13 ديسمبر 2004

 

(ننشر المقال الجميل التالي على ذمّة "الشرق الأوسط" السعودية. وهو يغني عن التعليق)

 

ناشر كتب: الرقابة كانت عشوائية.. وما سمح به في الرياض منع في جدة

معرض الكتاب الدولي في جدة بين الخيبة والانشراح في نفوس القراء والناشرين

جدة: حليمة مظفر

انقسم الزائرون لمعرض الكتاب الدولي بجدة إلى أحزاب داخل المعرض والتف أغلبهم حول دور النشر التي تقدم الكتاب الإسلامي، ومنهم من اتجه نحو التي تهتم بالفلسفة والسياسة والأدب بمختلف اتجاهاته. وطلب ماجد، وهو شاب سعودي من هواة الشعر، من أحد الناشرين اللبنانيين، مجموعة نزار قباني الشعرية فبادره الناشر قائلا ممنوع، ألا تعرف أنها من المحرمات لديكم، ثم سأله ثانية ماذا عن روايات عبد الرحمن منيف؟، أجابه بيأس الأمر ذاته يا ولدي، ابتسم ماجد بسخرية وقال شعر نزار موجود في كثير من المواقع على شبكة الإنترنت، وقد اطلعت عليه من خلاله، وأحببت اقتناءه، وحسبت أن معرض الكتاب بجدة سيتيح لي ذلك، إلا أننا ما زلنا غير قادرين على استيعاب الإعلام المفتوح الذي نعيشه، وأن عهد الوصاية على القارئ قد انتهى. لكن هند، طالبة دراسات عليا، ظلت تطوف دور النشر غير يائسة بين أروقة المعرض باحثة عن كتب يمكن أن تفيدها في رسالة الدكتوراه حول الرياضيات، وتساءلت لماذا هو معرض للكتاب ولا توجد به الكتب التي نحتاج إليها؟ لقد كنت أتوقع أن أجد كتبا تفيد تخصصي، ولكن لا مفر من السفر إلى الخارج بحثا عن المراجع. أما محمد، الذي يدرس الشريعة الإسلامية ومقبل من المدينة، فكان محملا بمشترياته من الكتب، وقال إنه معرض ممتاز من حيث التنظيم وتوفير الكتب المتنوعة، وكما ترين أحمل مجموعة منها، وأعتقد أنه غطى حاجاتنا القرائية التي تتناسب مع خصوصية مجتمعنا وثقافتنا، وتابع قائلا عندما سئل إن كانت هناك كتب ما توقعها ولم يجدها أبدا إلى الآن لم أواجه مشكلة مع الكتب التي أحتاج إليها، وأعتقد أنها متوفرة وإن كنت لم أنته بعد من التجوال والبحث.

وفي جانب آخر اجتمع بعض المراهقين حول مجموعة من الكتب الدينية التي ظلوا يتناقشون حولها وحول اقتنائها، وفي ذلك يقول صالح: أحب أن أقرأ الكتب الدينية كثيرا، والفضل يعود لأستاذي الذي دائما ما يشجعنا على اقتنائها وقراءتها، وكم أحب اقتناء كتب عائض القرني. وصالح لا يميل هو ورفاقه لقراءة الكتب العلمية التي تتناول علم الفيزياء والرياضيات والفكر وغيرها، وأجاب على سؤال: لماذا ؟ قائلا: لا أشعر بميل لها، فهي صعبة ولا أفهمها، بينما صديقه خالد قال بصراحة نحن ندرسها في الثانوية لكن الأستاذ، للأسف، يلقيها لنا لنحفظها فقط، وأضاف أفضل قراءة الكتب الدينية والتربوية، فهي تحملني على أن أعرف الخير من الشر، وتحثني على طاعة الله والزهد في الدنيا ابتغاء وجهه، و أفضل أن أقرأ ما ينفعني لآخرتي.

لكن ما قاله خالد لم يعجب لمى سعيد، طالبة جامعية، هي وأختها اللتان كانتا تتجولا بين دور النشر اللبنانية بحثا عن الروايات وكتب الشعر والفلسفة، قالت لمىلا أحب أن أوجه قراءتي في اتجاه معين، وأنا بميلي إلى الأدب أحب الروايات كثيرا، لكن هناك روايات تمنيت أن أراها كـمدن الملح لعبد الرحمن منيف، إلا أنها غير موجودة، ورغم تخصصها في علم الأحياء لا تجد لمى ضيرا في أن تملأ مكتبتها بكتب الأدب بجوار الكتب العلمية، واضافت أعتقد علينا كشبان وشابات، خاصة بعد الحوار الوطني الذي انتهى منذ أيام قليلة، أن نقرأ في العلوم المختلفة كي ننتج لنفيد مجتمعنا، فالزهد في الدنيا سيجعل مجتمعنا أيضاً زاهداً في التقدم والتطور العلمي والتقني، وما أشارت إليه لمى وأختها كان مجال بحث لدى سامي، طالب كومبيوتر، بين أروقة المعرض ودور النشر، وقال بصراحة ما زلت في بداية جولتي وربما سأنهيها قريبا، فالتركيز على الكتب المطبوعة أكثر من البرمجيات الإلكترونية التي أحتاج إليها، وما وجدته إلى الآن قليل جدا والباقي لا يتناسب مع اتجاهي.

