14 يونيو 2005

 

 

"شبكات شاوشيسكو" العربية لعبت دوراً أساسياً في خطف الرهائن الرومانيين والفرنسيين

500 ألف عربي درسوا في جامعات شاوشيسكو وجنّد بعضهم جهاز "السيكوريتات"

 

 

رجل الأعمال السوري "عمر هيثم" بعد اعتقاله

 

قبل سنوات، أشار مؤلّف أميركي كان قد وضع كتاباً حول "الحزب السوري القومي الإجتماعي" إلى أن هذا الحزب كان قد تلقّى دعماً مالياً من نظام شاوشيسكو الروماني. وكان عدد من المرتزقة وعملاء الأجهزة الأمنية العرب قد قاتلوا في الساعات الأخيرة لنظام الديكتاتور السابق في المحاولات اليائسة لإنقاذه. وتعود قضية "شبكات شاوشيسكو" إلى الواجهة مجدّداً بعد إطلاق سراح الصحفية الفرنسية "أوبنا"، التي يبدو أن الأجهزة الفرنسية اعتمدت فيها إلى معلومات وفّرها "جهاز الإستخبارات الروماني". وقد نشرت جريدة "لوموند" اليوم تقريراً عن دور "رجال الأعمال العرب"، وخصوصاً "عميل الإستخبارات السورية"، السوري "عمر هيثم"، في تجارة الرهائن. وجاء في التقرير:

 

"حكيم زياب حامد حسين السامرائي"، أو "أبو سحر"، وإسمه الحقيقي "خالد العقيدي" (49 عاماً)، هو الشخص الذي تبحث عنه الشرطة العراقية منذ إطلاق سراح الرهائن الرومانيين الثلاث في يوم 22 مايو. وقد جاء في تقرير سرّي لجهاز الإستخبارات الروماني أن فإن هذا المطلوب كان صلة الوصل بين خاطفي الصحفيين الرومانيين الثلاثة، الذين خُطِفوا في بغداد في 28 مارس، وما يسمى "كتيبة مُعاذ إبن جبل"، التي احتجزتهم في 1 أبريل في نفس القبو حيث كانت توجد الرهينة الفرنسية "فلورنس أوبنا".

 

وتقول الصحفية الرومانية،اري-جان إيون": "اختطفت مع زميليّ في بغداد، أثناء إعداد تقرير صحفي حول العراق. وقد احتجزنا، نحن الثلاثة،في منزل قريب من العاصمة العراقية. وفي 1 أبريل، تمّ نقلنا إلى مكان آخر، واحتجزنا في قبو تعرّفت فيه على فرنسوا أوبنا".

 

وحسب مصادر الإستخبارات الرومانية، فإن عملية اختطاف الصحفيين الثلاثة كانت بطلب من رجل الأعمال السوري "عمر هيثم" (الذي اعتُقِل في رومانيا في 5 أبريل). وقد نفّذتها في بغداد مجموعة متخصّصة في اختطاف الأجانب، وتضمّ كلاً من: محمود خالد العُمَر )سوري الأصل، 31 سنة)، وعبد الجبار عبّاس جاسم السلماني (49 سنة)، وابراهيم ياسين  كعثم الجبوري (36 سنة)، وعمر جاسم محمد علي السلماني (35 سنة)، ويوسف مناف محمد أمين الأمين (34 سنة). وهذا الأخير هو شقيق محمد مُناف، كان "دليل" الصحفيين الرومانيين الثلاثة، كما كان "شريك" رجل الأعمال السوري "عمر هيثم" في عملية الخطف.

 

وبعد اختطاف الصحفيين الثلاثة، فقد قامت هذه المجموعة الأولى بتسليمهم إلى جماعة "أعلى" في الشبكة المتخصصة باختطاف الرهائن والمقايضة بهم، وهذه الجماعة الأعلى هي ما يسمى "كتيبة معاذ إبن جبل". وهذا سبب تواجد الرهائن الثلاثة مع الصحفية الفرنسية "فلورنس أوبنا" ودليلها "حسين حنّون"، و5 رهائن عراقيين آخرين تمّ نقل إثنين منهما قبل إطلاق سراح الصحفيين الرومانيين، ولا يُعرَف شيء عن مصيرهما.

 

ويقول مصدر مقرّب من الأجهزة الرومانية التي تابعت القضية: "كنا نعمل عبر 3 قنوات إتصال: قناة على صلة بأجهزة الإستخبارات، وقناة على صلة بالجالية الإسلامية في رومانيا، وقناة ثالثة كانت تفاوض مع عائلات الرهائن مباشرةً. ولكن القناة الأولى التي كانت على صلة بأجهزة الإستخبارات هي الوحيدة التي سمحت لنا بالإفراج عن الرهائن".

