30 اكتوبر 2005

 

 

الصدمة والترويع المصرية

فرانسوا باسيلي

 

 

 حرب اكتوبر 1973 المعروفة بحرب العبور، التي شنتها مصر وسورية معا ضد القوات الاسرائيلية المحتلة لاراضيهما ما تزال عالية التوهج قادرة علي بعث اعلي درجات الاستغراب والاعجاب والزهو خاصة بما حققه المصريون قادة وجنودا، علي الجبهة المصرية، حتي انه يمكننا اليوم ان نقرر ان هذه الحرب المدهشة هي التي تستحق بجدارة ان توصف بانها حرب الصدمة والترويع and awe Shock وليست الهجمة الامريكية باسلحة اقوي دولة في العالم ضد دولة من العالم الثالث كالعراق.

ومن المفيد ان نراجع اليوم العلامات الاساسية لحرب العبور لنستخلص بعض دروسها ، وايضا لكي نجدد بعض الثقة المفقودة في الارادة والقدرة المصرية القابعة في اعماق الانسان المصري، الذي يصبر طويلا وطويلا، ثم يفاجيء نفسه والعالم من حوله بانجازات مدهشة شاهقة لا يعرف احد من اين جاءت ولا كيف تفجرت

 

اهمية حرب الاستنزاف

 

لم يصبح الجيش المصري قادرا علي عبور اعظم مانع عسكري في التاريخ فجأة صباح يوم العبور، وانما استطاع ان يصبح قادرا علي هذا بسبب ما حدث قبل ذلك اليوم وبشكل مستمر منذ مطلع عام 1969، عندما قرر جمال عبد الناصر شن حرب الاستنزاف علي قوات العدو الاسرائيلي الشرقية لقناة السويس. ولم يكن هذا قرارا سهلا، فهو يأتي بعد عام ونصف فقط من اكبر هزيمة عسكرية عرفتها جيوش ثلاث دول عربية مجتمعة امام اسرائيل وحدها، فيما عرف بحرب الايام الستة، والتي لم تستغرق في الواقع سوي ست ساعات فقط وليس ستة ايام، وهي الساعات التي استطاع فيها الطيران الاسرائيلي تحطيم القوات الجوية المصرية بأكملها وهي قابعة في مهاجعها علي الارض، وبذلك اصبحت القوات المصرية مكشوفة علي رمال سيناء الشاسعة بلا غطاء، وقد راحت تهرول في فرار مخز بعد ان صدر لها قرار الانسحاب، وكان انسحابا غير منظم، عاد منه الجيش المصري الي قراه ومدنه واهله ليتعرض الي حملة هائلة القسوة والمرارة والنقد والسخرية، حتي انه لم يكن لدي المصريين علي مدي عام كامل او يزيد بعدها سوي اطلاق وتبادل النكات اللاذعة التي تتوغل كل نكتة منها في فؤاد كل مصري كالسكين الحاد الذي يتقلب في الداخل، وراح المصريون يضحكون علي انفسهم ضحكا كالبكاء وكالدواء في آن واحد. وكانت هذه النكات اليومية تفعل في جسد الارادة المصرية فعل مشرط الجراح الذي يتوغل في الجسد المريض قاطعا اجزاءه الميتة وخلاياه المريضة المتعبة، ومسيلا منه الكثير من الدم الفاسد، ولك ان تتخيل مشاعر القيادة السياسية والعسكرية المصرية وهي تعمل في هذا المناخ بالغ القسوة والمرارة، وهم المطعونون في كل رصيدهم وتاريخهم وآمالهم بطعنة الهزيمة الرهيبة وآثارها الهائلة من ضياع للارض وخراب للاقتصاد والموارد والهيبة والمكانة في العالم كله. كان علي مصر ان تبدأ من الصفر، من قاع القاع، وامامها ليس فقط عبء وتحديات البناء المادي لجيش انهار تماما وترك كافة معداته في الصحراء، ولكن ايضا تحديات البناء النفسي لارادة الامة التي كان يبدو مما تفعله في نفسها في تداولها لهذه النكات اللاذعة ضد جيشها وافراده، اي ضد نفسها وروحها، انها قد استسلمت للذة جلد الذات في مازوخية جماعية مخيفة هي عقاب جماعي للذات وللقيادة معا.

