19 ديسمبر 2005

 

 

علاقة المرأة العربية بجسدها من خلال النظرة المجتمعية

فلورنس غزلان

 

 

   نسأل أولا : ـ هل تشعر المرأة العربية بامتلاكها لجسدها، وانتمائه لها؟

                    ـ هل تملك عليه سلطاناً، رغم حملها له؟

 

ولكي نجيب على هذه الأسئلة، لابد لنا من القول...أن الأنثى في مجتمعاتنا العربيةتولد ـ مع اختلاف الرؤيا والموروث النسبي بين منطقة وأخرى ـ محاصرة بالعناية والخوف والرعاية، لا لانسانيتها ولا لكينونتها البشرية وقدرها ودورها الاجتماعي، بل كجسد مرسوم بالرسم الأنثوي ، ممهور بملكيته للآخر..مرهون للأسرة (الأب والأخ قبل الزواج، وللزوج فيما بعد ، وضمن الاطار الأوسع مملوك للعشيرة أيضاً، وشرفها معلق فوق أجساد الاناث المنتسبات من حيث الاسم والدم لهذه العشيرة، وهن أيضا ينتمين بهذا الشرف الرفيع للوطن بالتالي!! ، ولهذا أطلق عليهن السيد صدام حسين اسم (الماجدات)، وعندما جاعت عائلاتهن وخرجن عن الحصار المضروب عليهن وعما يراد لهن من السيد الرئيس ونظامه ...اعتبرهن (عاهرات)، وأعمل فيهن الذبح مع تهليل وزغاريد الجموع !، حين نفذت فيهن الجريمة ك (خاطئات)، حسب عرفه ، فقد أراد لهن الابقاء والحفاظ على الحداد الدائم وطمس أجسادهن بالسواد حزنا على من قضوا بحروبه التي اصطنعها، وأودت بحياة أزواجهن، ثم نكل بهن لخيانتهن شرف الوطن وما أراده السيد الرئيس!!!.

 اذن ، جسد المرأة جسد ( مؤمم ) بقرار جمعي عرفي، يلزمها بالحفاظ عليه حسب طرق مرسومة لها منذ صغرها، لا كما تشاء حاملته.. لايحق لها اخضاعه لمشيئتها لكنها مؤتمنة عليه، لحين تسليمه للمالك القادم حين تتم صفقة البيع بين المالك الأول ( الأب ) والمالك المشتري (الزوج)..السؤال المطروح لماذا ، وماهي الأسباب التي تدفع بالمرأة أو بالمجتمع الحفاظ بهذا الشكل أو ذاك على جسد المرأة:-

1 ـ كونها تملك جزءاً صغيراً في هذا الجسد ، وعليه يتوقف شرفها وشرف أسرتها، وبعلها وعشيرتها، وهذا الجزء الصغير هو ( البكارة ) رمز العذرية الوحيد عند العرب وعند الدول المرسومة باطار التخلف...

2 ـ الخصب.. ونعني به هنا أن تكون المرأة... ولوداً.. يمكنها الحمل وانجاب الذرية ـ خاصة الذكور ـ وان لم تفلح فحينها تعتبر ك ( الأرض البور ) أي القاحلة التي لاتصلح لزراعة بذور زوجها وانتاج حلمه بالخلف الصالح! ويطلق عليها أيضا صفة ( العاقر )، وتفقد حسب العرف الاجتماعي أهم صفات الأنوثة ( الأمومة )، وتصبح بنظر المجتمع امرأة ناقصة ! رغم أنها ربما تكون أكثر أمومة وحناناً من أي امرأة قادرة على الانجاب، وذلك لكون مجتمعاتنا لاتسمح بعد بالتبني، فمن لاتحمل في بطنها نسل زوجها وذريته... ليست أماً ولا يعترف الزوج بابن ليس من صلبه... وغالباً ماينظر اليها كامرأة مرفوضه لاتصلح الا للسرير ويصبح الحفاظ على جسدها فقط من باب صلاحيته للجنس فقط، ويمكن للزوج تطليقها بشكل مسموح ومعذور اجتماعيا وقانونيا والزواج بأخرى ولودا!!

