراليا يلقى فيه اللوم فى جريمة اغتصاب على النساء لان لحمهن العارى يثير غرائز الرجال ويدفعهم للاعتداء عليهم، وقال مامعناه كيف نلوم الذئاب او الكلاب المسعورة اذا مانهشت اللحم العارى؟ وقال ان هدفه النبيل هو حماية المرأة لذلك يرى وجوب ان تتحجب وتستر لحمها.

هذا الفكر الذى يلوم الضحيه ويوقع على المرأة اللوم فيما تتعرض له من اعتداءات من قبل الرجل هو فكر قديم . فتاريخ البشرية هو –فى احدى اهم صوره- تاريخ تسلط الرجل على المرأة فى الاطار الاوسع لتسلط القوى على الضعيف، وهى شريعة الغاب التى جاءت الحضارات المتتابعة لتغييرها والرقى بها بإدخال قوانين تحمى الضعيف من بطش القوى فى مساواة للجميع امام القانون.

 

فى مجتمعات سيادة القوة الغاشمة والبلطجة المقنعة وغير المقنعة امتلك الرجل المرأة كجزء من ممتلكاته، وكان يقوم بتوزيعها كما يشاء على اقرانه كزوجة او جارية او خادمة او عشيقه. وتحكم الرجل فى زواج ابنته وكثيرا ماباعها لمن يدفع اكثر. وتحكم الزوج فى زوجته وقام بتقنين القوانين التى تحافظ على ملكيته للمرأة مثل عقوبة الموت بالرجم للزانية والحرق للمارقة والضرب للناشزة والحبس فى بيت الطاعة للمحتجة المتمردة والتطليق على الهوى واصناف اخرى من الاذلال والتعذيب والاضطهاد والاستعباد.

 

وقام الرجل باسباغ هالات من القداسة والشرف والحرمة على جسد المرأة لكى لاتمسه يد رجل آخر، فاعتبر ان شرف المرأة هو جسدها وبالتحديد هو غشاء بكارتها وهى عذراء واستمرار حصر شرفها فيما بين فخذها بعد ذلك مدى الحياة. فالفضيلة الاسمى لدى المرأة وشرفها الاعظم والاوحد ينحصر فى جسدها. وكان المحاربون فى العصور الوسطى بأوروبا يجبرون زوجاتهم على ارتداء "حزام العفة" الحديدى والاحتفاظ بمفتاح قفله معهم لمنعها من مضاجعة رجل آخر. اما شرف الرجل ففى كلمته وهيبته وشجاعته ورجاحة عقله. وهكذا قام الرجل- واضع القوانين ومفسر الشرائع والمفتى بالحلال والحرام للبشر- بتحويل المرأة الى جسد –او شئ من الاشياء- يمتلكه ويتحكم فيه ويضربه ويقتله ويضاجعه ويبيعه ويشتريه على هواه متى شاء واينما شاء، وروج لملكيته هذه بتفسيره للشرائع والآيات والاحاديث وبتحويله لتفسيراته الى قوانين واعراف وعادات.

 

وكان من اهم مظاهر تأييد إمتلاك الرجل للمرأة أنه فرض عليها ماتلبسه وحرم عليها رؤية رجال آخرين، فهو يريدها ملكا خاصا له وحده تشبعه غذائيا وجنسيا وتمنحه الخلف من الاولاد اساسا  ومن البنات اضطرارا، وكان العرب فى الجاهلية يأدون البنات حتى جاء الاسلام محرما ذلك. ولكن بقيت معظم العادات البدائية الاخرى المتعلقة بامتلاك الرجل للمرأة يمارسها الرجل فى ارتياح وكثيرا مايلجأ للوى معانى الايات والاحاديث لتبرير استمرار تسلطه على المرأة وتحكمه فى سلوكها.

