6 أغسطس 2005

 

 

 

(رحبت المعارضة الموريتانية في المنفى بنجاح العملية الانقلابية التي أطاحت عشية الثالث من أغسطس الجاري، بحكم الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد. وأعلن "بدي ولد ابنو الناطق الرسمي باسم تحالف المعارضة الموريتانية في المنفى، أن "المعركة الآن صارت باتجاه تحريض القادة الجدد للالتزام بوعودهم التاريخية".

وننشر في ما يلي تحليلا كتبه الأستاذ بدي ولد أبنو عشية الانتخابات الرئاسية الموريتانية الأخيرة التي نُظمتْ يوم السابع من نوفمبر 2003 وهو تحليل يستعيد أهميته في ظل التحول الجديد الذي دشنه الإعلان يوم الأربعاء الماضي 3 أغسطس 2005 عن الإطاحة بنظام العقيد ولد الطائع. وللتذكير فالثامن من يونيو 2003 كان تاريخ المحاولة الانقلابية الفاشلة التي تحولت إلى باكورة عدة محاولات تالية كان آخرها المحاولة الناجحة هذا الأسبوع.) 

 

 

 

من الثامن من يونيو إلى السابع من نوفمبر: محاولة لاستقراء آفاق الحسم

بدي ولد ابنو*

 

 

يذكر الرئيس الراحل المختار ولد داداه  في كتابه الأخير، "موريتانيا في وجه العواصف والسيول"(1)، أنه لم يتمالك عن أن يبتسم، وهو يستمع للمرة الأولى، لإذاعة نواكشوط بعد ثلاثة أيام من الإطاحة به، وهي تبث "قوائم أسماء الذين أعلنوا عن تأييدهم للانقلابيين، بينما كان هؤلاء أنفسهم يتبارون في التعبير عن اندفاعهم النضالي داخل حزب الشعب الموريتاني"(2).

 

 

ولعل أحداث الثامن من يونيو الماضي لم تكن أول، ولا آخر، تأكيد على الملاحظة المرة التي قدمها الرئيس الراحل. صحيح أن الأوجه البارزة في النظام الحاكم لم تنبس أصلا بكلمة خلال يومي الثامن والتاسع يونيو، رغم إلحاح كثير من وسائل الإعلام، بل رغم إبداء هذه الأخيرة استعدادها لعدم ذكر اسم من يقبل التحدث ولكن الامتناع المطلق والبالغ الدلالة لتلك الأوجه عن الإدلاء بأدنى تصريح لصالح ولد الطائع كان تحديدا ما كشف حجم ملتمسات التأييد التي كانت تنتظر الانقلابيين لو كان قدر لهم الإعلان رسميا عن إمساكهم بسدة الحكم.

 

قد لا نعطي لهذا الصمم دلالته المنصفة إذا لم نتذكر أنه طال -بصورة تكاد تكون مماثلة- كثيرا من الأصوات المعروفة المحسوبة على معارضة النظام. وبنظرة أولى ربما يختصر الأمر في أن الطبقة السياسية الموريتانية لعبتْ بمختلف شرائحها دور المتفرج الذي ينتظر أن يخرج أحد الطرفين منتصرا من الحلبة كي يبدأ التصفيق. ولا يبدو الأمر خاليا تماما من هذا المعنى. ولكن إذا ما وضعنا نصب أعيننا معنى الحياد اللافت الذي التزمته وحدات عسكرية عديدة خلال المواجهات، فإن دلالة أحداث الثامن يونيو تبدو إلى حد ما، أكثر تعقيدا مما قد توحي به أي نظرة سريعة. ومن ثم لا نفهم فقط إلحاح التساؤل عن سر تمكن ولد الطائع من استعادة مقاليد السلطة بعد أن انهار حكمه، وانفرط زمام السلطة لمدة ثمان وأربعين ساعة، ولكن تأخذ كذلك تساؤلاتنا الراهنة دلالتها الأدق، خصوصا فيما يتعلق بإمكانية استثمار تفاقم الاحتقان الشعبي وامكانية تعبئة الحماس الحالي إيجابيا. السؤال الضمني الذي يسوغ هذه الاستفهامات ويختصرها هو بداهة: هل سيستطيع الرئيس الموريتاني ولد الطائع أن يحتفظ بالسلطة غداة السابع من نوفمبر بعد أن عرف هزة الثامن من يونيو وما تلاها؟ ومن ثم فإن الإجابة على هذا السؤال ترتبط بالإجابة عن السؤال التمهيدي: ما الذي يُفسّر استمرار ولد الطائع في الاحتفاظ بالسّلطة في موريتانيا، رغم ما يعانيه من رفض شعبي لا يزداد إلا كثافة، ولا يوازيه أو يعادله شدةً، إلا القمعُ البوليسي المسلطُ علىالشعب؟ كما ترتبط تلك الإجابة في نظرنا برصد المتغيرات الجديدة، أو التي يتوقع، أو يرجى، حدوثها في ظل الأحداث الراهنة المتلاحقة التي سيشكل السابع من نوفمبر مفصلا حديا من مفاصلها.