3 ـ معالم الأنوثة الواجب توفرها في جسد المرأة.... من قد جميل ـ ويفضل القد الممتليء ـ لأنه يعتبر علامة من علامات الصحة، رغم أن القيم بدأت بالتغير وعلامات الجمال وميزاته طرأ عليها التطور حسب المفهوم الغربي لهذه النظرة، لكن المجتمعات العربية اجمالا تفضل وتنحو نحو الامتلاء .. فالصدر البارز الى جانب امتلاء الردفين ...والشعر المنسدل الطويل ...لأن صاحبة الشعر القصير تسمى (حسن صبي) فالشعر الطويل صفة أنثوية مقرونة بالجنس أيضا ، وحبذا لو امتلكت بشرة بيضاء ناصعة ...حينها تغدو أكثر حظاً ونجاحاً في سوق النخاسة الزوجية، التي ستساق اليها (وهذا أيضا يختلف نسبيا ...حسب مستوى التعليم الحاصلة عليه ومستوى الوعي الطبقي والاجتماعي للأهل في نفس الوقت ).

لماذا عليها صيانة هذا الجسد؟ ... ومنذ سنينها الأولى تتحكم بها الوصايا وتكثر حولها التنبيهات والمحذورات ، وتترافق تربيتها بالخوف والذعر .. لحين توصيل الأمانة لصاحب الحق فيها، أي لمن يقدر ثمن هذا الجسد ويدفع ماتستحقه حاملته من

مهر .. فتصونه طيلة حياتها قبل الزواج لتوصله بأمانة وحرص لمشتريه!...فنرى أنها كثيرا ما تمنع مثلا من "ركوب الخيل والدراجة" وهذا أيضا يختلف بين بيئة وأخرى وان سمحت احدى الأسر لابنتها بممارسة مثل هذه الهوايات فتعتبر عائلة مغربة الرؤيا والتفكير! " . وللأم مهمات جسام لتلقين وتحصين البنت بقمع جسدها وتعليبه... وغالباً ماتقتصر تربيتها على بعض الأمور وتجهل معظم أسرار جسدها وخفاياه... وعليها وحدها تقع مسؤولية الاكتشاف، وبالطبع هذا يتبع مقدار تعلمها وثقافتها، وامتلاكها لذاتها ولشخصيتها عبر محيطها ...ان اتسع أو ضاق حسب المفاهيم والثقافة البيئية التي تحكمه...لكن غالباً ما يبقى الشكل أهم من المحتوى في مجتمعاتنا..

فقيمة المرأة تنحصر اذن باطار جسدها، وتقيم المرأة من خلاله (جميلة، ولود، وافرة الصحة، عاقلة، شريفة، عفيفة... الخ) كل هذه الصفات من الواجب مراعاتها والاهتمام بتوافرها عند المرأة ...ليغدو جسدها مطيعاً ليناً راضخاً.. مسخراً لخدمة الآخر... ربما تختلف النظرة لقيمة الجسد بين المدينة والريف ..أو بين بيئة وأخرى، فالمرأة الريفية يفضل أن يتصف جسدها بالقوة أيضاً ...لأن المجتمع يحتاجه كيد عاملة، منتجة في الحقل والبيدر والمنزل.. ....... وفي الأحياء المدنية المغلقة غالباً ماتفضل الرقة والطاعة والهدوء والليونة في المرأة ، لهذا يفرض على جسدها " الحجاب" ، ولا أقصد بالحجاب فقط اللباس الاسلامي ، وانما عملية الحجب بين عالم الرجل وعالم المرأة..وهو الأهم... ولكي تضفى القناعة والرضى والقبول عند المرأة فتقوم بتطويع جسدها... تعطى تسميات لهذا الجسد المخفى... الكنز الثمين... الجوهرة المصون... وتقارن بالكنوز ,, والكنوز بالطبع يجب اخفاءها عن " الأعين الشرهة!! "

