10 مارس 2006

 

 

 

 

 

18 صحفيا ًفي السجن و100 دعوى ضد صحفيين في سنة واحدة

"لوموند" بوتفليقة مصمّم على "تطبيع" الصحافة: عهد الحرية والوقاحة ولّى

 

يطبّق علي جيري، مدير جريدة "الخبر" الجزائرية التي تعتبر الأكثر توزيعاً في البلاد (500 ألف نسخة، باللغة العربية) برنامج عمل مألوفاً. ويفعل مثله زميله "عمر بلحوشيت"، مدير جريدة "الوطن" (140 ألف نسخة، باللغة الفرنسية). فيوم الأحد، لديهما مواعيد مع قاضي التحقيق الإبتدائي. ويوم الثلاثاء، يكونان أمام المحكمة. ويوم الأربعاء، أمام محكمة التمييز.  ويعيش الإثنان حالة قريبة من إنهيار الأعصاب. وهما ليسا الوحيدين في هذه الحالة. فمدراء الصحف الجزائرية يُمضون حالياً نصف وقتهم في قصر العدل، الذي يقع أحيانا على مسافة 500 كلم من مكان عملهم.  ويعتبر كثير منهم أن ما يجري هو "تحرّش وإزعاج متعمد".

 

وكانت الصحافة الجزائرية قد اعتُبرت لمدة طويلة الصحافةَ الأكثر حرّية في منطقة المغرب، بل وربما في العالم العربي. ولكن، لم يعد مؤكّدا أنها ما تزال تستحق هذا اللقب اليوم. فالسلطة الجزائرية مصمّمة على "تطبيعها". إن النفور بين الرئيس عبد العزيز بوتفليقة والصحافة ليس وليد الساعة. وكان الرئيس الجزائري قد رفض خلال سنوات حكمه الأولى أن يرفع دعاوى ضد الإهانات والتشهير، وذلك إلتزاماً بما كان تعهّد به قبل انتخابه. ولكنه عدّل سياسته إبتداءً من فوزه بولاية ثانية، في أبريل 2004. والواقع أن بدايات التغيير تعود إلى العام 2001. ففي تلك السنة، تم استحداث جنحة الإساءة إلى رئيس الدولة والتشهير بالمؤسّسات في القانون الجزائري. ومنذ ذلك التاريخ، باتت أية إساءة إلى رئيس الجمهورية، أو إلى الجيش أو العدالة، بصورة خاصة، جناية تكّلف صاحبها عقوبة سجن غير قابلة للتخفيف تتراوح بين 3 و12 شهراً إضافة إلى غرامة كبيرة. وليس هنالك حاجة لتقديم دعوى من جانب طرف متضرّر: فالنيابة العامة يمكن أن تبادر بنفسها إلى الإدّعاء. ويقول المحامي خالد بورايو Khaled Bourayou أن "الرئيس بوتفليقة، فور التجديد له، باشر بتصفية حساباته. وقرر أن على الصحفيين أن يدفعوا ثمن الحملة المناوئة للتجديد له".

 

ويعتبر هذا المحامي المتخصّص في قانون الصحافة أن "ممارسة الصحافة في الجزائر اليوم تعني ممارسة مهنة ذات خطورة جنائية مرتفعة، وتعني بصورة خاصة أن مُمتُهنها يُعامَل وكأنه من الجانحين والجناة العاديين".

 

وفي العام 2005 وحده، تم تسجيل 100 دعوى ضد الصحافة. وحُكم على 18 صحفياً بأحكام سجن تنفيذية بانتظار مراجعة دعاواهم أمام محكمة النقض. وبين هؤلاء رسام الكاريكاتور "علي ديليم"  Ali Dilemالذي لا يفوّت فرصة للسخرية من الرئيس بوتفليقة ومن الجنرالات الجزائريين، الذين يصوّرهم دائماً في صورة زعماء مافيا. ويقول المحامي "خالد بورايو" أن "القضاة لا يريدون أن يفهموا أن الرسم الكاريكاتوري يستهزئ بشخصية ما أو يندّد بحدث ما ويسخر منه. وفي إحدى المرات، قال لي أحد القضاة: "أنت تدافع بإسم حق "السخرية". ولكنني نظرت في جميع القواميس، ووجدت أن "السخرية" تعني "الإستهزاء"، وهذا يستحق عقوبة".

