16 يونيو 2006

 

 

 

 

 

 

أستاذ الحوزة العلمية بمدينة قم وأحد مؤسّسي الهيئة العالمية للقادة الدّينيين

أية اللّه الدكتور مهدي هادوي طهراني لـ"الملاحظ" التونسية:

الملف النووي بيد مرشد الثورة وهو السلطة العليا

لسنا بصدد اجبار الناس على الدّخول الى المذهب الشيعي

الخلاف في الفكر الإسلامي أمر طبيعي لا يوجب الكفر

 

حوارـ أبو بكر الصغير

يعدّ الدكتور مهدي هادوي طهراني أستاذ الحوزة العلمية بمدينة قم وأحد أبرز الشخصيات الدينية اليوم بايران باعتباره يرأس احدى أبرز لجان الفقة المقارن وكذلك مؤسّسة "رواق الحكمة الثقافية" ومن مؤسّسي الهيئة العالمية للقادة الدينيين في العالم.

له اصدارات عديدة في مجالات الفكر والفقه والحضارة من ذلك الولاية والدّين ـ ˜الثورة الاسلامية والعولمةŒ ـ ˜التنوير الفكري والاجتهادŒ ـ ˜تحديات القرن الحادي والعشرينŒ ـ ˜مسيرة التحوّلات العالميةŒ.

التقنا به في تونس وأجرينا معه الحوار الخاص التالي.

 

- من دراسات أكاديمية في الرياضيات والفيزياء وهندسة الكهرباء إلى العلوم الدينية، كيف تفسّرون هذه النقلة؟

كنت منذ صغري، متشوّقا للوصول إلى الحق. ولهذا كنت أحبّ العلم وأدرس بجهد كامل. وكنت متفوّقا في الرياضيات وأحبها لأن فيها شيئا من النظم ومن الدّقة لا يوجدان في أي علم آخر. لهذا فهي تسمى بالعلم الدقيق. وبعد الرياضيات درست الفيزياء النظرية وهي علم الرياضيات المتجسّدة في الطبيعة. فالفيزياء في اللّغة اللاتينية هي الطبيعة. بعد ذلك وجدت بعض الأسئلة لا يمكن الجواب عليها بالرياضيات أو الفيزياء. وقد شاهدت في ذلك الزمان ان كبار علماء الفيزياء وصلوا إلى نفس النتيجة. عدت إلى حياتهم وشاهدت أنهم عادوا من الفيزياء إلى الفلسفة لكي يجدوا جوابا على أسئلتهم. هذا ما حصل معي كذلك، فبدأت بدراسة الفلسفة الغربية القديمة والحديثة. وبعد الرجوع إلى الفلسفة ودراستها بلغت نقطة أن هذه الفلسفة العربية لن تكون قادرة على توفير أي إجابة عن أسئلتي فعدت إلى الفلسفة الاسلامية، حيث شاهدت عديد المدارس والمرجعيات مثل المشائين والاشراقيين والحكمة المتعالية. ومن أجل فهم الفلسفة الاسلامية اضطررت إلى دراسة المنطق. بعد أن كنت تعلّمت المنطق الرياضي.. لكن حتى هذا الأخير لم يكن وسيلة كافية للاجابة عن حاجتي للفلسفة الاسلامية فعدت إلى المنطق الأرسطي ومن هناك احتجت إلى اللغة العربية.

 

- لماذا؟

لأن المصادر الأصلية في مجال الفلسفة الاسلامية والمنطق كلها كانت باللغة العربية. وكنت قد تعلمت اللغة الإنكليزية وأنا في أوائل شبابي حيث تحصلت على شهادة ˜التوفلŒ وأنا عمري 16 سنة من أمريكا.

 

- بعد هذه الرحلة في البحث أين استقرّ بكم المقام العلمي؟

بدأت دراسة اللغة العربية في الحوزة العلمية في مدينة قم المقدّسة. وبعد البروز في هذا الاطار أحسست أنني في عالم آخر يختلف تماما عن العالم الذي كنت أعيش فيه، فكل يوم كان اشتياقي للدراسات الدينية أكثر فأكثر. لأجل هذا انحصرت أيامي في الدراسة "الحوزوية" (نسبة للحوزة).