 

 

1- في مستوى البداهات

باستطاعتنا إذن، من خلال هذا المحور – القنطرة، الذي مثله الثامن من يونيو، أن ننظر استرجاعا، بشكل أدق، في السياق الذي أنجب المحاولة الإنقلابية وفي السياق الجديد الذي انبثق منها والذي يمكن الجزم أن السابع من نوفمبر سيكون نقطته المميزة سلبا أو إيجابا. في البداية، ما الذي حدث؟ فجأة تمكنت في بضع ساعات مجموعة من العسكريين من تحييد أقطاب النظام الحاكم. وخلال ما يقارب يومين، الثامن والتاسع يونيو، لم يكن للنظام الحالي أي تمظهر للسيادة.

من أين جاء هؤلاء العسكريون؟

من داخل المؤسسة العسكرية الموريتانية.

ما هي الوسائل التي استعملوها؟

هي تحديدا الوسائل التي تتمتع بها هذه المؤسسة.

هل كانوا يتمتعون بدعم أجنبي سياسي أو لوجستي؟

لا يبدو أنهم تمتعوا إلا بتأطيرهم الخاص وبالإمكانيات التي استطاعوا أن يوفروها من داخل المؤسسة العسكرية.

هل كان عدد الذين غيبوا سلطة ولد الطائع لمدة يومين كبيرا؟

لا يبدو ذلك أيضا.

هل واجهوا صعوبات عسكرية كبيرة من أجل السيطرة على مختلف المنشآت الرئيسية؟

لا يبدو ذلك، بل إن السهولة التي زلزلوا بها قواعد النظام تكاد لا تصدق. ويمكن أن يقال دون كبير مبالغة إن الاستثمار الإعلامي والسياسي للمكاسب الميدانية كان- على الأقل في الساعات الأولى- المشكلة الرئيسية أكثر بكثير من العقبات الميدانية. وهو ما يطرح تساؤلين اثنين:

أين ظلت خلال هذه الفترة أغلب الوحدات العسكرية المتواجدة في نواكشوط والتي لم تشارك في الحركة الإنقلابية؟ ولمَ لمْ تتدخل لصالح النظام القائم؟

كما يطرح في المقابل التساؤل الذي استأنفنا به هذه الورقة عن الطبقة السياسية الموريتانية، كيف اختفى أداؤها خلال اليومين: لم لم تتبن سلبا أو إيجابا أي موقف أمام غياب الخطاب السياسي للإنقلابيين؟

 