 

مع تطور الحضارات فى المجتمعات الغربية راحت تتراجع ببطء شديد فكرة حصر شرف المرأة فى جسدها ، ومع عصر النهضة وحركة التنوير تحررت المرأة تدريجيا من تسلط الرجل واصرت على تغيير المفهوم البدائى الذى يحصر شرفها فيما بين فخذيها وطالبت بالمساوة الكاملة مع الرجل . واستطاعت المرأة فى الحضارة الغربية ان تقطع اشواطا هائلة نحو المساواة الكاملة واصبحت هى- وليس زوجها – من تملك جسدها. ولم تعد المرأة تتبع الاوامر الدينية التى يلقيها عليها رجال الدين المسيحى طاعة عمياء، وكثيرا ماترفض هذه الاوامر فنجد ان الاغلبية من النساء من الكاثوليك يستعملن اقراص منع الحمل رغم ان الكنيسة الكاثولوكية ماتزال مصرة على تحريم ذلك، وهكذا راحت المرأة الغربية تمارس حريتها وملكيتها لجسدها بشجاعة وجرآة حتى فى وجه تحريم واضح من الكنيسة .

 

ولان المجتمعات العربية الاسلامية ماتزال الى حد بعيد خاضعة خضوعا كبيرا للتسلط الدينى الذى يمارسه من يريد التسلط على الآخرين من امراء الجماعات او من الدعاة المتشددين او من منظمات متشددة مثل الاخوان المسلمين او من حركات متشددة كالوهابية، نجد ان المرأة المسلمة ماتزال تعانى من تسلط ثقافة ذكورية سائدة تتسلح بأشد التفسيرات الدينية تزمتا ورجعية لتبقى على تبعية المرأة للرجل وخضوعها له. ويأتى الحجاب الذى قام الاخوان المسلمين بنشره فى مصر وبقية المجتمعات العربية حلقة اخرى من حلقات الصراع التاريخى بين المرأة وآسريها.

ولتأكيد تسلطهم على المراة يقدم المتزمتون والاخوان المسلمون عددا من الاساطير على انها حقائق وثوابت من ثوابت الدين ليصادروا حق الآخرين فى التفكير والاعتراض كما ارادوا مع وزير الثقافة المصرى. وهذه هى بعض هذه الاساطير:

 

الحجاب حرية شخصية:

 

يقول لنا الذين لايؤمنون بحرية الانسان فى تغيير دينه ومعتقداته –لانهم يؤمنون بوجوب حد الردة الذى يقضى بقتل المرتد عن الدين- يقولون ان الحجاب هو شأن شخصى يتعلق بالحرية الشخصية للمرأة فى اختيار ماتلبس ومالاتلبس.

هذا فى نفس الوقت الذى يطالب فيه نواب الاخوان فى مجلس الشعب بإلغاء مسابقات الجمال فى مصر رغم ان النساء المشاركات بها يفعلن ذلك بمحض ارادتهن دون ارغام من احد كما ان الذين يشهدون هذه العروض يفعلون ذلك ايضا بإرادة حرة. فأين إحترام الحرية الشخصية هنا؟

 

وأتفق مع من يعتبر الحجاب امراً يتعلق بحرية المرأة فى اختيار ماتلبس، على شرط ان تكون المرأة حرة فعلا فى الإختيار، ولكن الأمر الذى حدث فى مصر ليس كذلك، فقد كان الاخوان يروجون الرأى القائل ان الحجاب فرض ويتهمون بالكفر من يقول بغير ذلك، وكانت النساء فى مصر يتعرضن لضغوطات هائلة لكى يتحجبن، كما كانت الاموال تتدفق من السعودية الوهابية لشراء الحجاب ومنحه مجانا للمصريات غير القادرات ماديا، هذا بينما اجبر الكثير من الازواج زوجاتهن وبناتهن على التحجب، وهناك من يحجب بناته فى المدارس الابتدائية ! فكيف يقال مع هذا كله ان المرأة لديها حرية الاختيار؟ ان حرية المرأة فى اختيار حجابها فى مجتمع اسلامى ذكورى متسلط هى أسطورة من الأساطير.

 

الحجاب من أركان الاسلام

 

كنا ندرس فى حصص الدين واللغة العربية فى المدارس المصرية ان الاسلام له خمسة اركان هى النطق بالشهادتين والصلاة والصوم والزكاة والحج لمن استطاع له سبيلا. ولكن اليوم أضاف المتشددون على مايبدو ركنا سادسا هو الحجاب!

وليس لى الدخول فى مناقشة فقهية ولكن من حقى ملاحظة ان معظم فتيات وسيدات مصر فى مدنها الكبرى فى الخمسينات والستينات من القرن العشرين لم يكن محجبات. اعرف ذلك لاننى رأيته بعينى! فهل من المعقول ان ملايين المصريين لم يعرفوا فرضا اساسيا من فروض دينهم فى تلك الفترة؟ هل معقول ان يكون الحجاب فرضا ولايقول ذلك شيخ الأزهر ووزير الاوقاف وكبار دعاة مصر وقتها؟!

