5 يوليو 2006

 

 

 

 

التفسير النفسي للسحر الكروى:

كأس العالم : دروس للحكومات والشعوب

فرانسوا باسيلى

 

ماالذى يجعل لعبة كرة القدم تحظى بذلك الهيام الجنونى من كافة شعوب الارض قاطبة – باستثناء الشعب الامريكى – وبدرجة تجعل هذه الشعوب تنحى كل شئ جانبا لمتابعة مباريات كأس العالم – بالاضافة الى مباريات انديتها المحلية ؟

لكل ظاهرة طبيعية او انسانية – اجتماعية أسبابها. فما أسباب القوة السحرية للظاهرة الكروية ؟ وكيف إستطاعت البشرية التى لم تجمع على شئ آخر فى تاريخها – فهى لم تجمع على دين ولامذهب سياسى ولا نظام إقتصادى ولالغة ولاثقافة ولامبدأ ولاأى شئ آخر واحد وحيد ، أن تجمع على العشق الجنونى لهذه اللعبه الفريدة ؟

 

ولماذا يشذ المجتمع الامريكى وحده عن هذا العشق؟

 

إن لعبة كرة القدم مسألة بالغة الجدية – وهى ليست " لعب عيال " بالتعبير المصرى ، ولذلك تستحق منا أن نقوم بدراستها دراسة مقارنة محللة لاتقل عن دراستنا المقارنة للأديان أو المذاهب السياسية والاقتصادية – أو للظواهر الطبيعية والأعراض النفسية. إن أى أمر يشغل الجماعة الانسانية بهذا القدر ويأخذ منها كل هذا الوقت والاهتمام والاستثمار والمناقشة والحزن والفرح بل والهوس الجماعى يستحق أن نفهمه ونستوعب اسبابه وخصائصه لكى نفهم – عن طريقه – أنفسنا وطبيعتنا البشرية بشكل أعمق وأكمل.

 

العدل فى الأرض

 

يكمن السر الفلسفى الأساسى فى هيام البشر بلعبة كرة القدم أنها تحقق للبشرية حلمها الإنسانى القديم فى تحقيق العدل المطلق على الارض. فالإنسان بكل عبقرية إنجازاته الحضارية حتى اليوم

لم يستطع أن يحقق العدالة الكاملة المطلقة فى أى مجتمع بشرى. فرغم  الاديان والمبادىء والقيم

والقوانين المختلفة التى تطمح إلى تحقيق أقصى درجة من العدالة فى الارض تظل

قوى مناوئة كثيرة تمنع ذلك ..إذ يظل الغنى والقوى فى معظم الآحيان فوق العدل و خارج القانون. وتظل السرقة والبلطجة والعنف والجريمة والخديعة

والمحسوبية والرشوة والجبن والخسة تعمل جميعها على النبل من سلطة العدالة وتمنع تحقيق حلمها النبيل على الارض .

 

أما فى لعبة كرة القدم فيجلس عشرات الالوف من البشر فى مدرجات ملعب مكشوف - ويتابع الملايين من الاخرين على شاشات التلفزيون ، لعبة محكومة بمنظومة علنية من المبادئ والقواعد والقوانين متفق عليها من الجميع ، يخضع لها جميع اللاعبين بنفس الدرجة وبنفس القياس، وتطبق فيها القوانين بشكل مكشوف وبصرامة لاترحم ، وينزل فيها الثواب والعقاب فى نفس لحظة الفعل وليس بعده بسنوات وسنوات ، ويكون فيه الفوز للأصلح فقط ، للكفاءة والتفوق والمهارة والاجتهاد فقط – فهنا لاتنفع محسوبية ولاتجدى واسطة، ولاتنفع القربى لأميرأو لوزير. فاللاعب الماهر يفوز ولو كان ابن غفير فقير. واللاعب السئ يخسر ولو كان ابن ملك . فهنا تنتفى كل العوامل التى تفرق تفريقا ظالما بين البشر ، وتسقط القوة والسلطان والنفوذ وتصبح بلا قيمة ولاجدوى. ونجد أمامنا حالة إنسانية فريدة باهرة تنتصر فيها الكفاءة وحدها ، ويتحقق العدل على الأرض بشكل مطلق نقى مجرد من الشوائب والمثالب.

 

الإنسانية المثالية

 

بجانب تحقيق لعبة كرة القدم للعدل فى الأرض . توحد اللعبة بين الإنسانية جمعاء فى اطار واحد من المثالية التى تلغى كافة العوامل التى تفرق بين البشر.. من ايدلوجيات ومعتقدات ومذاهب وأديان. ففى ساحة الملعب يقف – أو يجرى – الجميع على قدم المساواة المطلقة ، فالملعب لايعرف مسيحيا ولايهوديا ولامسلما ولابوذيا ولاملحدا . الجميع سواسية امام العدالة الكروية المطلقة.