 

وتضم السجون الجزائرية حالياً 3 صحفيين، بينهم المدير العام السابق لجريدة "لو ماتان"، محمد بن شيكو"Mohamed Benchicou  الذي يقضي عقوبة سنتين في السجن، "رسميا" بتهمة تزوير إيصالات مالية. وفي الشهر الماضي، دخل صحفي من جريدة "الخبر" السجن لأنه ندّد بفساد أحد النواب المحليين. ولم يستأنف الصحفي الحكم ضده لأنه يدرك مسبقاً أنه سيخسر إستئنافه. ويتّفق الصحفيون والمحامون في التذمّر من "الإستخدام المتزايد" للعدالة في الجزائر كأداة في يد السلطة. ويقول "عمر بلحوشيت"Omar Behouchet : "أنا لا أعتبر أن الصحفيين فوق الشبهات، وأنا أقبل بمبدأ أن عليهم أن يُحاسبوا على ما يكتبونه، ولكن من الواضح أن القضاة يريدون أن "يكسروا" الصحافة".

 

"عدو" ينبغي القضاء عليه

من جهته، يقول "علي جيري" Ali Djerri أن "العدالة في الجزائر هي إمتداد للسلطة. أن تعمل صحفياً يعني، بحدّ ذاته، أنك ارتكبت خطأ فادحاً. وجميع أنواع الشكاوى مقبولة في المحاكم. وهنالك حكم ضد الصحفي في جميع الحالات". ويعترف المحامي "بورايو"، من جهته، بأنه "لم يكسب مرة واحدة في دعوى مقامة على صحفي بتهمة التشهير".

 

والواقع أن الترسانة القانونية التي يستند إليها القضاة مخيفة. وبعكس زملائهم في الصحافة الفرنسية مثلاً، لا يحقّ للصحفيين الجزائريين التذرّع بـ"حسن النيّة". كما لا يحقّ لهم التذرّع بـ"استثناء الحقيقة". وفي قضايا التشهير تحديداً، فإن فترة التقادم (التي لا يجوز رفع دعوى بعد انقضائها) هي 3 سنوات وليس 3 أشهر. ولا يُشتَرَط أن يكون الضحيّة نفسه هو من يقيم الدعوى. كما أن إقدام المدّعي على سحب شكواه لا يوقّف الملاحقات. ويقول المحامي "بورايو" أنه "ليس هنالك ما يحمي حرية التعبير وممارسة العمل الصحفي في الجزائر". وهو يعتقد أن السلطة الجزائرية لا تعتبر الصحفيين الجزائريين سوى "عدو" ينبغي القضاء عليه.

 

هل تتحمّل الصحافة الجزائرية المسؤولية لأنها تجاوزت الحدود؟ مع أن الصحفيين يعترفون بوجود "إنحرافات وعدم خبرة"، فإنهم يعتبرون أن ذلك لا يبرّر عقوبات السجن. ويقول مديرا جريدتي "الوطن" و"الخبر" أنهما "يردّان عبر زيادة المستوى المهني على القمع المتزايد الذي تمارسه السلطة". وهذا صحيح. ولكن إمكاناتهم تبدو ضئيلة جداً في وجه قدرات السلطة.  

 

إن الصعوبة الكبرى التي تواجه الصحافة هي غياب المحاورين. وحينما يطرح الصحفيون أسئلة حول أي موضوع، فإنهم يُواجهون بالصمت. ويقول علي جيري مندّدا: "لا نستطيع الوصول إلى مصادر المعلومات. ولا يحدث إطلاقاً أن تؤكد السلطة معلومة، أو أن تنفيها. إنها تمارس سياسة الإزدراء".

 

ما فائدة صحافة الجزائر؟ كل شيء، ولا شيء. وهذه مأساتها. فهي مطالبة بأن تلعب كل الأدوار في آن معا: أدوار الأحزاب السياسية، ودور المعارضة، ودور الوسيط بين المجتمع المدني والسلطة. ولكن، ما مدى تأثيرها؟ يقول مدير جريدة "لو ماتان" أن "السلطة تسمح لنا بأن نكتب ما تريد هي، وبعد ذلك فإنها تفعل ما تشاء". وكان الصحفيون العاملون في الصحف الخاصة هم طليعة المجاهدين ضد الإرهاب في سنوات الحرب الأهلية. ولكنها، كذلك، غالباً ما شكّلوا تغطية للسلطة بتبنّيهم للدعوات "الإستئصالية" (نسبة للإتجاه الداعي إلى "استئصال" الإسلاميين المسلّحين).

 

ولم يعد "النظام" الجزائري بحاجة لهم اليوم. فوسائل الإعلام الرسمية، من إذاعة وتلفزيون، تكفيه. ويقول "علي جيري": "نحن نتلمّس حولنا، ونبذل جهوداً، ولكننا نواجه سلطة ترغب في دفعنا إلى التطرف وإلى ارتكاب أخطاء. قبل أن تتحدث السلطة عن "تطبيع" الصحفيين، فإنه يجدر بها أن تقوم بـ"تطبيع" ممارساتها هي".

(تحقيق Florence Beaugé في جريدة "لوموند")

 

للتعليق على هذا الموضوع