16 فبراير 2006

 

 

 

الكاريكاتور.. بين العلمانية الهجومية والعلمانية المعتدلة

فاخر السلطان

 

حسب العديد من المفكرين، ومنهم الإيراني الدكتور عبدالكريم سروش، فإن العلمانية السياسية هي فصل الدين عن الحكومة أو الدولة، وليس بالضرورة عن السياسة..

 

وبما أن أحد أسس فصل الدين عن الحكومة هو الفصل "الحقوقي" فذلك يعني بأن القائمين على الحكم والمتصدين له لا يأخذون حق الحاكمية من الدين. فالفقيه أو رجل الدين حسب هذا التعريف لا يمكن أن تكون امتيازاته الدينية نابعة من حاكميته.

 

وتعتبر نظرية ولاية الفقيه الشيعية المطبقة في الحكم في إيران في الوقت الراهن، هي المثال الأبرز الدال على عدم فصل الدين عن الحكومة.

 

ففي ولاية الفقيه، يعتبر حق الحاكمية للفقيه بالنظر إلى أنه فقيه. بمعنى أن الإنسان حينما يصبح فقيها يحق له بالتالي أن يصبح سياسيا ومن ثم حاكما. وهذا النوع من الحاكمية يجسد اللافصل الحقوقي. 

 

ومما يقوله المنظرون لولاية الفقيه من الفقهاء والمجتهدين الشيعة في هذا الإطار أنه إذا أراد الناس للفقيه أن يصبح سياسيا وحاكما فذلك أمر مرغوب ومحبوب، أما إذا لم يرضوا به حاكما فإن الخلل لا يكون في النظرية بل يكون في الناس، لأنهم لم يفهموا حق الحاكمية الدينية الذي هو حق للفقيه ولا يمكن أن يتغير.

 

إن فصل الدين عن الحكومة يعني أيضا الفصل "التشريعي" ما بين الاثنين. فهناك من يقول بأنه إذا لم تكن ميزة الفقه دليلا على ضرورة حاكمية الفقيه، أي بما أن رجل الدين أو الفقيه ليست له حق الحاكمية بالنظر إلى كونه فقيها، لكن لابد من تفعيل الأحكام الإسلامية في إطار قوانين المجتمع وتفعيل التشريع الإسلامي. ففي حين انه يتم هنا قطع الجانب الحقوقي ما بين الفقيه أو رجل الدين وبين الحكومة، لكن لم يتم قطع الجانب التشريعي ما بين الأثنين. وبالتالي فإن العلمانية السياسية تعني فصل الدين عن الحكومة من الناحية "الحقوقية" ومن الناحية "التشريعية" أيضا.

 

وفي واقعنا الراهن فإن جهود الجماعات والتنظيمات الإسلامية الأصولية عادة ما تكون منصبة على عدم فصل الدين عن الحكومة من الناحية التشريعية، وليس من الناحية الحقوقية. أي تنصب تلك الجهود على تحويل القوانين الوضعية في المجتمع إلى قوانين مرتبطة بالتشريع الإسلامي.

 

ففي الكويت مثلا يصارع الاسلاميون لتعديل المادة الثانية من الدستور (دين الدولة الاسلام، والشريعة الاسلامية مصدر رئيسي للتشريع)، حيث تسعى قواهم وبالذات السنية إلى الدفع بتلك المادة وغيرها من المواد بغية أسلمتها كليةً لمواجهة العلمنة السياسية التشريعية. أي انها تحاول تغيير فحوى المادة الفائتة التي تقول بأن الاسلام مصدر رئيسي للتتشريع لتصار إلى أنه "المصدر الرئيسي للتشريع".

 

ويعتبر عالم اليوم هذا النوع من فصل الدين عن الحكومة (الفصل الحقوقي والتشريعي) نوعا من الحياد الحكومي غير المؤدلج. أي أن الحكومة بالنسبة لهذا النوع من الفصل ليست فقط غير مستندة إلى أي دين، وإنما أيضا تتخذ موقف الحياد تجاه جميع الأديان الموجودة في المجتمع حيث لا تفضل أياًّ منها على الآخر.

 

لكن في الولايات المتحدة الاميركية وبالرغم من أن الناس غير علمانيين إلا أن الحكومة علمانية بدرجة كبيرة. فمثلا ليس من حق الحكومة الأميركية حتى بناء كنيسة واحدة. ووفق الدستور الأميركي ليس من حق الحكومة أن تصرف أموال الضرائب المأخوذة من الناس لبناء وتشييد المراكز والمعابد الدينية.