الإجابة لا تبدو تلقائية. بل إن أحداث الثامن من يونيو تمثل مفارقة لافتة، إذ عنيت جزئيا إعلانا عن فشل ما، لقوى المعارضة المنظمة، كما عنيت في الوقت نفسه، كشفا عن صدق جانب كبير من تحليلات أو - بصيغة أدق – من تحذيرات هذه الأخيرة. لقد عملت المعارضة المنظمة منذ بداية التسعينات أي منذ الإعلان عن المسلسل السياسي الذي قررت توظيف هامش حريته المفترضة، على اغتنام الفرصة لخلق قاعدة شعبية معبأة وقادرة على مقارعة السلطة. ولكن المشكلة منذ البداية تمثلت في البدائل والخيارت التي تستطيع المعارضة اللجوء إليها أمام إصرار النظام على عدم احترام القواعد التي صاغها بنفسه على مقاسه. فقد بدا منذ الانتخابات الرئاسية الأولى - إن لم نقل منذ ظهور المادة مائة وأربعة- أن النظام لا يعتزم إلا التراجع تدريجيا عن كل التزاماته الرسمية بخصوص ما سماه بالمسلسل الديمقراطي. وقد أظهرت مقاطعة الانتخابات التشريعية لسنة 92 الدرجة التي بلغها الجدل حول هذه النقطة فبدت المعارضة منذ ذلك الحين متخوفة من أن مشاركتها في مثل تلك الظروف قد لا تعني شيئا آخر غير تشريع ما، للنظام وتصرفاته، دون أن يقدم هذا الأخير تنازلا يذكر. ومع ذلك فإن أبرز مكونات المعارضة ظلت تؤمن بضرورة استغلال الهامش الديمقراطي المتناقص لدفع التعبئة الشعبية قدما. وسمح السياق الدولي التسعيني الذي ميزه انتشار الدعوات الحقوقية (وهي الظاهرة التي طبعت عالميا مابين نهاية الحرب الباردة وهجمات الحادي عشر سبتمبر) بربط هذه التعبئة الداخلية بالإدانة الحقوقية لجرائم نظام ولد الطائع على الصعيد الخارجي.

 

وإذا كانت قدرة النظام على ابتكار إجابات لأوضاع لم يتوقعها، ضعيفة، بل إن المفاجآت عادة ما تربكه كليا، فإنه لعب ورقة الاستباق بطريقة أخرى حيث ظل هو صاحب "المبادرة" وأبقى المعارضة في مجمل الأحيان في مستوى ردة الفعل. ولما كان زمام مبادرة النظام يختصر في دفق من حالات الاعتقال والمصادرة وحل الأحزاب أي في حالات حقوقية فإن مكونات المعارضة وجدت نفسها تدريجيا تحصر نشاطها على أرضية حقوق الانساق داخليا وخارجيا. وزاد ذلك تعقيدا شعور مبرر بأن الانقسامات التي عرفتها أحزاب المعارضة ناتجة عن إثارة القضايا السياسية التي هي بطبيعتها خلافية، وأن المساحة الحوارية الموجودة في ظل نظام بوليسي لا يمكن أن تكفل توفر الهوامش اللازمة لفتح الملفات السياسية إيجابيا، بل إن إثارة قضايا مركزية كالتعايش العرقي والمشكلة اللغوية التربوية ومشكلة التابعية ومشكلة العدالة الاجتماعية، ستستغل حتما من لدن عناصر النظام لضرب المعارضة بعضها ببعض. ولم يكن ذلك الشعور في مستوياته: المصرح بها، والمسكوت عنها معا، بعيدا عن الواقع، ولكن الغياب المتنامي لطرح هذه القضايا الرئيسية طرحا سياسيا، حول شيئا فشيئا العمل السياسي بما هو كذلك إلى عمل حقوقي. فبقدر ما يتناقص الهامش الديمقراطي وتزداد انتهاكات النظام الحقوقية وتقل البدائل المتوفرة، تجد الحركات السياسية في العمل الحقوقي ملجأ وفضاء مشتركا نادرا، هو وحده المهيأ لجمع أطرافها ولمنحها ورقة ضغط خارجية نادرة، على النظام.

 