بدأت خرب الاستنزاف في يناير 1969 بوابل هائل مستمر من القذائف عبر القناة لمدة ثمانين يوما متصلة وعلي طول خط المواجهة بطول قناة السويس. وكانت القذائف تصب علي الجنود الاسرائيليين المتحصنين وراء ما يعرف بخط بارليف، وكان وقتها يتكون من ستار رملي يرتفع الي عشرة امتار علي الجانب الشرقي للقناة، تتخلله سلسلة من ثلاثة وثلاثين موقعا عسكريا للمراقبة، ويتبع هذا حائط رملي عريض آخر بعد بضعة كيلومترات من الحائط الاول، وعلي كل من الحائطين تمركزت مواقع لاطلاق النيران يمكن نقلهامن مكان لآخر حسب الحاجة. وقد تسبب هذا الوابل المستمر من القذائف في خسائر جسيمة لدي الاسرائيليين دون ان يؤدي الي انهيار الحائط او الي اخلاء الاسرائيليين لمواقعهم. وقامت اسرائيل بهجمات انتقامية مضادة ليس فقط ضد القوات المصرية علي القناة ولكن ايضا داخل العمق المصري ضد اهداف استراتيجية وعسكرية علي طول الاراضي المصرية، وقامت مصر في المقابل بتعزيز دفاعاتها المكونة من سام ـ 2 المضادة للطائرات واضافت اليها سام ـ 3 الاكثر فعالية ضد الطيران المنخفض، واضافت اكثر من مئة طائرة سوفييتية من طراز ميج 21 واستطاعت مصر بهذه التعزيزات ان تسقط عددا لا بأس به من الطائرات الاسرائيلية الامريكية الصنع ـ فانتوم ـ وكانت هي خير طائرات السلاح الجوي الامريكي وقتها، مما مكن جمال عبد الناصر من الوقوف امام مجلس الامة لالقاء خطاب يحمل بعض الومضات القليلة من الانجازات التي اسفرت عنها حرب الاستنزاف واسقاط الطائرات المعادية.

 

ولكن بالرغم من الخسائر في الارواح والممتلكات التي اوقعتها حرب الاستنزاف علي الجانب المصري، فقد كانت ضرورية من الجهتين المعنوية والعسكرية معا، فمعنويا كان لابد علي اثر الهزيمة الفادحة من اعادة بناء الثقة في النفس بشكل تدريجي، وكان لا بد من المحافظة علي سخونة خط المواجهة كاعلان مستمر من جانب مصر انها لا تنوي قبول الوضع الراهن.. وكان عبد الناصر يلح في كل خطبه علي ضرورة ازالة آثار العدوان ولم يكن يتحدث عن استسلام من اي نوع، لكنه اعلن قبوله لسلام قائم علي اعادة الارض مع حل عادل للقضية الفلسطينية.

في تلك الفترة قدموا لعبد الناصر ما عرف بمشروع روجرز، والذي يقضي بوقف القتال في حرب الاستنزاف لمدة ثلاثة اشهر لتهدئة الامور والمشاعر، ثم يجري بعدها التفاوض بين الطرفين علي اساس انسحاب اسرائيل من سيناء مقابل السلام، ووافق عبد الناصر علي مشروع روجرز، وكان ذلك بعد ان سأل وزير حربيته الفريق اول محمد فوزي وقتها: كم من الوقت تحتاج لكي تنقل صواريخك الي خط قناة السويس لكي تبدأ حرب عبور القناة والوصول الي ممرات سيناء والتحصن بها وهي ممرات ميتلا والجدي (وهو نفس ما حدث في حرب العبور بعد ذلك) فأجاب محمد فوزي انه يحتاج الي شهرين، فقال عبد الناصر: سأعطيك ثلاثة! (وهي نفس فترة الامتناع عن القتال التي اشترطها مشروع روجرز).

