2 مارس 2005

ضـجة فــي الـبيت الشيعي

 فادي توفيق

قبل المجزرة التي استهدفت الحريري، كانت المعركة السياسية في لبنان قد بدأت تدور على مسألة الاستقلال والتحرر من القبضة السورية التي تتطبق على البلاد. لم يكن هذا الاغتيال سوى صورة من الصور التي يدافع فيها نظام الوصاية السورية عن نفسه، لعله بذلك يعوق انتقال طائفة لبنانية جديدة الى معركة الاستقلال. المفارقة ان الاغتيال ساهم في تسريع انتقال الطائفة السنية الى معركة الاستقلال على نحو واضح وجلي، مثلت عليه أفضل تمثيل الشعارات التي جهرت بها مسيرة يوم التشييع وتظاهرة ذكرى الاسبوع وأجمعت على مناهضة الاحتلال السوري للبنان وطالبت بزواله.

لم يحدث هذا كله دفعة واحدة. لم ينم اللبنانيون ذات ليلة مؤيدين لسوريا ليستفيقوا في الصباح التالي مناهضين لها. كان ثمة بالتأكيد رفض لبناني جامع للإحتلال السوري ونظامه العميل والتابع في لبنان، لكن مثل هذا الرفض لم يكن له ان يظهر على الملأ في ظل نظام الارهاب السوري الذي توسل بالاغتيال والقمع والاضطهاد سبيلاً لإسكات اصوات الاعتراض واستتباعها.

في اغتيال الحريري لم يفعل النظام السوري سوى متابعة نهج كان بدأه مع كمال جنبلاط. يومذاك وُضع الدروز ومعهم وليد جنبلاط بين حدين لا ثالث لهما: الابادة او السير في ركب النظام السوري. فكان ان اختار الوليد الخيار الثاني لاسيما ان الأول، أي الابادة، لا ينقصه الكثير الكثير من الجدية لمن قيِّض له الوقوف على صنيع نظام البعث في مدينة حماة.

على النحو نفسه جرى استتباع الطوائف الاخرى. الطائفة السنية خبرت ذلك جيدا بعد اغتيال المفتي حسن خالد والشيخ صبحي الصالح والنائب ناظم القادري. آنذاك، وفي خضم الحرب، كان على الجميع ان يفهم الرسالة جيدا وان يستنكف عن معاندة الارادة السورية ومشيئتها، وإلا كان القتل من نصيبه ايضاً.

الشيعة ايضاً مسّهم الشيء الكثير من هذا ايضاً.استعمل نظام البعث الحزبين الشيعيين في تهديد واحدهم الآخر بالافناء، فكانت النتيجة ان الحزبين انتهيا الى إمرة السيد السوري. "حزب الله" بدوره تأخر قليلاً عن الالتحاق بالركب، فكان لا بد من مجزرة في حجم "مجزرة فتح الله" الشهيرة.

كل طائفة من طوائف لبنان فقدت قائداً سياسياً أو أكثر في سياق مسعى نظام البعث السوري للهيمنة على لبنان. يتضح هذا جيدا بالعودة الى الارشيف حيث لكل طائفة وجهة لبنانية نصيبهما من التنديد بالصنيع الدموي للبعث السوري في لبنان.

لا أزال أذكر جيداً، وقد كنت فتىً، ولم يكن السيد حسن نصرالله قد صار بعد أميناً عاما لـ "حزب الله"، لا أزال أذكر خطاب السيد في الضاحية الجنوبية مهاجماً نظام الاسد وعامله في لبنان غازي كنعان بعد "مجزرة فتح الله" التي قُتل فيها العشرات من شبان "حزب الله" بدم بارد وبوحشية قلّ نظيرهما.

هل كان السيد حسن نصرالله يومذاك مخطئاً في ما قاله في حق النظام السوري وجيشه في لبنان؟ بالتأكيد لا. لكن المسألة لم تكن مسألة خطأ وصواب. فمع نظام البعث السوري كانت المسألة ان يكون الحزب أو لا يكون، فاختار السيد وقيادة الحزب الخيار الاول وإن كان البقاء سيكون مشوباً باسستباع السيد السوري.

من حماة الى حرب المئة يوم الى تل الزعتر، ثمة الكثير من مآثر نظام البعث السوري كانت كفيلة وحدها ردع اأطراف لبنانيين عديدين عن الوصول بالخلاف مع هذا النظام حدّ المواجهة المفتوحة. لعل في هذا ما يسوّغ التسامح حيال صمت الكثيرين من اللبنانيين وممالأتهم جيش الاحتلال البعثي ومخابراته.

نعم، كان الصمت مفهوما في مراحل سابقة وخصوصاً في فترة الحرب، يوم كان الاحتلال السوري مباركَاً دولياً، ويوم كان في وسعه أن يقتل ويفني ويبعد كل من يعترض طريقه ولا تروقه مواقفه وسياساته في خضم الحرب تلك.

اليوم، تبدلت الاوضاع. اللبنانيون متفقون، أقلّه على صيغة للحكم شكّل اتفاق الطائف إطارها، وقد بات جيش الاحتلال السوري أعجز من إخافة أحد بالافناء. في هذا الاطار، ليست عودة نظام البعث الى سياسات الاغتيال سوى إشارة دامغة الى الضعف الذي حلّ في جسد نظام الوصاية المتداعي.

