13 فبراير 2006

 

 

 

 

 

عضو في "هيئة الإنصاف والمصالحة" لـ"السفير":

لا يمكن لبلد طي صفحة الماضي بجرة قلم

"الخوف رفع إلى الأبد في المغرب"

 

<<قضيت ثلاث سنوات (معتقلاً)، إحداها معصوب العينين، مقيد اليدين، مجهول المصير، وسنتين بانتظار محاكمة>>، وهذا <<مش كتير>> بالنسبة لزملاء أمثال <<المناضل الكبير إدريس بنزكري، رئيسنا في هيئة الإنصاف والمصالحة، الذي قضى 17 سنة في السجن...>>.

 

هو المناضل المغربي من اجل حقوق الإنسان، أحمد شوقي بنيوب (49 عاماً)، يروي ل<<السفير>> التجربة المغربية في مواجهة الماضي المظلم، وقهرها له بحاضر مشرق ومستقبل واعد، في إطار جولة عربية شملت لبنان لعرض تجربة <<هيئة الإنصاف والمصالحة>>. وقد سئل بنيوب عن امكانية إسقاط التجربة المغربية في <<هيئة الإنصاف والمصالحة>> على الحالة اللبنانية حيث قال <<لا يمكن لأي بلد أن يطوي صفحة الماضي بجرة قلم>>.

 

هيئة الإنصاف والمصالحة

تشكلت <<هيئة الإنصاف والمصالحة>> بمرسوم ملكي بتاريخ 16/1/2003، للنظر في الانتهاكات السابقة التي طالت الحريات المدنية للمغاربة، منذ الاستقلال في العام 1956 حتى وصول الملك الحالي محمد السادس إلى الحكم في العام 1999. وهي خلاصة حملات شنتها المعارضة منذ العام 1990، للإفراج عن المعتقلين السياسيين، عودة اللاجئين، إحداث المحاكم الإدارية، وإلغاء القوانين العائدة للعهد الاستعماري وغيرها...

وعن الهيئة التي قدمت تقريرها النهائي في 30 تشرين الثاني الماضي ثم حلت نفسها وفقا للمرسوم الذي أصدرها، قال أحمد شوقي بنيوب <<إنها أول تجربة في إطار العدالة الانتقالية في بلد عربي>>، برغم أنه كان ثمة <<لجنة هيئة التحكيم المستقلة>> التي أنشأها محمد السادس في شهر اعتلائه العرش إثر وفاة والده الملك الحسن الثاني، والتي عوضت <<أكثر من 5500 ضحية انتهاكات ما بين عامي 2000 و2002>>.

 

ولكن، لماذا حدّ المرسوم صلاحيات الهيئة بالعام 1999؟ ألم تحصل أية انتهاكات في عهد الملك محمد السادس؟ اعترف بنيوب أنه <<قد تكون هناك انتهاكات من قبل جهات غير نظامية (بعد 1999)، ولقد سجلنا خروقات وليس انتهاكات كالتي عرفتها البلاد>> قبل ذلك. أضاف <<مع الأسف، لا يوجد سوبرماركت في العالم يمكن أن ندخل إليه ونخرج بشاريو (عربة) مجهز بانتخابات سليمة وقضاء نزيه ومستقل ودولة مؤسسات وصحافة حرة، هي معركة متواصلة تربط التصدي للماضي ببناء المستقبل>>.

 

يتابع <<لا نقول أننا وصلنا في المغرب للكمال، وإنما لدينا عنصران نفتخر بهما. أولهما أن الخوف رفع إلى الأبد من المغرب، وثانيهما أنه لم يعد عندنا شيء اسمه المحرم>>، مع بروز شجاعة قل نظيرها في التصدي للانتهاكات.