من جهته، يجد عادل الزهراني، محرر صحافي ثقافي بإحدى الصحف المحلية، المعرض كما يقول رائعا ويحوي كتبا أدبية ونقدية وغيرها متنوعة وجيدة تنفع القارئ. وأشار إلى أن دور النشر المتميزة المشاركة في المعرض هي التي حرضته على هذه الزيارة، ومن هذه الدور دار الجمل ودار المركز الثقافي العربي ودار الكفاح وغيرها، إلا أن هذه الدور وغيرها صودر منها من قبل الرقابة، بعض الكتب التي منع بيعها.

أحد المشرفين من الباعة في دار نشر لبنانية، قاللقد واجهنا متاعب مع الرقابة، إذ صودر منا 14 كرتونة تحوي بعض الكتب مثل رواية مدن الملح لعبد الرحمن منيف، وهي رواية مطلوبة من القارئ السعودي، لكن جاره الذي يبيع في دار نشر لبنانية أخرى، قال لقد شاركت في المعرض الدولي للكتاب السابق بجدة سابقا، وأجد أن الرقابة في هذا المعرض أكثر تساهلا من السابق، فقد كانوا يمنعون بيع كتب لمجرد وجود صورة خادشة لا علاقة لها بالمضمون، لذلك نعاني منها في منع بعض الكتب التي نحضرها. لكن هذه المتاعب التي يواجهها الناشرون مع الرقابة كما يقول ليست موجودة إذا ما شاركوا في المعارض الدولية في الدول العربية، وتابع مختصرا أنا أتفهم خصوصيتكم الثقافية والتيار المحافظ الذي يغلب لديكم في المجتمع، وأنت أكثر دراية مني ببلدك.

 

* غموض الرقابة وآليتها

* أما صاحب دار الجمل الشاعر العراقي خالد المعالي، كان أكثر تذمرا من الرقابة وآليتها التي تعاملت مع الناشرين، وقالأتعجب من آلية الرقابة في إعلام جدة، فقد كانت عشوائية وغامضة، ومن الغريب أن كتبا سمح بها في معرض الرياض الدولي منعت هنا، وكتبا أخرى سمح بها السنة الماضية في معرض جدة السابق، ومنعت هذا العام، إنها عشوائية أتعبتنا وجعلتنا نتكبد خسائر اقتصادية بالنسبة لنا. ويزداد اندهاش المعالي كثيرا منع كتب لمؤلفين ومثقفين سعوديين في بلدهم، خاصة أن المعرض هو متنفسهم للوصول إلى القارئ المحلي، ويقولالمؤلف أو المثقف السعودي أصبح قادرا على ترسيخ اقدامه في الثقافة العربية، لأنه جاد في خطواته، وكثير من السعوديين قاموا بنشر كتبهم في ألمانيا، بل وترجمتها إلى الألمانية، وللأسف لا يستطيع أن يحظى بالانتشار في بلده لأن الرقابة تمنع مؤلفاته، وهذا مؤسف للغاية في ظل احتفاء الثقافة العربية بهم. وعلق على سلبية المنع لدى الرقابة قائلا إنها لا تتناسب في ظل التعامل مع الأحداث الحالية الحاصلة في العالم العربي، وفي ظل المطالبة بالتغيير، فهي تمنع الكتب الجادة التي من المفترض أن تصل إلى القارئ في ظل انتشار الكتب الاسلامية، فقد تمت مصادرة 50% من الكتب الجادة، وحاولنا الاستفسار حول هذه العشوائية في آلية الرقابة، لكننا سمعنا الوعود والكلمات اللطيفة فقط رغم أن المعرض فترته قصيرة، إذ من المفترض أن يستمر 10 أيام إلا أنه 9 أيام، والإقبال حتى الآن من القارئ ما يزال في حد المقبول. ومع ذلك يصف المعالي المعرض بأنه ممتازا من حيث التنظيم والإدارة الخاصة بالمعرض، ويتمنى أن يجد القارئ المحلي احتياجاته من الكتب الجادة المفيدة.

("الشرق الأوسط" السعودية في 13 ديسمبر 2004)

 

للتعليق على هذا الموضوع