 

المعقول هو ان الحجاب فرض فرضه الفكر الاخوانى- الوهابى وليس الاسلام. وهناك علماء ودعاة ومتخصصون إسلاميون كبار يقولون ان الحجاب ليس فرضا ومنهم المفكر الاسلامى المعروف جمال البنا شقيق حسن البنا مؤسس الاخوان المسلمين. ومؤخرا اصدر الشيخ السودانى حسن الترابى تصريحات تجيز السفور وزواج المسلمة من غير المسلم.

ولكن الجماعات الاسلامية والدعاة المتشددين يسارعون الى تكفير هؤلاء واخراجهم من الملة لكى لايفسدوا عليهم حالة التسلط الذكورى التى يمارسونها على نساء مصر. فهم يصادرون ويكفرون الفكر الاخر ولايحترمون حرية رأى ولاحرية شخصية حقيقية.

 

الحجاب يصون المرأة من شهوة الرجال

 

يحاول المتشددون تقديم الحجاب على أنه مثال الفضيلة للمرأة وتقرأ لهم عبارات الهيام التى يصفون بها كل محجبة وكأن الحجاب قد حول المرأة الى قديسة من جنس الملائكة الاطهار، ولاشك ان هذا احد اساليب الترغيب التى يتبعونها. ولكن فكرة ان الحجاب تعبيرعن الفضيلة فكرة قديمة جدا ولم تعد ذا معنى فى عصرنا هذا. فنحن نعرف الان ان الفضيلة هى خلق  وشخصية سليمة وقدرة حازمة على ضبط النفس وادارة العلاقة مع الآخرين وأنها هى الصدق مع النفس ومع الآخر وانها هى المعاملة الحسنة والمحبة والرحمة والآمانة، وكل هذا لاعلاقة له بما ترتديه المرأة ولابمساحة ما يظهر من جلدها. ان حجاب المرأة فى الغرب الأوروبى والأمريكى يزيد من لفت نظر الرجال وليس العكس. فكيف يكون هذا من أجل حماية المرأة من نظرات الرجل؟!

 

أما فكرة ان المرأة التى تظهر شعرها او ذراعيها تثير غرائز وشهوات الرجال وتدفعهم الى الاعتداء عليهن فهى فكرة بدائية هى الآخرى. فإذا كان هذا صحيحا فكيف لانجد الشواطئ الأوروبية والأمريكية وقد أصبحت مسرحا لحوادث الإغتصاب الجماعى؟!

إننا هنا نرى النساء شبه عاريات تماما مستلقيات تحت الشمس فى استرخاء كامل والرجال حولهن فى كل مكان ومع ذلك لم نشاهد رجلا واحدا يخرج فجأة عن طوره ويصيبه الهياج الجنسى ويهجم على سيدة راقدة عارية امامه لكى يغتصبها! ان آلاف الشواطئ فى مئات المدن الغربية ومئات الملايين الذين يترددون عليها كل صيف هى الإدانة الفاضحة للفكر البدائى الذى روج له المفتى الاسترالى من ان لحم النساء العارى هو الذى يثير شهوة الرجال ويدفعهم لإغتصاب النساء. ان هذه اسطورة اخرى من الاساطير التى يطلقها الفكر الأخوانى –الوهابى المنغلق المبتعد تماما عن كل ماهو واقعى وعصرى وطبيعى ومتحرر فى عالمنا اليوم.

 

والغريب ان المروجين للحجاب يقولون دائما.. وهل الأفضل هو ان تتعرى المرأة وتظهر مفاتنها للجميع كالعاهرات؟ وهذا إعتراض سخيف ومتهافت. فهل ليس امام المرأة سوى اختيارين هو اما ان تتحجب و تتنقب واما ان تتعهر؟ الا يرى هؤلاء الملايين من النساء فى مئات المدن الغربية والشرقية وهن فى اماكن عملهن فى المكاتب والمصانع والمدارس فى ملابس معتدلة انيقة لاهى بالمتزمتة ولاهى بالمتبرجة؟

ألا توجد حالة وسط كانت هى واقع الحال فى مصر نفسها منذ ثلث قرن فقط، قبل ان يسود فكر الاخوان المتشدد والمعادى للحرية الحقيقية وللفكر والابداع والفنون؟