النظرة الحقوقية تسمح بداهة بذكر القضايا الرئيسة في جوانبها المتعلقة بحقوق الإنسان البسيطة، ولكنها قد تدفع في نفس الوقت – وهو ما حدث بالفعل على نطاق واسع – إلى التغاضي عن خلفياتها السياسية المعقدة ومن ثم- تمثيلا لا حصرا- اختصار الخطاب المعلن في إدانة العبودية والتصفيات العرقية والجرائم الاقتصادية والدعوة إلى احترام التعدد الثقافي. صحيح أن لهذه الإدانات والدعوات أهمية كبيرة وأن الإجماع الذي ينعقد حولها يمثل تقدما أساسيا وقياسيا للخطاب الموريتاني المعارض، ولكن لا يمكنها أن تحل محل طرح القضايا السياسية التي لا تمثل المشكلات الحقوقية إلا بعض انعكاساتها؛ ولا يمكن بالخصوص أن تغني عن إيجاد رؤية سياسية وخطة استراتيجية للتعامل مع النظام الحاكم فيما يتجاوز الإدانة وردود الفعل المرتبطة بالإنتهاكات المزمنة. فمن جهة أولى لا يمكن نكران ما حققه هذا النشاط الحقوقي لصالح ملفات محددة وحالات معينة كثيرة. ومن جهة ثانية ينبغي الاعتراف في الوقت نفسه، بأن النشاط السياسي في أغلب جوانبه، اتكأ على الحقوقية، وتراجع عن أغلب فضاءاته الخاصة، بما ساعد على إبعاده نسبيا عن الحركية الصامتة للمجتمع، تلك الحركية التي عرفت يوما ما، التنظيمات السرية الما قبل حزبية كيف تنفذ إليها وتفعّلُها. ويمكن التأريخ بأحداث الخبز لسنة 95 كبداية لافتة لهذا المسلسل الانفصالي، فكما أن المعارضة المنظمة لم تكن خلف تلك المظاهرات النارية فإنها أيضا لم تنجح في تبنيها وتأطيرها واستثمارها. وتقف -تبعا لذلك- خلف هذا المسلسل مفارقة رئيسية : فالمعارضة مضطرة أن لا تقبل إلا بالأساليب التي يشرعها لها نظام لا يحترم هو نفسه الأساليب التي يشرع، أي أن خيارها الديمقراطي السلمي محدود بحدود ترسمها سلطة قمعية لا تعترف عمليا إلا بالفعل القسري. لم يكن لمفارقة المعارضة الديمقراطية والسلطة الديكتاتورية إلا أن تنجب مناخا تظل فيه السلطة سيدة المبادرة، وتظل فيه المعارضة أسيرة ردة الفعل. ولما كانت مبادرات النظام القسري موسومة أساسا بهذه القسرية العضوية، فقد غلب الطابع الحقوقي للمعارضة على الطابع السياسي، ودفع الأفق السياسي إلى الإنسداد. أو بمعنى أدق ألغى قدرة المعارضة المشرعة أو "الدستورية" على اتخاذ أي مبادرة سياسية، مما مهد لأحداث الثامن يونيو، أي أنه دفع القوى المنظمة الأخرى وأبرزها المؤسسة العسكرية إلى التورط سياسيا لتجاوز حالة الانسداد. نفهم إذ ذاك معنى الارتباك الذي عرفتْه معارضة ظلّتْ تتدافعها الشرعوية والحقوقية وظلت تحذر مما حدث أي من أن غلق أبواب العمل السلمي لا بد أن ينجب عملا مسلحا.

 

بيد أن الثامن من يونيو الذي أسقط بنسبة متقدمة وعميقة جدار الخوف قد أتاح فرصة نادرة لإعادة ربط قوى المعارضة المنظمة بالحركية العميقة للمجتمع. ولنا أن نتساءل إذن في ظل هذا المعطى الجديد: هل ما زالت للنظام القدرة نفسها على رسم حدود نشاط المعارضة المنظمة الداخلية ومجالها؟ وهل ما تزال له القدرة الكافية على تزوير الانتخابات القادمة على نطاق واسع، والإعلان عن فوزه بالنسبة التي يحدد لنفسه سلفا؟

 

يلزمنا التساؤل أولا، إذن، عن القدرات التي يفترض أنه ما زال يحتفظ بها جزئيا. وإذا كانت مرتكزات النظام تنبني في جوهرها على استثمار المحاور الأربعة التي تمثلها: الزعامات القبلية التقليدية، وشبكة رجال الأعمال، والمؤسسة العسكرية، والدعم الأجنبي، على شكل دوائر تصاعدية متقاطعة، فإلى أي درجة قد ينجح في إعادة استثمار هذه المحاور؟

 

2- من القبيلة إلى الثروة:

من المفارقات اللافتة أنّ ولد الطائع الذي لطّخ تاريخ البلد بمجازر استمرّت ثلاث سنين كان أبعد ما يكون في أشهره الأولى من السلطة عن الظهور بمظهر السّفاح. بل لقد كسب في أوائل أيامه شعبية ضخمة كـ "بطل تحرير" عندما أطلق سراح مساجين رأي نظام كان جزءا منه.