وكرة القدم لعبة لاتتدخل فيها الآلهة ، وقد يصلى اللاعب قبل المباراة عشرات المرات ، ويسجد مئات الركعات ويقدم الغالى والثمين من المحرقات والقرابين فتذهب كلها دون جدوى امام الالهة التى هى أحكم وأعظم من أن تتدخل لصالح هذا اللاعب أو خصمه لمجرد انه يحاول رشوتها بركعتين هنا او قرابين هناك.

وليرسم اللاعب على وجهه علامة الصليب كما يحلو له فلن يجديه هذا شيئا.

فنحن امام نظام كروى صارم العدالة بالغ الكمال ورفيع المثال، لاتجدى معه محاولات الانسان البائسة فى رشوة قوى الغيب بالصلوات او الادعية لتتدخل لصالحه فتعفيه من تبعات العمل الشاق والاجتهاد الدائب المتصل الذى هو وحده طريقه للنجاح والفوز.

 

وهكذا يأتى البشر أفرادا وفرقا وجماعات من دول اسلامية او عبرية – فارسية او عربية او لاتينية ، ديمقراطية او ديكتاتورية ، علمانية او دينية ، رأسمالية او اشتراكية او اقطاعية ، فاذا بكل مذاهبهم وايديولوجياتهم وعقائدهم تتساقط عنهم ليقفوا فى النهاية عرايا الا من فانلاتهم الملونة على أرض ملعب لاتجدى فيه مذاهبهم شيئاً . فهنا يقف الانسان انسانا مجردا ، انسانا مطلقا  كاملا ، فريدا ، وحيدا . فتتحقق له انسانيته المطلقه الممثلة فيما يقدمه هو كإنسان وكموهبة ، وليس كوعاء دينى او مذهبى او سياسى . حتى حين يموت الانسان ، يموت مسربلا بأرديته الدينية والاجتماعية والطبقية التى لاتتخلى عنه ولا تعتقه منها حتى فى موته . فقط حين يلعب كرة القدم يتجرد من قبيلته ودرجات طبقته و مراسم ثقافته ويقف إنسانا حرا كاملا متساويا مع كل إنسان آخر مع كل لاعب وكل متفرج آخر فى طقس كروى مثير تتجلى فيه كما لا تتجلى فى اى طقس آخر إنسانيته المثالية الحرة الفريدة.

 

العولمة المحبوبة

 

إختلف البشر حول مفهوم العولمة الاقتصادية والسياسية فدافع عنها البعض وهاجمها الاخر.وتخوف منها آخرون. واتهموا مروجيها بالدوافع الاستعمارية العدوانية وخشوا

معها فقدان هويتهم وذواتهم. إلا فى لعبة كرة القدم. فقد حققت الكرة فلسفة العولمة فى كامل ابعادها ولم يعترض عليها أحد ولم يشكك فيها أحد. وتدافعت دول العالم حكومات وشعوبا ترغب  الدخول فى العولمة الكروية بكاملها دون تعديل يلاءم طبيعتها المحلية . أقبل الجميع – مثقفين وأميين – أغنياء وفقراء ، اذكياء وبسطاء.. على هذه العولمة الكروية المدهشة فدخلوا فيها أفواجا دون تردد او تخوف او تشكك. فأثبتوا بذلك وحدة الموهبة البشرية وإمكانية النظام الانسانى الواحد . فلم يقل أحد أن نظام الجزاء الكروى قد يناسب المانيا ولايناسب أنجوليا.

 

وهاهو النظام الكروى العالمى الجديد يقدم لنا مفهوما متحررا للمواطنة والانتماء . فإذا بنا نشاهد الفريق السويدى يلعب بحارس مرمى من اصل مصرى اسمه رامى شعبان . وإذا به يصد كرة خطيرة كانت تهدد مرماه السويدى فيهتف له الجمهورالسويدى الحاشد ملوحاً بالأعلام السويدية صارخين : رامى .. رامى! رامى.. رامى!!

وهكذا نجد الفرق العربية والأوروبية واللاتينية تستعين بلاعبين ومدربين من دول آخرى تختلف فى الدين والشكل واللغة والثقافة ، ولكن تنتمى مثلهم للنظام الكروى العالمى الواحد، للعولمة الكروية التى حطمت الحدود وأذابت الفروق الشوفينية ومحت الإختلافات الجنسية والقطرية وأدخلت الجميع فى عولمة إنسانية شاملة.