 

- هل تخرجتم من هناك بصفة آية اللّه؟

أنتم تعرفون ان الدراسة في الحوزة العلمية لها مستويات مختلفة والزمن العادي للوصول إلى أعلى المراتب عادة يحتاج إلى 16 سنة أو أكثر. ولكن وفقت في أن أصل إلى الدرجة العليا في عشر سنوات فقط وحصلت على الدكتوراه وبلغت مرتبة الاجتهاد، والآن أدرّس الدراسات العليا منذ أكثر من 16 سنة.

 

- هل لكم اصدارات عديدة في مجالات مختلفة؟

نعم، في الفكر والفلسفة وموضوع الإلهيات الجديدة.

 

- ماذا تقصدون بالإلهيات الجديدة؟

المسالك الجديدة في مجال العقيدة يسمّى البحث حولها بالإلهيات الجديدة.

 

- أصدرتم كتابا مهما عن اشكالية العلاقة بين الدولة والدين ما هي الفكرة الرئيسية التي خرجتم بها؟

هما كتابان، الأول اسمه ˜ولاية الفقيهŒ باللغة الفارسية وترجم للغة الإنكليزية. والثاني ˜الولاية والدينŒ كتب باللغة الفارسية وترجم إلى لغات أخرى من بينها العربية. بالنسبة للفكرة الرئيسية هو أنه ليس هنالك أي تناقض بين الدّين والدّولة. هناك ترابط وثيق بينهما.

إن الرجوع إلى المفاهيم الاسلامية أي مسألة الدولة تنشأ من تاريخ الإسلام ومن المفاهيم والمبادئ الاسلامية.

لأجل هذا، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قام بتأسيس دولة عندما هاجر إلى المدينة المنورة. وهذه الدولة توسعت في زمانه صلّى اللّه عليه وسلّم وبعده في زمن الخلفاء الراشدين.

هذه هي الفكرة الرئيسية، طبعا هنالك بحوث مختلفة في هذا المجال كمسألة الفصل بين ˜الدين والدولةŒ وهي في نظري مسألة ترجع جذورها إلى تاريخ الفكر المسيحي. وقد بيّنت في كتابي ان فكرة الفصل بين الدين والدولة هي النتيجة الطبيعية لما وقع في تاريخ الكنيسة.

في إطار هذه الاشكالية، سأعطي مثلا يهم إيران.. من بيده السّلطة العليا هناك... رئيس الدولة أم مرشد الثورة؟

الإجابة واضحة بالرجوع إلى المفاهيم الاسلامية من جانب وإلى الدستور الايراني من جانب آخر. فالمفاهيم الاسلامية تصرّح بأن السلطة العليا لا بد من أن تكون بيد فقيه مجتهد عادل. والدستور الايراني يقرّ بكل صراحة بذلك. ورئيس الجمهورية هو رئيس السّلطة التنفيذية.

 

- بمعنى أن القرار في ايران هو بيد المرشد؟

نعم، السّلطة العليا بيد المرشد.

 

- ومن أين يستمدّ مشروعيّته، فهو ليس منتخبا من قبل الشعب؟

إنه منتخب من قبل الشعب، هنالك عملية انتخاب مجلس الخبراء وهؤلاء يتولون انتخاب المرشد. فعملية الانتخاب للمرشد في ايران تشبه عملية انتخاب رئاسة الجمهورية في أمريكا.

 

- من بيده قرار الملفّ النووي الايراني؟

بيد المرشد، وهذا معلوم دستوريا، لأن الأمور عامة، المرتبطة بمسألة الأمن كلها بيده، ومنها الملف النووي. وهنالك جهاز استشاري مع مرشد الثورة في مجال الملف النووي اضافة لبقية الملفات في اطار ما يسمى باسم ˜مجلس الأمن القومي الايرانيŒ.

 

- أنتم كعضو في مؤسّسة دينية بأهمية الحوزة العلمية بقم هل لكم مقاربة أو موقف بخصوص هذا الملف؟

بشكل رسمي لا.

 

- لماذا، هل ممنوع عليكم أن تتدخلوا في شأن سياسي بأهمية الملف النووي؟

أنا أتدخل بصفتي الشخصية كعالم دين أوضح موقف الدين من هذه المسألة. وهو جواز استغلال الطاقة النووية في المجالات السلمية وغير مسموح في مجالات غير سلمية كاستغلالها لأغراض عسكرية.

