27 يوليو 2006

 

 

 

 

 

 

حزب الله والعودة إلى المربع الأول!

د. النور حمد

 

جاء في "مؤتمر اللاءات الثلاث" عقب هزيمة يونيو/حزيران 1967، أن "لا اعتراف، ولا صلح، ولا تفاوض، مع إسرائيل". وحين تمت إذاعة مقررات مؤتمر اللاءات الثلاث من العاصمة السودانية الخرطوم، كانت إسرائيل ساعتها متربعة على كل من صحراء سيناء المصرية، والجولان السورية، والضفة الغربية، وقطاع غزة. في حرب حزيران كانت مصر هي البادية بالتحرش بإسرائيل. وفيما تسميه قناة الجزيرة اليوم، "الحرب السادسة" كان حزب الله هو الباديء بالتحرش بإسرائيل. وما أشبه الليلة بالبارحة!

 

 أضاعت الأمة العربية مئات الآلاف من الأنفس، ومليارت الدولارات في شراء أسلحة من "الحراج الروسي" لم يكسب بها العرب معركة واحدة. وضاعت عقود ثمينة من الزمن، كان من الممكن أن تستثمر في تعليم نافع، وتنمية سياسية، وإقتصادية، وبشرية، وإدارية، تخرج بالمنطقة من احتلال مؤخرة القافلة البشرية، إلى مواقع أكثر صدارة فيها. ومضى الوقت، ورويدا رويدا، خرجت كل من مصر والأردن، والفلسطينيون، إلا قليلا، من وهدة المراهقة العربية السياسية الطويلة. وعاد من سبق أن وقعوا ككيان متحد على إعلان "اللاءت الثلاث" في الخرطوم، ليوقعوا منفردين على إتفاقيات اعتراف، وصلح مع اسرائيل. وبان لكل ذي عينين وهم "وحدة الصف العربي".

 

 اندفن في صحاري المنطقة، بفعل الزمن، ما سُمي بـ "المد القومي العربي التحرري". والذي تبقى من ذلك الوهم الكبير في القطر العراقي، مد له دهاقنة السياسة الأمريكية، طعما باحتلال الكويت، فالتقمه. فدارت عليه الدوائر في جولتين كاسحتين: في الجولة الأولى، تم إخراجه من الكويت، بمساندة أغلبية الدول العربية، وكل دول العالم تقريبا. واكتفى المؤدبون في الجولة الأولى، بتكسير أجنحته فقط. غير أنه في غمرة يأس الإخراج المذل من الكويت، أرسل بضع صواريخ يائسة أصابت بعض الشقق السكنية في إسرائيل. وهنا صممت إسرائيل على استئصال شأفته، طال الزمن أم قصر، وقد كان. أما الجولة الثانية فقد جاءت بعد ما يزيد على العقد من الزمان، أثر حبكة ملفقة لم يستطيع العالم بأسره منعها من الوصول إلى هدفها. عادت أمريكا مرة أخرى، بقضها وقضيضها إلى العراق. فأكمل بوش الإبن ما بدأه بوش الأب. وظننا أننا خرجنا من كابوس المراهقة القومية البعثية الطويل، مرة واحدة، وإلى الأبد. ولكن خاب فألنا. فهاهو حزب الله يعيدنا إلى المربع الأول مرة أخرى.

 

لا أود أن أبدو كمن يتعامى عن انجازات حزب الله، والأهمية التي اكتسبها في الساحة اللبنانية. فقد كان لحزب الله القدح المعلى في معركة تحرير الجنوب اللبناني من الإحتلال الإسرائيلي. كما أن محاربي حزب الله أعادوا للجندي العربي كرامته وهيبته التي مرغها القوميون والبعثيون في الرغام في سلسلة الهزائم العربية المتكررة. وحتى القوى الداعمة لأسرائيل في الإعلام الأمريكي، وما أكثرها، شهدت بصلابة وحرفية مقاتلي حزب الله. وقد قال بعضهم إن الجيوش النظامية العربية التي حاربت إسرائيل من قبل، لم تسطع على ضخامة أعدادها وكثرة عتادها، أن تلحق بالجيش الإسرائيلي خسائرا، كالتي ألحقها به حزب الله. كما شهدوا له بالتغلغل وسط بسطاء الناس من اللبنانيين، وتقديم يد العون والرعاية للمحتاجين. وقد شهدوا له أيضا ـ وهذا مهم جدا ـ بإخراج الجنوب اللبناني الشيعي المهمش تاريخيا، والأكثر فقرا، من حاله ذاك، إلى حال جديد أفضل. ولكن حزب الله، مثله مثل إسرائيل نفسها، قائم على عقيدة دينية. والعقيدة الدينية تعمي عن رؤية الواقع والتعامل معه بعقلانية. غير أن الإسرائيليين، فيما أرى، أكثر مرونة، وعملية، في التعامل مع عقيدتهم وأساطيرهم، من قومنا هؤلاء.