ورحل جمال عبد الناصر في 30 ايلول (سبتمبر) 1970 بعد ان توقف القتال في الشهر السابق آب (اغسطس) بموجب اتفاق وقف اطلاق النار وكانت الخطة 200 لعبور القناة الي الممرات تسير في مسارها المحدد لها كما وضعها محمد فوزي واعتمدها جمال عبد الناصر.

 

تمرد الطلاب والمثقفين

 

تسلم السادات حكم مصر بتركة الاحتلال الاسرائيلي لسيناء، وكان يعتقد في البداية انه سيستطيع التوصل الي اتفاق معقول تنسحب بمقتضاه اسرائيل من سيناء مقابل اتفاقية سلام بشروط معتدلة، ولكنه اكتشف بعد فترة من المناورات والمقابلات والمبعوثين والزيارات ان اسرائيل ـ بموافقة امريكا ـ لن تمنحه الا الفتات في مقابل اتفاقية استسلام سيسمونها اتفاقية سلام، وكان السادات يدرك انه لن يستطيع قبول هذا، في نفس الوقت الذي كان يجابه فيه شارعا مصريا ساخنا لا يكف فيه طلاب الجامعات والمثقفون واتحادات النقابات عن التظاهر والمطالبة بالخروج من حالة اللاسلم واللاحرب التي كانت قائمة، وكان يصعب علي السادات الظهور في اي مكان لالقاء خطاب او حضور احتفال دون ان تجابهه المظاهرات الغاضبة، ووصل الامر في النصف الثاني من عام 1972 الي اعلان عدد من الكتاب والصحافيين والمثقفين وقوفهم الي جانب الطلاب المتمردين الذين كانوا في حالة لا تهدأ من المظاهرات العنيفة في شوارع القاهرة. وكان السادات قد عزل الفريق اول محمد فوزي وعين اللواء سعد الدين الشاذلي، برتبة فريق، فقام بوضع خطة لعبور القناة والتمركز علي بعد حوالي 15 كيلومترا منها بالصحراء الشرقية.

 

الصدمة والترويع المصرية

 

لا شك ان الاسلوب المدهش والنجاح الباهر الذي حققه المصريون في عبورهم لقناة السويس حقق اكبر قدر من الصدمة والترويع للجنود الاسرائيليين علي الضفة الشرقية من القناة. وفي مقابلة مع الاهرام ويكلي يقول اللواء المتقاعد جمال محمد علي، قائد سلاح المهندسين المصري واصفا ما حدث كان امامنا مانعان هائلان، الاول هو المانع المائي الطبيعي لقناة السويس، وتعتبر اكبر مانع مائي تم عبوره في تاريخ الحروب ومانع آخر يقف من ورائه هو خط بارليف. وكان وزير الدفاع الاسرائيلي موشي ديان قد صرح انه الامر سيحتاج الي تضامن سلاح المهندسين الامريكي وسلاح المهندسين السوفييتي معا لاقتحام خط بارليف. كما اكد الخبراء السوفييت في ذلك الوقت بانه لا يمكن تحقيق اي شيء في وجود خط بارليف سوي بقنبلة نووية! .

وكان خط بارليف يتكون من حواجز رملية طينية محصنة يتراوح ارتفاعها من ثمانية الي خمسة وعشرين مترا، مع عرض يصل الي عشرة امتار، وكان هذا الجدار الرملي الهائل حصنا ومزودا بمواقع للدبابات والمدافع كل حوالي اربعة كيلومترات علي امتداد طول القناة من بور توفيق في الشمال الي القنطرة الشرقية جنوبا.