 

السلام والجما ل

 

بجانب تحقيق العدالة والمساواة على أرض الملعب الكروى ومايثيره هذا من أشواق الجمهور فى رؤية نفس هذا العدل المطلوب والمساواة الكاملة تتحقق فى حياتهم على الارض ، تحقق لنا كرة القدم أحلام الإنسان الآخرى فى السلام والجمال. ففى كأس العالم 2006 بألمانيا رأينا فريق ساحل العاج يحقق على أرض الملعب وحدة وطنية لاتعرفها بلاده التى تعانى من حرب أهلية رهيبة تسيطر فيها الحكومة على نصف البلاد ويسيطر المتمردون على النصف الآخر. ولكن أمام سطوة كرة القدم ومثاليتها الشاهقة وتبشيرها بروح انسانية أجمل وأنبل. نجد ساحل العاج يتوحد بشطريه المتحاربين فى مساندة فريقه الدولى. فيكف عن القتال لفترة تسمح للفريق بالتجمع من أطراف البلاد للتدريب. وتسمح للجميع بالاستمتاع بمشاهدة الحدث الدولى الأرفع . فيتحقق بذلك السلام المفتقد .فتقدم كرة القدم النموذج الأجمل للصراع الحضارى السلمى والمنافسة الشريفة الحرة التى تخلو من أساليب العنف والبطش والحروب.

 

كما تقدم الكرة لعشاقها جرعة من الجمال البديع الذى يثيره الابداع الفنى فى لعب كرة القدم، من خطط الدفاع والهجوم الى القدرات والمهارات الفنية الفردية الى اللعب الجماعى وعمل الفريق الى الجماليات التشكيلية لحركة الفريقين الى فنون المراوغة والترقيص والسبق والتسديد والصد والرد والتحكم فى الكرة وفى الجسد وضبط الايقاع وتسخيرالقدرات البشرية للقوانين الطبيعية للسرعة وللوقت..عملا بمبادئ علم التوقيت والتحرك الذى درسناه فى هندسة القاهرة على يد عالمنا الجليل المهندس الدكتور حسن فهمى – وهو العلم – والفن – الذى ورثته عنه ابنته المبدعة فريدة فهمى الراقصة الاولى لفرقة رضا للفنون الشعبية فى ستينات مصر الذهبية – وهكذا نجد الجمال فى كل شئ على الأرض ، فى العلم وفى الفن وفى كرة القدم، فإذا كانت العلوم والفنون هى مجالات إشباع الرغبة فى الجمال لدى الخاصة والمتعلمين، فإن كرة القدم هى مجال إشباع التوق إلى الجمال لدى عامة البشر أجمعين .

 

لقد إستطاعت كرة القدم أن تحقق السلام والجمال على الأرض ، ففى منظومة الأخلاق الكروية لاتوجد دار حرب ودار سلام ، ولايوجد مؤمنون وكفار، ولايوجد أنصار إسلام ولاأعداء الله ، ولايوجد وطنيون وعملاء خونة ، ولايهبط فرد الى أرض الملعب فيستحوذ عليها لسنوات طوال ثم يورثها لإبنه من بعده ، ولايستغل غوغائى الدين فى ترهيب البسطاء وترويع الابرياء ، ولايستغل غنى ماله ولاقوى نفوذه للحصول على ماليس من حقه.

 

ان جنة النصر فى عالم كرة القدم لايدخلها الذين يحاولون رشوة السماء بالدعاء ولاالهاربون من أعباء التدريب الشاق منفقين أوقاتهم فى التقرب الى آلهة الكرة من أعضاء الفيفا بتقديم إبتهالات المديح أو رشوتهم بالمال كما حاول بعض المسئولين فى مصر فعاقبتهم آلهة الكرة العادلة بمنحهم صفراً كاملاً وطردهم من جنة الحالمين بتنظيم الدورات العالمية التى لايدخلها سوى المجتهدون بالعرق والموهبة .

 

الشذوذ الأمريكى 

 

كيف إذن نجد المجتمع الأمريكى وحده يشذ عن بقية المجتمعات العالمية فى موقفه البارد من كرة القدم؟ ورغم تقديمه هذه اللعبة لأطفال المدارس حتى الإعدادية، فسرعان ماتختفى اللعبة فى المدارس الثانوية والجامعات والحياة العامة والإعلام. رغم محاولات البعض المستميتة طوال العقود الماضية لبعث هذه اللعبة فى الحياة الأمريكية. وليس الامر أن الأمريكيين لايعشقون الرياضة ، فهم يعشقون العاب البيسبول والفتبول ( الأمريكية ) والباسكتبول والهوكى . ونجد أن المجتمع الأمريكى يصر على تسمية لعبة كرة القدم المعروفة فى العالم كله بهذا الاسم اسما غريبا مختلفا هو ( ساكر ) SOCCER فيما يسطو على إسم كرة القدم ليسمى بها لعبة أخرى هى فى أساسها لعبة ( الرجبى ) البريطانية التى لاتلعب فيها القدم دورا بارزا على الاطلاق فيسمى هذه كرة القدم . فلماذا هذا الاختلاف المتعمد الغريب؟