 

بيّنت هذه النقطة في مؤتمرات دولية في البلدان المختلفة كمؤتمر الحرب والسلام في منظار الأديان الابراهيمية الذي عقد في إيطاليا.

وسئلت عدة مرات عن رأي سائر الأديان الابراهيمية بالنسبة لنفس المسألة وعلماؤهم سكتوا عن الجواب. وبعد الانتهاء من المؤتمر جاءت أحدى الشخصيات اليهودية المعروفة وقال نحن نعتقد بمثل ما يعتقد به الاسلام. فسألته كيف تبرّرون الطاقة النووية والأسلحة النووية في اسرائيل. قال هذه مسألة أخرى وأنا لأجل هذا لم أجب عن السؤال في المؤتمر.

 

- لماذا كلّ هذه التخوفات من امكانية حصول صدام بين شيعة وسنّة، هذا الأمر لم يكن موجودا منذ سنوات قليلة، واليوم من يسمع ما يحصل في العراق مثلا أو من جهات أخرى يصدق، ويعتبره أمرا مخيفا؟

لابدّ أن تعرفوا ان ايران تعتقد بمسألة التقريب بين المذاهب الاسلامية وعلماء الشيعة في كلّ التاريخ كانوا يصرّون على مبدأ التقريب بين المذاهب، والعلاقة بين الشيعة والسنّة في إيران علاقة أخوّة اسلامية. لكن مسألة العراق في نظري، أطروحة استكبارية من قبل أعداء الاسلام. هم يستفيدون من الصدام بين الشيعة والسنّة ويريدون أن يبرّروا بقاءهم في العراق ومواصلة احتلاله. بعضهم يقول ان الأمن غير مستتب وإلى الآن علماء الشيعة والسنّة هناك بذلوا جهودا لاطفاء نيران الحرب الأهلية وكانوا موفقين إلى حدّ الآن في هذا المجال.

 

- لكن لم تجيبوا عن سؤالي، كيف تفسّرون هذه التخوّفات؟

كما قلت هذه أطروحة استكبارية من قبل أعداء الاسلام، وهم يستغلون بعض الآراء الخاطئة في العالم الاسلامي لأجل تعميق الخلافات الموجودة بين المذاهب، لكن نرفض هذا المبدأ رفضا تاما ونعتقد ان التلاعب في اطار الفكر الاسلامي أمر طبيعي لا يوجب الكفر، بل يجب على المسلمين الحفاظ على الوحدة مع الاختلاف في بعض الأمور العقائدية أو الفقهية.

 

- أبقي على نفس السؤال، لكن كيف تفسرون حرص بعض الجهات الايرانية على نشر المذهب الشيعي في صفوف أهل السنّة؟

مسألة عرض الآراء من قبل أصحاب الرأي أمر طبيعي وما يأمله الشيعة هو عرض الآراء الشيعية ولسنا بصدد تحميل الآراء وإجبار الناس على الاعتقاد بها، بل نحن نعرض الآراء ونعتمد على المنطق والعقل السليم ونعتقد أن هذا هو أحسن الطرق للحوار البنّاء بين المذاهب الاسلامية بل بين الأديان كلّها.

فكلّ صاحب رأي يعرض رأيه والعقل والمنطق يقيّمان هذا الرأي، فالنتيجة تكون لصالح الرأي الموافق للعقل والمنطق.

 

- هل تسمحون بعرض آراء أهل السنّة في إيران،، في إطار هذه المقاربة التي قدمتموها؟

في الدراسات الاسلامية في الحوزة العلمية هناك مجال واسع للدراسات المقارنة بين المذاهب الاسلامية، وعادة ما يرجع إلى المصادر السنية كما يرجع إلى المصادر الشيعية وهناك عدّة مؤسسات في مجال عرض آراء المذاهب الاسلامية وعدد من علماء أهل السنّة هم مشاركون في هذه المؤسسات.

 

- هذه أوّل زيارة لكم لتونس، كيف وجدتم الشعب التونسي؟

تونس بلد العلم والسّلم والايمان وجدت شعبكم مثالا عاليا في هذه المجالات. في نظري هناك استعداد خاص لهذا البلد لأن يكون من ضمن محاور التقريب بين المذاهب الاسلامية.

boubakersghaier@yahoo.fr

 

للتعليق على الموضوع