 

إن على الحكومة العلمانية في المجتمع المتعدد الثقافات والمذاهب والديانات (المجتمع البلوراليزمي) أن تتخذ موقف الحياد في مواجهتها لقضايا تلك التعدديات (لبنان والعراق هما أبرز مثالين عربيين) وإلا أصيب المجتمع بعاهات وتعرض لمشاكل لا حصر لها.

 

كما أن العلمانية في نفسها ليست مبدءا محايدا، فهي تستطيع أن تكون محايدة في مواجهتها لتعدد الأديان والمذاهب، لكنها لا تستطيع أن تكون محايدة في عالم الثقافات والمفاهيم الإنسانية، هذا إذا ما آمنا بأنه لا يوجد في عالم الواقع حياد محض، إذ عادة ما يكون الحياد تجاه شئ ما هو اللاحياد تجاه شيء آخر.

 

فالحكومة العلمانية، حسب غالبية المفكرين، لا تستطيع أن تكون محايدة بالنسبة لمبادئها ومفاهيمها، لكنها تستطيع أن تلتزم بالحياد بالنسبة للقضايا الأخرى، ودائما ما جرت الأمور على هذا المنوال، بل لا يمكن للأمور أن تجري بغير هذا المنوال.

 

في المحصلة، يوجد في الغرب نوعان من العلمانية السياسية، الأولى هي العلمانية الهجومية التي تسعى لجر المجتمع نحوها، والثانية هي العلمانية المعتدلة والحيادية الغير هجومية والتي تستطيع أن تتحمل ظروف المجتمع.

 

ويعتقد المراقبون أن علمانية أوروبا بشكل عام والدول الاسكندنافية التي تنتمي إليها الدنمارك على وجه الخصوص تعتبر هجومية، فيما علمانية أميركا فهي معتدلة. ويعتبر الموقف الأوروبي من قضية الرسوم ضد النبي محمد ومن قبلها من قضية الحجاب في فرنسا دليلا على هجومية علمانيتها. في حين لم يكن الموقف الأميركي من القضيتين هجوميا بل معتدلا يحاول احتواء القضيتين ضمن إطار الحريات بما يؤدي إلى احترام الإنسان لا مهاجمته والحط من قدره. فالهجوم على الإنسان بدعوى المحافظة على العلمانية هو في الأصل يناهض رؤى الحرية والتعددية. واحترام الأساس والمبدأ في العلمانية يعني احترام الإنسان أولا وأخيرا.

 

ففي العلمانية مثلا لا يمكن طرح مسألة الحق والباطل، باعتبار أن جميع القضايا والأمور نسبية ولا يمكن لها أن تميل إلى المطلق. بل جل ما يطرح في العلمانية هو مطالب الناس، ومادامت هذه المطالب لا تناهض حقوق الإنسان فيجب أن تنفذ.

 

لكن أن تواجه الدول الاسكندنافية قضية الرسوم الكاريكاتورية ضد النبي بوصفها تجسد حرية التعبير بما تعتبره أحد أسس العلمانية، فذلك يناقض مبادئ أخرى في العلمانية مثل مبدأ احترام الانسان نفسه ومبدأ التسامح في إطار تنوع الثقافات. فالموقف الأوروبي الاسكندنافي والدنماركي بالدرجة الأولى هو انعكاس لعلمانيته الهجومية غير المتسامحة التي لم تعش ظروف التنوع الثقافي الشديد الذي يدعو في نهاية المطاف إلى احترام الثقافات بما يؤدي إلى احترام رموزها. أي أنها لم تعش مظاهر العلمانية الأميركية المعتدلة وغير الهجومية والتي قبلت بسيطرة أعلى درجات التسامح في المجتمع من خلال انتشار تنوع الثقافات والديانات فيها.

 

مثل ذلك الأمر تجسد أيضا في موقف فرنسا من قضية لبس الحجاب، والذي استند إلى أنه تسبب في تحقير المرأة دينيا، أي أن الحكومة الفرنسية اعتبرت القضية حق أو باطل، وبالتالي حسب الفرنسيين والأوروبيين فإن إجبار المرأة على منعها من لبس الحجاب هو دفاع عن إنسانيتها، لكنه في الواقع كان خروجا عن أصول العلمانية والديمقراطية خاصة في جانبها الديني حيث يجب أن لا تتدخل الحكومات العلمانية في تدين الناس.

 

*كاتب كويتي

ssultann@hotmail.com

           

للتعليق على هذا الموضوع