وحفظها بقوارير تنزع عنها انسانيتها وتحدد حركتها، بل تمنع عن جسدها كل سبل التنفس والحرية... ومن هنا جاءت صفة " النساء المحصنات " عملا في اضفاء القدسية على الجسد، اصطلح على استخدام كل النصوص المقدسة لاضفاء الحصار على جسد المرأة ، ولا مانع من استخدام هذه النصوص كوسيلة لاغراق المرأة في عالم العتمة والتعتيم على دورها في المجتمع، دون مراعاة لدور التاريخ والزمن والتطور الطبيعي للبشرية، بل والنظرة لما  كانت عليه ظرفية الحدث التاريخية وقفزتها النوعية آنذاك بالنسبة للمرأة وماكانت عليه...لكن اليوم ليس البارحة والظرفية التاريخية للبارحة لاتنطبق على ظرفية الأحداث اليوم...

 

لكن هل للسلطة السياسية دورها في تكريس وتوطين قوانين المنع والسيطرة على جسد المرأة؟

  ان النظرة الدونية للمرأة ككيان وكانسان بما تتضمنه القوانين المعمول بها حتى يومنا هذا، وعلى الدوام نموذجي هو (سورية بالطبع)، وخاصة قانون الأحوال الشخصية والمستمد من فهم خاطيء للاسلام ــ باعتقادي ــ يبقي على ثانوية وظلية المرأة ، بل ينكر عليها دورها العام والاجتماعي ويعمل على اقصائها من الحياة العامة، رغم مظاهر الشكل الذي تتواجد فيه المرأة داخل الدوائر والمؤسسات العامة في الدولة، لكن القوانين المعمول بها مازالت تراوح مكانها وتضعها في خلفية الرجل وفي خدمته...فحتى اليوم جسدها ملك لأسرتها ويحق لقاتلها باسم الشرف أن يعفى من الحكم ويتم اخلاء سبيله بعد أشهر!!!!!!!! ولنا في مقتل هدى أبو عسلة وغيرها كثيرات وبشكل يومي أمثلة حية على ما أقول...علما أن المرأة التي تقتل زوجها الزاني تدان وتحكم اما بالقتل أو تقضي عمرها خلف القضبان!!

هذا يعني أن قوانيننا تعمل على تغليف الموروث والاجتماعي والديني بسلوفان قانوني لتمرير الطغيان والظلم الواقع على المرأة ككيان وعلى جسدها.. كموضوع وكشيء!!! بل كملكية لغيرها .

الآن لو قرأنا الجانب النفسي الذي تعانيه المرأة المحجبة (ومازلت أقصد الممنوعة من الاختلاط) فاننا نجدها عند أول تجربة واحتكاك بعالم الرجل أو المحيط العام المفتوح عندما تتاح لها الفرصة ..خاصة عند انطلاقها من المحيط الضيق المحصور الى العالم الرحب الأوسع ...كعالم العمل مثلا ...نجدها امرأة تعاني من الارتباك..تعاني من عدم الثقة بالنفس، تحمر خجلا وتضطرب ...ثم لاتلبث أن تهرع بالعودة لقوقعتها فتحتمي بالبيت أو بعالم محض أنثوي ..حيث تجد فيه ملاذا وحماية ...ويعاني جسدها من اضطراب غير مألوف ...فعالم الرجل عالم مجهول وغريب بالنسبة لها..لقد اعتادت الحرمان والرضوخ ... فكيف لها أن تجد هويتها الشخصية؟؟

وكيف لها أن تتعرف على ذاتها؟ ومايطلبه منها هذا الجسد الذي يرفض قوانين محيطها أحياناً ، بل قوانينها التي تحاول تكبيلها بها...حسبما تلقنته وتربت عليه... كيف توفق بين تمرد جسدها عليها وبين هذه الفروض؟؟؟

لهذا نجد المرأة عند خروجها الى عالم أكثر وأوسع وارحب حرية وانطلاقا.. ربما ترتبك وتخطيء في البداية ...لكنها تكتشف جسدها وخفاياه ..تكتشف قدراتها ككل

قدراتها كانسان عاقل يملك جسدا وعقلا وروحا... فتبدع ..لأنها تسخر قدراتها في الانتاج والعطاء في وقت كان التحريم يمنعها من اكتشاف قدراتها...