 

وفي هذه القضية التي تشبه روايات الجاسوسية، فإن أبحاث أجهزة الإستخبارات الرومانية أوصلتها إلى شبكات الجواسيس العرب الذين كانوا قد عملوا لصالح "السيكوريتات"، أي الشرطة السياسية للعهد الشيوعي السابق، أو ما يسمّيه الرومانيون "شبكات شاوشيسكو".

 

وكان  500 ألف طالب عربي قد أمّوا الجامعات الرومانية في سنوات 1970-1980 بدعوة من الديكتاتور نيقولاي شاوشيسكو. وقام بتجنيد قسم من هؤلاء جهاز "السيكوريتات"، الذي كان قد وضع معسكرات تدريب بتصرّف الإرهابي "إيليتش راميريز سانشيز"، أي "كارلوس".

 

وفي العام 2001، قبل سنة من إنضمام رومانيا إلى حلف شمال الأطلسي، كشف "جهاز الإستخبارات الروماني"، الذي حلّ محلّ "السيكوريتات"، في تقرير علني عن وجود عدد من الخلايا المتطرفة في رومانيا على صلة مع "حماس" و"حزب الله" و"الإخوان المسلمين". وجاء في التقرير أن ضابط الإرتباط بين ياسر عرفات ورومانيا كان "أبو حسن سلامة"، الذي نظم عملية "ميونيخ" في العام 1974.

 

ويؤكّد النائب في البرلمان الروماني "إيون ستان"، الذي ترأس لجنة برلمانية للإشراف على "جهاز الإستخبارات الروماني" أنه، بين العام 1999 والعام 2001، تم تحويل مبلغ 320 مليون دولار بصورة غير شرعية من رومانيا إلى حسابات تعود لرجال أعمال معروفين بلاتهم مع مجموعات إسلامية متطرّفة. وحسب سجلّ التجارة الروماني، فإن رومانيا تشتمل حالياً على 5227 شركة عراقية و3051 شركة سورية.

 

عمر هيثم

إن رجل الأعمال السوري المقيم في بوخاريست، عُمَر هيثم، الذي تبلغ ثروته 100 مليون دولار، هو أحد نماذج هذا التداخل بين الإقتصاد والسياسة والإستخبارات وشراء النفوذ. وفي عهد شاوشيسكو، كان عمّه "محمد فرزات"، على رأس شركة سورية كانت تستورد التراكتورات من رومانيا بواسطة شركة Dunarea الرومانية التي كان يسيطر عليها جهاز "السيكوريتات". وتصنّفه تقارير "جهاز الإستخبارات الروماني" الحالي كـ"عميل للإستخبارات السورية".

 

وكانت أجهزة الإستخبارات الغربية قد سعت لاستجواب "عمر هيثم" منذ العام 2004، ولكنه أفلت من المحاكمة بفضل الحماية السياسية التي كانت يوفّرها له الرئيس الروماني السابق، "إيون إلييشكو" (2000-2004).

 

وكانت السلطات الرومانية قد اعتقلت في بوخاريست رجل أعمال آخر، يدعى "ظاهر إسكندراني"، بعد اختطاف الصحفيين الثلاثة. ولكنها أطلقت سراحه بسبب عدم توافر أدلّة ضدّه. وقد أكّد الرئيس السابق للإستخبارات الرومانية، ويدعى Virgil Magureanu أن "ظاهر إسكندراني" كان أحد العملاء الذي جنّدهم جهاز "السيكوريتات" في العهد الشيوعي. وقد أحرز "ظاهر إسكندراني" ثروة بفضل تجارة السجائر وكان بدوره يتمتع بحماية الرئيس الروماني السابق، "إيون إلييشكو".

 

ولكن الأوضاع تغيّرت في رومانيا مع تغيير الرئيس في ديسمبر 2004، وخصوصاً أن رومانيا تطمح للإنضمام للمجموعة الأوروبية في العام 2007. وفقدت "شبكات شاوشيسكو" ما كانت تتمتّع به من حماية سياسية، وباتت تخشى من حدوث الإصلاح الجذري في أجهزة الإستخبارات الذي كان الرئيس الجديد "ترايان باسيشكو" قد وعد بالشروع به خلال الصيف الحالي. وقد تمّ "تنشيط"عدد من عملاء "شبكات شاوشيسكو" بعد اختطاف الصحفيين الرومانيين الثلاثة من أجل تسهيل الصلات مع الشبكات العراقية.

 

وبالتوازي مع مساعي "خليّة الأزمة" الحكومية هذه، فقد بذلت السلطات مساعٍ مع الجالية الإسلامية الصغيرة في رومانيا.

 

ويشير تقرير جهاز الإستخبارات الروماني إلى عدد من الأشخاص الذين كانوا جمعوا مبالغ من أوساط رجال الأعمال العرب في رومانيا بهدف دفع الفدية اللازمة لتحرير الصحفيين. ولكن هذه المبالغ لم تصل أبداً إلى العراق!

 

 

للتعليق على هذا الموضوع