 

كان من الممكن أن يستخدم حزب الله المصداقية التي اكتسبها عقب إجلاء إسرائيل عن الجنوب اللبناني في أن يصبح كيانا لبنانيا سياسيا قوميا، ينتمي إليه اللبنانيون بشتى انتماءاتهم الدينية. وكان من الممكن أن يذيب مليشياته المسلحة في الجيش القومي اللبناني، ورفد ذلك الجيش الضعيف بخبرة ودربة وصلابة ومراس جنود حزب الله، وأسلحته أيضا، وفق خطة صبورة، مثابرة، طويلة الأمد. ولكن الإرتهان للعقيدة الدينية، والتجذر في الرؤى الشيعية الإيرانية، وخطتها للمنطقة العربية بأسرها، صرفا حزب الله من أن يصبح حزبا لبنانيا صميما، له رؤاه الخاصة، وأبقيا عليه في خانة الصنيعة الأجنبية، فظل مرتهنا للخط السياسي الإيراني، القائم على الرؤى الشيعية الغنوصية. وفي نفس السياق من التحالفات السياسية المرحلية التي ربطت إيران بسوريا، أصبح حزب الله مخلب قط لسوريا في التراب اللبناني. فأصبحت سوريا تسخدمه في إدارة حرب غير مباشرة مع إسرائيل، عجزت هي عن إدارتها أصالة عن نفسها. رغم أن هضبة الجولان التابعة لها، قد ظلت محتلة منذ قرابة الأربعين عاما. وقد أشارت بعض التقارير إلى أن حزب الله قد فقد كثيرا من مصداقيته وسط اللبنانيين، بسبب موقفه من قضية مقتل رفيق الحريري، بسبب الإرتباط السوري.

 

نتيجة لهذا الوضع الشاذ لحزب الله داخل لبنان، أصبح المواطن اللبناني البسيط وأمنه، والتراب اللبناني وأمنه، والسيادة اللبنانية، وإيقاع الحياة اللبنانية اليومي، هي القربان الذي يتم تقديمه، بلا جدول زمني معروف، من أجل عيون إيران وسوريا! ليس من المقبول أن يكون في الدولة الواحدة جيش مواز للجيش النظامي. جيش يتخذ قراراته بمفرده بعيدا عن وزارة الدفاع، ووزارة الخارجية، ومجلس الوزراء، ورئاسة الجمهورية. بل ويشعل حروبا بمفرده تدفع ثمنها البلاد ككل. وقد اعترف قادة حزب الله بأنهم لم يكونوا يتوقعون ردا إسرائليا بهذا الحجم نتيجة لإختطافهم جنديين إسرائليين!! والسؤال: لماذا لم يكونوا يتوقعون؟ فأي سياسي ذاك الذي يبني مغامراته على حسابات متفائلة، لا تسندها غير الغفلة، ولا تقف وراءها سوى قراءة خاطئة للإحتمالات المترتبة على المغامرة؟

 

أعلم أن كثيرا من السياسيين اللبنانيين متصالحون مع وضعية حزب الله الشاذة تلك. وأعلم أنهم يسمون مليشات حزب الله بـ "المقاومة اللبنانية". كما أعلم أن بعضا من الصحف اللبنانية تبرر لهذا الوضع الشاذ أيضا. ولكنه وضع خاطئ خطأ جذريا، مهما نافح عنه المنافحون. فهو وضع يخلق إزدواجية لا يمكن أن تقوم للدولة القومية الموحدة معه قائمة. فهذا الوضع يمثل قنبلة موقوتة ضد الوحدة الوطنية، والإستقرار السياسي، طال أمد تلك القنبلة، أم قصر. والإسرائيليون يعرفون العقيدة الشيعية، معرفة عميقة. كما يعرفون رأي حزب الله الثابت في الكيان الإسرائيلي. هم يعرفون ذلك ويحسبون له حسابه، ولا يعميهم عن رؤيته التعلل بمشكلة مزارع شبعا، وقضية المحتجزين اللبنانيين في السجون الإسرائلية. الإسرائيليون لا يريدون جارا مستقبليا لا يؤمن من حيث المبدأ بالتعايش السلمي معهم. وهذا ما من أجله هبوا هذه الهبة الكاسحة، خشية أن يفوت عليهم الأوان.