 

وتزيد المفارقات اللافتة شدة، إذا ما تذكرنا أن ولد الطائع، الذي لم يدخر جهدا لأجل إعادة تأسيس الانتماء القبلي والعرقي في فضاء "الدولة" الموريتانية على امتداد الخمس عشرة سنة الأخيرة، ظلّ، حتى بعد وصوله إلى المركز الأول في السلطة بأكثر من سنة، يبدو الضابط الأكثر "حداثة" والأكثر بغضا للاعتبارات التقليدية العصبية والعرقية. وإلى تلك الفترة لم يكن له -فيما نعرف- ارتباط يذكر، بالأوساط الجهوية التي ينحدر منها ولا اهتمام بها. ومن ثمّ لم يكن "سدنة" تلك الأوساط يرون فيه عنصرا قَبَليا "يُعتد" به أو يعول عليه. وجاءت خطبه الأولى والحملات الإعلامية التي رافقتها تكريسا لصورة الضابط الذي لا يكف عن إظهار عدائه لمختلف الرواسب الماضوية، وعن الهجوم الذي لا سابقة له على القبلية والإتنوية. ومن سخرية الأقدار أنّ بعض أوجه ذلك الخطاب الحداثوي بقيت حتى بعد أن ظهر الزيف الصارخ لكل "همومه" التحديثية. بل إن بعضها ما زال إلى الآن جزءا لا يتجزأ من إنشائيات الإعلام الموريتاني الرسمي.

 

وبالرغم مما ظهر لأول وهلة في خطبه من تبسيطية، بل ومن رعونة مطردة، ومن ميول رأسمالوي اندهاشي، ساذج ومتضارب، مع توجهات أغلب تيارات المرحلة، ومن تركيزه المسهب في أحاديثه العامة على التسهيلات التي بدأت تقدمها إدارته للتجار ورجال الأعمال، فإنّ كثيرين من معارضي الفترة التي "انتهتْ" رسميا بانقلابه وبإطلاق سراح معتقليهم بدوا مستعدين لطي صفحة الماضي وتناسي الدور الذي لعبه خلال العهد السابق في التنكيل بهم وهو الذي تقلّب طيلته بين أهم المناصب: من رئيس الوزراء إلى قائد أركان الجيش. وبدت الطبقة السياسية مقتنعة أو تحاول أن تقتنع بجديته في إرادة التغيير.

 

وفي حالته الاجتماعية إذ ذاك، والوسط الصغير العسكري والمدني نصف المثقف ومتعدد الأصول العرقية والجهوية الذي كان يعيش فيه، ونمط حياته الشخصي، ما أوهم لفترة بصدق "دعوته التحديثية".

 

وقد أقلقتْ رأسماليته البدائية، أو ما أسماه بالليبرالية، تيارات سياسية معينة، وإن لم يؤثر ذلك جديا في البداية، على الرأي العام "المسموع". إلا أن الانعكاس السلبي لتلك التوجهات على حياة الأغلبية العظمى أمام الارتفاع المتلاحق للتضخم وبالتالي للأسعار، وانعكاسها بشكل أخص على مستوى حياة الطبقة الوسطى الناشئة والنافذة "سياسيا" والمترعرعة في هامش مؤسسات الدولة وفي أحضان خدماتها التي أخذتْ تتناقص، لم يلبثا أن أنتجا تذمرا ظلّ مرشحا للتفاقم. ولعلّ الإحساس بذلك التذمّر هو ما سرّع تحويل التقاء الخطوط والمصالح بين ولد الطائع وكبار رجال الأعمال - وهم المستفيدون المباشرون واقعا وإمكانا من الأوضاع التي نتجت عن توجهاته الاقتصادية- من "مصادفة" ظرفية إلى تضامن بل إلى تعاون وتعاضد أعطتهما الأزمنة التالية محتويات بالغة الكثافة.