وكان وجود المانعين المائي والرملي ـ الطيني معا يشكل تحديا هندسيا وبشريا هائلا امام المهندسين والمخططين المصريين، وقد قاموا بالعديد من التجارب للتوصل الي افضل الطرق لاقتحام المانع وذلك علي فرع دمياط من نهر النيل. وبدأت التجارب بالمتفجرات، التي لم تنجح، ثم جربوا قذائف المدافع وايضا لم تؤثر، وهنا بدا التفكير في المدافع المائية، وكان الكثيرون من الضباط قد اشتركوا في بناء السد العالي في الستينيات، حيث قاموا بنقل خمسة ملايين من الامتار المكعبة من الرمال باستخدام طرمبات هيدرولية ضخمة يمكنها ابتلاع خمسين مترا مكعبا من مياه النيل في الساعة، وضخها في تدفق هائل نحو جبال من الرمال فتتحول بسرعة الي طين سائل يمكن ضخه، وكانت هذه التقنية هي التي استخدمت لتدمير الحواجز الرملية الطينية لخط بارليف. وتم شراء بضعة مئات من الطرمبات الهائلة بقوة مئة حصان الواحدة، تزن كل منها اكثر من مئتي كيلوغرام، من شركة المانية، وثم بتركيب الخراطيم عليها ووضعها علي قوارب تتحول طنا ونصف الطن لتعبر بها القناة لاقتحام خط بارليف.. وقد خطط الاسرائيليون لكي يشعلوا سطح القناة خلال المعارك، فبنوا خزانات هائلة للبترول تحت الارض عند نقط المراقبة المحصنة، حيث تمتد انابيبها من الخزانات الي سطح القناة بحيث يمكن اطلاق البترول لكي يسبح علي سطح القناة ويتم اشعاله في اي لحظة، وكان علي المصريين مواجهة هذا الاحتمال ايضا

اما الصدمة التي اوقعها المصريون فقد كانت بسبب القدر الكبير من المهارة في التمويه والخداع التي قامت بها القيادة المصرية علي مدي السنوات السابقة للهجوم، فقد دأبت مصر علي القيام بعدة عمليات تدريب واسعة النطاق في السنوات السابقة، كانت اسرائيل تقوم علي اثرها باعلان حالة التعبئة العامة، بما فيها من تكلفة باهظة اقتصاديا وبشريا، لتجد في النهاية ان المصريين كانوا يتدربون! كما ان السادات كان يعطي الانطباع تلو الانطباع انه لا يفكر في الحرب، وكان طرده للخبراء السوفييت يصب في هذه الخانة ايضا

وفي الساعة الثانية الا ربعا بعد ظهر اليوم السادس من تشرين الاول (اكتوبر) 1973 اي قبل خمس عشرة دقيقة فقط من اندلاع الهجوم، كان بعض الجنود المصريين يسبحون في مياه القناة الدافئة تحت شمس مصر الساطعة، معطين كل من كان يراقبهم من الاسرائيليين كل انطباع بان هذا ليس سوي يوم اخر كل شيء فيه هاديء علي الجبهة المصرية.

وفي الساعة 1400 ـ حسب اسلوب التوقيت العسكري ـ انفتحت فجأة ابواب الجحيم علي الجبهتين المصرية والسورية في نفس اللحظة، وكان اول المهاجمين هو سرب من 240 طائرة مقاتلة مصرية مقسمة الي تشكيلات صغيرة الحجم التي انطلقت في سماء القناة علي ارتفاع منخفض والقت بحمم قذائفها علي منشآت القيادة والاتصالات الاسرائليية المتركزة داخل ووراء خط بارليف المحصن، وقامت بتحطيم هذه المراكز، مع ثلاثة مطارات حربية صغيرة وبطاريات الدفاع طراز هوك، ومراكز تجمع المدافع، وقلعة بودابست علي البحر الابيض في الشمال، وغيرها من الاهداف الاستراتيجية عالية القيمة التي تكون هي اول ما يستهدفه المهاجمون في العمليات الحربية.