 

وأوضح بنيوب أن الهيئة تلقت <<20 ألف طلب واعتمدنا أكثر من 16 ألفا و500 حالة منها>>. وتميزت جلسات الاستماع إلى المدعين بنقلها المباشر عبر الإذاعات التلفزيونية المحلية، وشهدت فيها ضحايا تعرضت للتعذيب والاغتصاب والأسر لسنوات وعقود. أضاف أن <<ذروة أعمال الهيئة كانت عندما تم العثور على مقابر جماعية لرفات المفقودين، واستخراجها>>، مؤكدا أن الهيئة وُفقت في حل نحو 60 إلى 70 في المئة من ملفات المفقودين، والتعويض لأكثر من 1000 ضحية، وتحديد التعويضات لأكثر من 16500 آخرين.

 

المهدي بن بركة

وعن الزعيم المغربي العربي الكبير المهدي بن بركة، الذي <<فقد>> في باريس في العام 1965 ويحقق في ملفه قاضٍ فرنسي بإنابة قضائية دولية، أكد بنيوب أن فرنسا <<لم ترفع كل الأسرار عن ملفاتها ووثائقها الرسمية>> المتعلقة بالقضية. أضاف أن <<الموضوع يلزمه إدلاء بيانات ومعلومات موجودة خارج المغرب>>، والقضية هي بالتالي <<متوقفة على فرنسا وعلى ما سيقال هناك، إضافة إلى مواصلة العجلة في المغرب>>.

 

وفي هذا الخصوص، خلص تقرير <<هيئة الإنصاف والمصالحة>> إلى <<توصية واضحة لمواصلة البحث عما تبقى في مصير المهدي بن بركة من حيث الجثة، وعلاقتها بالجريمة التي ارتكبت في فرنسا>>. أضاف بنيوب أنه يعطي <<بالاستناد إلى قناعتي الشخصية، الأهمية الكبرى في هذا الملف للحوار والمفاوضات الدبلوماسية والسياسية مع فرنسا.. ولو كان بالامكان لقاضي التحقيق (الفرنسي) ان يقوم بعمله، لكان قام به منذ 40 سنة>>.

 

من المغرب إلى لبنان

وبسؤاله حول ما إذا كان من الممكن إسقاط التجربة المغربية في <<هيئة الإنصاف والمصالحة>> على الحالة اللبنانية، أجاب بنيوب إن لكل بلد خصائصه، وأن الوضع في المغرب يختلف عما جرى في لبنان. ولكنه أشار في الوقت ذاته إلى انه <<لا يمكن لأي بلد أن يطوي صفحة الماضي بجرة قلم>>، كنوع من الرفض للنظرية اللبنانية الداعية للقفز فوق تجربة الحرب الأهلية بهدف تجاوزها. وأكد المناضل المغربي أنه من غير الممكن نسيان الضحايا وأهالي المفقودين وتجاهلهم، مشيدا ببيروت التي <<أدت ثمن الحرية والديموقراطية وموقعها الجغرافي السياسي عن العرب جميعا>>.

 

أضاف <<إذا أراد لبنان ان يراجع ماضيه يوما، فسيساعده على ذلك وجود طبقة سياسية ناضجة وروح حقيقية للمصالحة السياسية بني عليها النظام الديموقراطي لسنوات، وقوة ثقافية أكاديمية>> كبيرة، معلقا على لقاء العماد عون والسيد نصرالله بقوله <<أنا سعيد جدا بالخبر الذي سمعته ما أن وصلت إلى مطار لبنان... هذه هي المصالحة التي مكنت السياسيين في بلدنا من السير في طريق الديموقراطية والحريات>>.

 

وهمس المناضل المغربي لنا بابتسامة مشاغبة، كمن يكشف عن سر ممتع ومحرم، مسترجعا إحدى ذكريات المعتقل القليلة المغمسة بالرضا <<كنا نقرأ (صحيفة) السفير خلسة في السجن.. كنا نهربها سرا ويمررها بعضنا إلى بعض>>.

 

(السفير- ديالا شحادة محمد علي حريصي) 

 

للتعليق على هذا الموضوع