 

وقد يسأل البعض: ولكن لماذا كل هذا الهجوم على الحجاب؟ ولماذا تسارع دول عربية مثل تونس واوربية مثل فرنسا بمنعه او الحد منه فى اماكن بعينها؟ ماالضرر فى ان مسلمات مصر قد تحجبن وعدن الى ماقبل عصر فاطمة رشدى وقاسم أمين، حتى لو كان هذا بسبب ضغوط من الاخوان؟

 

والرد هو ان نجاح الاخوان فى ترهيب وترغيب نساء مصر ومجتمعات اسلامية أخرى فى ارتداء الحجاب – بأساليب الترهيب والترغيب التى ذكرتها – يعنى نجاحهم فى فرض رؤيتهم الدينية المتشددة على هذه المجتمعات، ومسيرة الحضارة هى مسيرة التحرر من التزمت الدينى ولهذا فالعودة الى ذلك التزمت هى فعلا عودة الى الوراء كما قال وزير الثقافة المصرى دون ان يشرح فكرته هذه او يساندها بالحقائق التاريخية والقرائن المنطقية. وسبب عجزه عن هذا ان الثقافة فى مصر اليوم لم تعد تسمح بحرية حقيقية للفكر المتحرر او للإجتهاد الدينى المستنير. فسيف التكفير مشهور ابدا، والإغتيال الجسدى او المعنوى – او التهديد بهما – امر واقع تشهد عليه عمليات اغتيال فرج فودة ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ والتهديد باغتيال سيد القمنى. لقد نجح الاخوان فى فرض فكرهم الدينى المتشدد على الشارع المصرى منذ ان شجعهم السادات على ذلك ولم يقدم نظام الرئيس مبارك فكراً بديلاً قادراً على ان يكون خيارا حقيقيا امام الشباب المطحون الصاعد. فإذا بالجيل الجديد فى مصر يصبح اكثر تشددا من جيل والديه، ورأينا فتيات تتحجب رغم ان امهاتهن لم تكن محجبات. وهكذا ولاول مرة فى التاريخ، يجئ جيل بأفكار وبأسلوب حياة اكثر محافظة وتشددا دينيا من جيل والديه، بينما حركة التاريخ فى بقية مجتمعات العالم هى فى اتجاه التحرر المتزايد لكل جيل عن الجيل السابق.

 

فى النهاية، الأمر ليس درجة الايمان او مدى التدين، فهذه بين الانسان وربه، ولكن الخطير ان الحجاب يستخدم كشعار دينى- سياسى معا، وهو رمز للإثنين حتى ولو لم يقل الاخوان هذا – فنحن هنا امام شأن سياسى يتعلق بمستقبل مصر وطبيعة المجتمع والدولة، وهل ستصبح مصر دولة دينية ام دولة تفصل الدين عن السياسة وتعامل جميع المواطنين على أسس المواطنة الحديثة.

 

والأخطر من هذه كلها ان كل مجتمع ذا صبغة دينية هو عودة الى القرون الوسطى، ولم يعد اسلوب الحضارة الحديثة يسمح لاى مجتمع تكبله أغلال التزمت الدينى بالنجاح فى اى مجال، لأن التزمت يقتل حرية الانسان ويقتل بالتالى قدرة الفرد –والجماعة- على الابداع والانجاز وتحقيق التفوق والتجاوز فى جميع المجالات . فالسؤال ليس هو كم بوصة من جلد المرأة يحل لها ان تظهر او تخفى؟ السؤال هو كيف نساعد الشباب الصاعد على تحرير فكره وكسر أغلال استلابه العقلى لكى يجرؤ على مناقشة الموروث ومحاسبة السلطات الدينية والسياسية وتأكيد حريته الذاتية وفرض اختياراته الشخصية ضد السائد والمتسلط الذى يرهبه باسم الدين ويحرم عليه الحياة بكل مافيها من وعود الابداع والخلق والتحرر والتجاوز الحضارى البهى.

fbasili@gmail.com

 

  *كاتب من مصر يقيم في نيويورك

 

 للتعليق على الموضوع

 

 

samy toma" <satoma@hotmail.com> 

Date: Thu, 25 Jan 2007 22:43:13 -0500

    

Thank Fransoi  , this is a good Report