وفي احدي الدراسات الاكاديمية العسكرية التي استندت اليها، وقد اعدها احد العسكريين الكبار بالقوات المسلحة البحرينية بتاريخ 27/3/1997، نجد الوصف التالي لعملية العبور نفسها: تم عبور القناة من قبل الجنود المصريين في اثنتي عشرة حملة، كانت كل منها تشمل الف قارب عسكري Aault craft يعبرون القناة علي طول خط المواجهة، اي ان العدد الكلي هو 12000 قارب، واستطاعت كل حملة او موجة من هذه الموجات الهائلة ان ترسو علي الضفة المقابلة ـ الشرقية ـ من القناة، ثم تعقبها الموجة التالية المكونة من الف قارب اخر بعد ربع ساعة فقط من الاولي. وقامت وحدات سام 6 وسام 7 المضادة للطائرات باسقاط معظم الطائرات الاسرائيلية التي غامرت بالتحليق، وبذلك سقطت في لحظات معدودة اسطورة السلاح الجوي الاسرائيلي الذي لا يقهر، وامام هذا الاداء الباهر لهذه الصواريخ تم تحييد الطيران الاسرائيلي تماما عن المعركة، وبذلك استطاع الجيشان الثاني والثالث المصريان القيام كل بدوره في دقة وفي نجاح ربما لم يتوقعه المخططون العسكريون المصريون انفسهم ، ولا يقدم لنا التاريخ نموذجا مماثلا استطاع فيه شعب اصيب بهزيمة عسكرية هائلة فقد فيها كل سلاحه ومعداته ومعنوياته ان ينهض بعد ست سنوات فقط ليحقق مثل هذا الانتصار الميداني الهندسي والعسكري والنفسي الباهر.

 

مسلمون واقباط

 

كانت القوات المصرية التي عبرت القناة وحققت الصدمة والترويع للاسرائيليين تتكون من خريجي الجامعات المصرية بعكس جيش 67 الذي كان يعج بغير المتعلمين من الفلاحين البسطاء، وكان لهذا اثره في ارتفاع مستوي الاداء في جميع مظاهره، كما كان الجيش يضم الالاف من عنصري الامة اي من المسلمين والاقباط، وكان الاقباط ممثلين في الجيش المصري في جميع مراكزه ووحداته، بما في ذلك في قياداته العسكرية العليا.

بل ان من اللافت في هذه الحرب بالذات ان الهجوم المصري قام به جيشان اساسيان هما الجيش الثاني الميداني بقيادة اللواء فؤاد عزيز غالي وهو قبطي (مسيحي) والجيش الثالث الميداني بقيادة اللواء احمد بدوي وهو مسلم، وقد استشهد في هذه الحرب ثمانية الاف جندي مصري وجرح اكثر من هذا بالطبع، ولا نعرف نسبة الاقباط في هؤلاء وان كان المرجح هو انها تعادل بالتقريب نسبتهم في الجيش وفي المجتمع المصري بشكل عام، وكانت معركة العبور ملحمة وطنية باهرة من جميع الوجوه، جاءت تأكيدا لصلابة وحدة مصر الداخلية امام الاخطار الخارجية.

ورغم هذا البهاء الناصع، فما ان انقضت ايام معدودة علي هذا الانتصار الباهر حتي بدأت تصل الي اسماع الاقباط عبارات هوجاء بالغة القسوة والغباء والظلم، تقول بالعامية المصرية النهاردة السبت وبكره الحد ومعناه ان اليوم كان انتصارنا علي اصحاب السبت (اليهود) وغدا يكون انتصارنا علي اهل الاحد (المسيحيين)!! ولك ان تتخيل مشاعر الاقباط الذين فقدوا عزيزا في هذه الحرب دفاعا عن تراب الوطن عند سماعهم لهذا الكلام، بالطبع لم تكن هذه العبارات تصدر من الكثيرين، ولكنها كانت تتعالي تدريجيا من افواه اعضاء الجماعات الدينية المتطرفة التي اخذت تتزايد في الحجم والتأثير عاما بعد عام، بتشجيع من السادات نفسه، حتي قامت باغتياله في نهاية الامر!

 

دروس للمستقبل

 

يمكننا الآن تلخيص دروس حرب العبور في النقاط التالية:

ـ ان الانسان المصري الاصيل قد يصبر بعض الوقت علي اوضاع ظالمة او مهينة او استبدادية، لكنه قادر ابدا علي الانتفاض وتحقيق اعظم الانجازات التي تتجلي فيها ارادته الكامنة وعبقريته الاساسية القديمة المتجددة، ولا يجب ان يراهن احد ضد الشعب المصري والانسان المصري.