انما وعلى الرغم مما وصلت اليه المرأة في المجتمعات المتطورة صناعيا وما تضمنته قوانين هذه المجتمعات من مساواة للمرأة في الحقوق ...لكن التطور الصناعي الرأسمالي خاصة ...وتطور السوق العالمية وعالم العولمة الذي يجتاحنا...بدأ أيضا يسخر جسد المرأة لصالح الربح... ولصالح المال ورجال المال...فنجده يسوق الجمال في قوائم الربح ولخدمة الرجل ..بل وبات يسوق جسد الرجل أيضا...أي أن عالم السوق التجاري لايحترم الانسان كانسان وانما يشيئه ويسخره لخدمة الأرباح ويلعب به في سوق البورصة الربحية العالمية...ومن هنا تطغى على الاعلانات وصناعة اللانجري فين والماكياج والعطور وحتى المأكل والملبس ...صفة التجارة بالدرجة الأولى..فيستخدم جسد المرأة كأداة للتسويق... سواء في عالم السيكس أو عالم الكوميرس...أو غيره... تفتح المصانع والمعامل من أجل شحن العواطف ، وسلب الصفة الانسانية وافراغها من محتواها الانساني لتصبح مطواعة في أيدي أصحاب الأموال... لهذا تثور وتتظاهر الكثير من الحركات النسائية بوجه الاتجار بجسد المرأة وتصارع من أجل اصدار قوانين تحدد وتحد من انتشار هذا الاستخدام..

لكن لو نظرنا للجسد البشري ككل وكطاقة بشرية هائلة ، تملك الكثير من الامكانيات

والأسرار الابداعية ...العضوية والنفسية ، وعليها يتوقف تفاعله وتطوره في خدمة الحياة وحضارتها..في تطور الانسان ونقله الى عالم أكثر تحضرا وأكثر انسانية ...فعليه يتوقف اكتشافه لذاته..لجسده وطاقاته، ولمقدار تفوقه وتمكنه في التغلب على صعوبات الحياة ومشاكلها.....من هنا نجد أن الكثير من المجتمعات نظرت للجسد الانساني نظرة مختلفة فالشرقية منها (الهندية والصينية مثلا) أخذت من الانسان قدرته الروحية وتحكمها بالجسد وسيطرتها عليه من خلال القدرة الروحية " كرياضة اليوغا وغيرها من الرياضات " لكن الحضارة الغربية اعتمدت على القدرة العقلية في تطور الانسان وتحكمه بقدراته الجسدية عن طريق العقل... كمصدر من مصادر الطاقة على الانتاج والابتكار والتفوق ...

لكن لو قارنا الآن ودرسنا كمركز المرأة العربية ...أين هي في هذا الوجود؟؟؟ لوجدناها أكثر شبهًا....(بالانسان البدائي.).....حين يعتريه الخوف من عوامل الطبيعة ويحس بخيبة جسده وضعفه أمام القوى الطبيعية التي تتحداه... فما زالت تحتاج للثقة بالنفس مدعومة بنضال دؤوب من أجل تغيير القوانين التي تتصدى لها وتقف حائلا أمام تطورها وامتلاكها لذاتها جسدا وقوة وكيان انساني متكامل ...عليها اكتشاف كل ماهو مخفي ومعلن من ذاتها..وتسخيرها جميعها في طريق الخلاص والابداع وانجاح الحياة... بجمالياتها وطاقاتها... وتعمل على اقصاء كل مايعترضها ...بالعلم والثقافة تستطيع التغلب ...حتى على البشاعة! واقصاء التيه الذي تخبطت به جداتها والنضال الدؤوب لتحصل ولتصل الى احترامها اجتماعيا لذاتها وكينونتها لا لجسدها ...بل لانسانيتها كقيمة.

fozmon@yahoo.fr

   

للتعليق على هذا الموضوع