يمكن المجادلة كثيراً في صواب خيار الصمت في اوقات سابقة، كما يمكن إحصاء الاثمان الباهظة التي دفعت من مصلحة لبنان جراء هذا الصمت، لكن احداً لم يكن يمكنه ان ينفي عن مثل ذاك الخيار

كونه خيارا عقلانيا ما دام البديل منه كان الدخول في مواجهة مفتوحة مع آلة القتل البعثية في ظل رعاية دولية وعربية لها.

غير ان ما كان مبرراً ومفهوما في أوقات سابقة لم يعد كذلك الآن وخصوصاً بعدما خرجت طوائف وجهات سياسية لبنانية كثيرة عن صمتها لتجهر بطلبها استعادة السيادة من مغتصبيها.

تبدلت الظروف واستحال ما كان خيارا عقلانيا الى نقيضه. ها هنا يحضر بشكل فاضح الاستثناء الشيعي على الاجماع اللبناني حيال رفض الاحتلال السوري. ليس معنى هذا بالطبع ان شيعة كثيرين لا يتمنون الخلاص من الاحتلال السوري ومخابراته، اذ ان المعني بالخروج الشيعي على الاجماع اللبناني في هذا المجال ليس سوى التنظيمات السياسية الشيعية التي في صمتها على الاحتلال السوري، تُظهر الشيعة اللبنانيين كما لو انهم ميليشيا وسند للاحتلال السوري في مواجهة اللبنانيين جميعاً.

مرة أخرى، كان خيار المواجهة من قبل خياراً انتحارياً اختاره البعض ونكص عنه البعض الآخر خوفاً على وجوده. اليوم تبدلت الظروف وأمسى الصمت على الاحتلال السوري هو الانتحار في عينه.

ولئن يكن صحيحا أن الاستنكاف عن المشاركة في معركة الاستقلال هو انتحار لكل طرف سياسي بعامة، فهو انتحار في الاخص لـ "حزب الله" هذا الذي يبدو اليوم أحوج ما يكون لإلتفاف اللبنانيين حوله وحمايته. فأي مصلحة لهذا الحزب في خسارة هذا المدى اللبناني الجامع في ظل تعلق مصيره بقرار دولي ليس لغير اللبنانيين تجنيبه مفاعيله؟ وأي مصلحة لـ "حزب الله" في استعداء اللبنانيين جميعاً؟

اما وأن خيار "حزب الله" يبدو حتى الآن الوقوف سنداً لسوريا، على ما تشي به مشاركته في لقاءات عين التينة رغم كل العواقب المترتبة على ذلك،

فلمحازبي الحزب ان يسألوا قادتهم الى أين انتم ذاهبون بنا ولسان حالهم يقول: نفهم ان نساير السوري على سبيل الاضطرار لحفظ المقاومة، لكن كيف لنا ان نفهم ان نبقى مع السوري على سبيل الاختيار، وفي هذا تعريض لسلامة المقاومة ولسلامتنا وخسارة الحاضنة اللبنانية؟!

الإسئلة هذه تضج في شوارع الضاحية والجنوب والبقاع، فإلى اي حد يقدر "حزب الله" على إبقاء جماهيره خارج معركة الاستقلال؟

استدراك

لئن يكن  صحيحاً ان التردي الذي آلت اليه العلاقات اللبنانية السورية تتحمله أولاً وآخراً سلطة البعث التي لم تتورع عن ارتكاب افظع الممارسات في لبنان، فالصحيح ايضا ان هذا لا ينفي مسؤوليتنا نحن اللبنانيين عن  الحؤول دون انزلاق الخطاب السياسي المناهض لسوريا النظام الى التعرض لسوريا الشعب، كأنما ليس ثمة فارقاً بين الاثنين.

وما شهده لبنان من اعتداءات طاولت عمال سوريين عزّل غداة إغتيال الرئيس رفيق الحريري يجعل هذه المهمة ملحة.

يجب ان يدرك اللبنانيون وهم يناضلون من اجل اخراج قوات الاحتلال البعثية - السورية ان معركتهم هي مع نظام البعث وحسب، إذ في المماهاة بين النظام السوري وشعبه خدمة مجانية لنظام متسلط يفتقر الى مشروعية شعبية في حكمه لسوريا فكيف يإحتلاله للبنان وممارساته فيه.

ليس للشعب السوري اي ذنب في ما ارتكبه ويرتكبه نظام البعث السوري في لبنان. والتمييز بين الشعب والنظام امر ليس تفصيلياً في مواجهة نظام مأزوم. فعدا ان هذا التمييز واجب اخلاقي فإنه لا يخلو من مصلحة سياسية لبنانية.

بمثابة اقتراح

كان السياسيون اللبنانيون العاملون في إمرة نظام البعث حين يودون ارسال مديحهم في النظام السوري يشيرون الى سوريا بمسمّى "سوريا الاسد" . هذه العبارة على ما فيها من ازراء لدولة في حجم سوريا من طريق اختزالها بشخص، تبدو اليوم اذ ما استخدمتها المعارضة الإستقلالية أصدق تعبيراً عن الجهة التي اليها يتوجهون في اعتراضهم .

 

(ملحق "النهار")

 

للتعليق على هذا الموضوع