ـ ان الانجازات الكبيرة حقا في تاريخ الشعوب، مثل انجاز بناء السد العالي والتحرر الاجتماعي والنهضة الثقافية في عهد عبد الناصر، وانجاز العبور المجيد واستعادة سيناء بعدها كاملة في اتفاقية السلام في عهد السادات، تحدث هذه الانجازات عندما تلتقي ارادة الشعب وعزيمته مع قيادة جريئة تعرف كيف تحول مطامح المواطنين الي انجازات واقعية.

ـ ان اعظم الانجازات الوطنية تحدث حين يعمد الشعب والقائد معا علي قدرات الذات، وليس علي الغير، فقد قامت مصر عبد الناصر ببناء السد العالي رغم خذلان البنك الدولي لها، بتعاون من الاتحاد السوفييتي، ولكن بدون الخضوع له ولسياساته. وكذلك عبرت مصر السادات القناة بقدراتها الذاتية بعد ان خرج منها الخبراء الروس وتخلت عنها الادارة الامريكية، بل وقفت ضدها في الحرب بعد ذلك.

 ـ التفسير الديني المتطرف لاسباب الانتصار العسكري، الذي قامت بتأويله بعد الحرب الجماعات الاسلامية المتطرفة في مصر، وما زال بعضها يقول به الي اليوم، والذي يتوغل في غيبيات تتوهم تدخل السماء والملائكة في الحرب الي جانب هذا الطرف او ضده، هي التي ساعدت علي خلق وتوسيع الشرخ الكبير الذي وقع بين عنصري الامة المصرية بعد الحرب، وراجت تغذية الافكار الدينية المتطرفة بعد ذلك، ولقد نجحت مصر في حرب العبور لان جبهتها الداخلية كانت ما تزال صلبة قوية متأثرة بمباديء الوطنية الاصيلة التي غرستها في جيل الثورة ثقافة يوليو الحضارية العلمية المتفتحة، ولن تستطيع مصر تحقيق اي انتصار مع وجود شرخ اساسي في جبهتها الداخلية بين عنصري الامة.

 

العبور الاخير

 

تكاد الازمات الاقتصادية والسياسية التي تعاني منها مصر اليوم وحالة التردي الثقافي والفني والاجتماعي المتفشية، مع ارتفاع الامية والجهل حتي بين المتعلمين، تكاد هذه ان تدفع الانسان لليأس من امكانية ان تقوم مصر اليوم بملحمة عبور اخري تعبر فيها الفجوة القائمة بينها وبين العصر بمتطلباته الحضارية الباهظة وربما كان افضل تعبير عن هذه الحالة هو ما قاله لي احد كبار الكتاب المصريين المشهود له من الجميع بغزارة الثقافة مع نزاهة الشخصية ونصاعة الوطنية، وكنت اتناول الطعام بدعوة كريمة منه في احد المطاعم الشعبية الجميلة التي يرتادها المثقفون في حي السيدة زينب بالقاهرة، وكنت قد عبرت له عن اعجابي بعرض معركة العبور المقام في مدينة نصر وسألته عن رأيه في حالة مصر اليوم مقارنة بما كانت عليه ايام معركة العبور وكان حديثنا ذلك في عام 1998 بعد ربع قرن من المعركة، فقال وهو يضحك ضحكة صافية لا تخلو من نبرات الحزن والحسرة: اتأتي اليوم لتحدثني عن معركة العبور؟ ان مشكلتنا اليوم هي العبور من ميدان التحرير الي ميدان رمسيس!

 

fbasili@gmail.com

 

للتعليق على هذا الموضوع

Sat, 25 Nov 2006 09:16:03 -0800 (PST)

From:  "mohamed Abd El Monem" <mohamedabdm@yahoo.com> 

    يا ريت كل الناس تكتب عن التاريخ المصري والأنجازات المصرية علشان الصغار والكبار يعرفو قيمة البلد ألي هما عايشين فيها - ومدي النعمة ألي بينعمو بيها ويحمدو ربنا ويكونو فخورين بمصريتهم