 

ربما تقع الاجابة فى ان المجتمع الامريكى – منذ بداية تكوينه – هو مجتمع تعمد الاختلاف الجذرى عن المجتمعات الأوروبية القديمة التى جاء منها. وليس صدفة أن وصفت أمريكا بأنها ( العالم الجديد ) فقد أراد المهاجرون الهاربون من العالم القديم بكل عاهاته وتقاليده التى إضطهدتهم وقهرت حرياتهم الدينية والفردية والفكرية أن يبنوا لهم عالما جديدا فى كل شئ . بما فى ذلك العابهم الرياضية المفضلة.

 

وليس صدفة أنه ظهرت فى هذا العالم الجديد ظواهر اجتماعية وانسانية فريدة لم يعرفها العالم القديم.

فقد قام المستوطنون الجدد بإبادة المستوطنين الأصليين – الهنود الحمر- بشكل لم يمارسه غزاة لأرض قبلهم. كما كون المهاجرون الجدد شخصية إنسانية فريدة لم تعرفها البشرية من قبل هى شخصية الكاوبوى أو راعى البقر- بما تنفرد به من فردية مفرطة ونزعة للكشف والنزوح وتوسيع الأرض المملوكة وترويض الحيوانات الوحشية والاعتماد على العنف والسلاح كلغة تسبق الكلمات والنفور من العاطفية والضعف واعلاء القيم الذكورية. ثم قام المهاجرون الاوائل بعد ذلك بالاعتماد بشكل مفرط على نظام العبودية فقاموا بخطف او شراء البشر من إفريقيا واستعبادهم ومعاملتهم معاملة الحيوانات فى العالم الجديد.

 

كرست هذه الممارسات المبكرة فى المجتمع الأمريكى نزعات النرجسية واعتماد العنف والفردية المفرطة وتسخير الآخر من أجل الذات والملكية التوسعية ورفض القديم وتحقير عاداته وتقاليده. ولايعنى هذا كله أنه لم تظهر فى المجتمع الامريكى قوى مناقضة لهذه تناصر العدل والمساواة  والاخاء.. ولكن هذه جاءت كلها متأخرة فى التكوين التاريخى للنفسية الجمعية الامريكية . وراحت تتصارع معها صراعا مريرا بلغ ذروته فى الحرب الأمريكية الأهلية ثم أستمر حتى مرحلة تحرير السود وتحرير المرأة فى الستينات والسبعينات من القرن العشرين. وبعدها راح المجتمع الامريكى يسابق ثم يسبق نظيره الاوروبى فى ارساء قواعد المجتمع العادل المتحرر المحترم للانسان وحقوقه.

 

فى اطار هذا المفهوم للتفرد الاجتماعى نجد من الطبيعى ان تدفع رغبة التفرد بالانسان الامريكى الى تأسيس رياضة جديدة خاصة به هى كرة قدمه هو وليس كرة قدم اجداده الاوروبيين . كما نجد من الطبيعى ان تكون هذه اللعبة الجديدة معتمدة على تمجيد واضح للقوة والضخامة الجسدية المفرطة بما يصحبها من عنف جسدى فى الجوهر والمظهر .

ولعل من الملفت ان فريق النساء الامريكى قد سبق الرجال فى العودة الى كرة القدم العالمية حيث حاز على بطولة العالم. كما نجد من الطبيعى ان يكون للمرأة الأمريكية السبق فى هذا لأن خصائصها الأنثوية الأكثر نزوعاً للسلام والإخاء والانسانية والأكثر رفضاً للعنف والعدوانية تجعلها المرشحة للسبق فى رفض كرة القدم الامريكية المعتمدة على القوة الجسدية المفرطة وتفضيل كرة القدم العالمية المعتمدة على الجماليات الرومانسية والسلام والعدالة والعولمة الانسانية فى منظومة تقبل الآخر وتخضع للنظام العالمى ولاترفضه وتشذ عنه كما فعلت السياسة الامريكية فى خروجها على اجماع العالم فى إحتلالها المأساوى للعراق.

 

وكم فى كرة القدم من دروس للحكومات والشعوب والأفراد.

fbasili@gmail.com

 

كاتب من مصر يقيم بنيويورك

 للتعليق على الموضوع