8 يوليو 2006

 

 

 

 

 

 

عن الفوبيا والخوف من أخبار لبنان

داليا عبيد

 

 

في فيلم ميونيخ، يتكلم المخرج العالمي ستيفن سبيلبرغ عن الهجوم الذي نفذته منظمة أيلول الأسود الفلسطينية ضد الفريق الرياضي الاسرائيلي في دورة الألعاب الأولومبية في ميونيخ عام 1972.

 

وقد أعقب هذا الحدث عملية انتقام اسرائيلية ذهب ضحيتها عشرة على الأقل من الزعماء في المنظمة بعدما قررت الحكومة الاسرائيلية برئاسة غولدا مائير بتصفية كل المشاركين في تنفيذ و تخطيط العملية.

 

ينقل لنا سبيلبرغ بعدسة كاميرته اللاهثة في عواصم العالم طرق الاغتيال المتعددة التي استعملت بحق هؤلاء القادة الفلسطينين مما يدفع المشاهد الى التعايش مع حالة رعب نتيجة مشاهد القتل المباشر و أصوات العبوات الناسفة في السيارات، تحت الأسرة، في أجهزة التلفاز والهاتف ومع حالة خوف فضولي لمعرفة المكان و الزمان و الضحية ـ الهدف التالية.

 

تماديت شخصياً مع العنف المسيطر في الفيلم لأتحول في الواقع إلى نموذج تهيمن عليه حالة من القلق اللا محدود و الاحساس الدائم بالخطر, يطلق عليها, حسب علماء النفس, مصطلح الفوبيا.

 

حالياً, أعيش في فوبيا الإرهاب و الموت في آن معاً لأن الإثنان أصبحا متلازمين إلى الحد الأقصى في حياتنا اليومية.

 

عتدما أستعمل مترو الأنفاق أو الباص في باريس, تعشعش في أذني إحتمالات إنفجار ما لأرسم أمامي أشلاء متوقعة أو أجلس منتظرة صوت اللحظة الأخيرة. هذه الفوبيا تجرني للعيش في هروب دائم من الملتحين وأصحاب الجلباب الأفغاني في العاصمة الفرنسية.

 

أحياناً, أراوغ هرباً من هذه الأحاسيس، فتأتيني رسائل هاتفية من بيروت إلى منفى الدراسة معززة عندي الخوف من الإرهاب الجسدي و الفكري.

 

منذ سنة ونصف، يوماً بعد يوم، تتكاثر الرسائل كالطفيليات ليصبح جهازي الخليوي حافلاً بالدماء ومثقلاً بالخوف من الحاضر. رسائل النصف الأول من عام 2006 بدأت مختلفة بالشكل عن مثيلاتها في عام 2005، لم تحمل لي خبر إغتيال واحد ينعي رحيل شجاع من الوطن بل جمعت أحقاد نظام يريد نعي الشارع اللبناني بأكمله عبر التطبيع مع ثقافة التحريم لتبرير أعمال العنف بحق الناس وأرزاقهم في الأماكن الآمنة.

في شهر شباط, تم إستخدام رسوم الصحيفة الدانمركية لبسط الفوضى في حي الأشرفية عبر إستثمار الدين لتبرير الإرهاب و إعتباره واجباً شرعياً.

في مطلع شهر حزيران، تكرر المشهد بسبب برنامج تلفزيوني ساخر، فمارس محبو أفلام العنف الهولوودية هجوماً بواسطة الدراجات النارية على أحياء عديدة في بيروت  فظهروا كأشباح الليل، مبتهجين بإنجاز فتوحات في مناطق متغربين عنها. وانتشر شباب الحجارة بهدف الإنتفاضة وهم على إعتقاد بأن بيروت سقطت للمرة الثانية بيد العدو الإسرائيلي.

في ذلك اليوم، وصلتني رسالة من أحد الأصدقاء يقول لي فيها:

أقفلت طريق مطار بيروت الدولي إحتجاجاً على التفاؤل بموسم سياحي ممتاز قد يحرك عجلة الإقتصاد اللبناني!

حالياً, توقف هاتفي عن رصد محاولات العنف المعلن لكن حالة الفوبيا عندي مستمرة في الصراع مع حالة الهدوء النسبي. و يعود ذلك إلى مجموعة عوامل متضافرة تحاول الأيادي السوداء تطوير مناعتها:

 أخاف من أدوات دفاعية يقال عنها بأنها زينة الرجال, قد تستعمل لمحاولة وأد الوعي الإستقلالي و التحرري و وقف المد الفكري و الثقافي.

أخاف من تهديد و وعيد و من لوحات سوريالية تختلط فيها الخطوط الحمر و الصفر و الخضر إحتجاجاً على قدسية لا وجود لها في نصوص الدستور اللبناني.

أخاف من حوار ما زال يضاعف  من حالة الإنتظار الطويلة و يختلق وثائق غير مشروعة تمعن في خنق الإعلام اللبناني و في التضييق على الحريات العامة.

بكل بساطة, ترسم  هذه العوامل من حولي خارطة لفوضى الإرهاب و النتيجة:

"قلق نفسي مستمر".

 

 للتعليق على الموضوع