 

سؤالي هو: ما يضير حزب الله، وما يضير منظمة حماس، لو أنهما أعلنا أنهما يقبلان بالتعايش السلمي المشروط مع إسرائيل. فأخشى ما أخشاه أن يفعلوا ذلك بعد فوات الأوان. ويصبح الإعتراف الجديد، مثل الإعترافات السابقة، التي جاءت متأخرة، فقلت فيها المكاسب وضمرت. فلو أعلن كل من حزب الله، وحماس، وغيرها من المنظمات الفلسطينية المتشددة قبول التعايش مع دولة إسرائيل، لسلبوا إسرائيل من سلاح خطابي فتاك، لا تزال تستخدمة لاستحلاب عطف شعوب العالم. ولكنها العقيدة الدينية التي لا تتزحزح عند كل من حزب الله وحماس. وهنا يكمن خطر الوجهة السياسية لكل من هذين الجسمين السياسيين. وليس من العدل في شيء، أن يتم رهن لبنان ومقدراته، وأهله بكل عقائدهم، وطوائفهم، وتوجهاتهم السياسية المختلفة، للمرجعية الشيعية،  وللإستراتيجية السورية، في التعامل مع دولة إسرائيل. ثم يكون على اللبنانيين وحدهم دفع الثمن!

 

هل يا ترى، يظن كل من حزب الله ومنظمة حماس الفلسطينية أنهما سوف يفلحان في استئصال إسرائيل ورميها في البحر، عن طريق إعادة الخطاب السياسي الناصري إلى الساحة مرة أخرى، مع تغيير طفيف لا يتعدى المظهر، من عباءة، وعمامة، ولحية؟ أم أنهما يظنان أن البقاء في حالة حرب مستمرة مع إسرائيل سوف تقود إلى التفاف الشعوب العربية حولهما فيصبحان قطب توحيد الأمة الجديد؟ ولماذا يظنان أنهما سوف ينجحان في ما فشلت فيه الناصرية، والبعث بشقيه. وقد كان للناصرية وللبعث دولة، بل ودولا تقف من ورائهما. في حين لا يشكل كل من حماس وحزب الله سوى مليشيتين، ليس لأي منهما سوى بضع آلاف من المقاتلين، وبضع مساحة من أرض، تستطيع إسرائيل احتلالها في ساعات، بل وتستطيع دكها وتحويلها إلى ركام ورماد، والناس قيام ينظرون!!

 

لقد أضاع حزب الله مصداقيته، وأضاع اللحظة السايكولوجية التي كان من الممكن أن يتحول فيها إلى كيان لبناني أصيل، فاعل وبناء، وذلك بسبب جذوره الممتدة خارج التربة اللبنانية. الأمر الذي جعل دولا عربية كبرى تصفه بالباديء للمأزق الراهن. وأضاعت حماس كسبها للإنتخابات الفلسطينية، ووقوف الشارع الفلسطيني معها، بسبب عمى قادتها عن رؤية أي شيء آخر، غير عقيدتهم الدينية. وبسبب هذه العقيدة الدينية الجامدة سوف تبقى تهمة "الإرهاب" عالقة بهذين التنظيمين، مهما فعلا. ولسوف لن يكون لهما نصير من العالمين أبدا، سوى أولئك الذين يعتقدون أصلا في عقيدتيهم الجامدتين. غير أن عزاءنا ربما يكون في أن حجم الطاقة المهدرة، لن يكون هذه المرة، فادحا كما حدث في عهدي الناصرية والبعث. وكما يقول المثل السوداني، "العافية درجات".

  elnour_hamad@hotmail.com

 

* كاتب سوداني- بنسلفانيا

 

 للتعليق على الموضوع