 

وجدير بنا هنا التنبيه إلى أنّ أنماط الحياة الاقتصادية التقليدية سواء منها الرعوية أوالزراعية الكفافية، السابقة على ظهور ما يسمى بالدولة المركزية الموريتانية والظروف والأنساق السياسية والاجتماعية المظاهرة لتلك الأنماط، لم تكن أبدا تسمح بتكديس أو بتكوين "فائض قيمة" بالمعنى الحصري لهذه الكلمة، وبالتالي فإن كل رأس مال حالي حقيقي إنما تكون في ظل الدولة أي في ظل العقود الأربعة الأخيرة، وإن أخذ بعضه في النشوء في المراحل الاستعمارية الأخيرة التي لم تمثل الدولة في العمق قطيعة معها.

 

ويجدر بالتالي التذكير بأنّه منذ ظهور الدولة إلى الآن، فإنّ معظم -إن لم تكن كل- الثروات الفعلية والممكنة، كبيرة كانت أومتوسطة، هي ثروات ريعية حققها ذووها عبر مؤسسات الدولة، أو بواسطتها، أو بتواطؤ صريح أو ضمني مع أصحاب الحكم، أومن خلال تسهيلاتهم المباشرة وغير المباشرة. وكانت وما تزال علاقة رجل الأعمال بالنظام هي أهم ما يحدد إمكانية ازدهار أعماله أو حتمية إفلاسه التام. وعلى هذا المستوى لم تتغير أبدا هذه العلاقة في الفترة الطائعية نوعا بل درجةً فعرفتْ فشوا مذهلا وتضافرا مع علاقات أخرى من مستويات متعددة لا تربط الحاكم برجل الأعمال فقط بل تحول بمعنى ما الحاكم - صراحة أو ضمنا - إلى رجل أعمال يسير العام بمقتضى الخاص.

 

ولا يصعب إدراك مدى اتكاء المال الموريتاني الخاص أيا كان على الريع العام. فمن السهل الاطّلاع الآن مثلا على الحجم المذهل للمديونية التي تطالب بها أبرز المؤسسات العمومية وشبه العمومية الموريتانية كبارَ رجال الأعمال المهيمنين، ولكن يكاد يستحيل تحديد الحجم الحقيقي لثرواتهم. ويزيد الأمر تعقيدا أن جزءا كبيرا منها يتنقّل دون توقّف بين حسابات أجنبية متناثرة في العالم.

وتبدو الأرقام الأكثر حذرا أشبه بالمبالغات. وتلتقي كلُّها في أنّ أقلّ من أربعين شخصا يمتلكون أكثر من ثلثي الثروة الوطنية.

 

وما عدا استثناءات نادرة فإن هؤلاء ينتمون إلى المحيط المقرَّب من ولد الطائع. وإذا لم يكونوا كلّهم من المنتمين تقليديا إلى قبيلته فإن الولاءات العصبية القديمة المبنية في أغلبها على قرابة الدم، الفعلية أو المفترضة أو المزعومة، تلعب طبيعيا، باستعادتها وإعادة استثمارها، دورا توحيديا كبيرا، وإن لم تنجح في إخفاء تضارب المصالح المزمن.

 

بيد أن النواة الفعلية للأثرياء تتشكل مما لايبلغ العشرين رجل أعمال. وهم في شطْرهم من رجال الأعمال الأوائل الذين نجحوا خلال سنوات ولد الطائع الأولى في السلطة، في الإمساك به و"إقناعه" بـ"انتسابهم إليه" فكونوا بوعي وبدون وعي جسره إلى عصبية أظهر لها لفظيا عداءه المطلق في البداية، واستطاعوا منذ ذلك الحين أن يكسبوا "الجاه المفيد للمال" بالتعبير الخلدوني، وأن يضاعفوا ثرواتهم ونفوذهم مضاعفة أُسطورية. أما الشطر الآخر فأفراد من أسرته أو من مقربيها ممن يدينون له بكامل ممتلكاتهم وسلطتهم، حيث بدؤوا مع عهده حرفيا من الصفر وانتقلوا خلال هذا العهد معجزيا من الفقر المدقع إلى أفحش الثراء.

 

ولا يملك معظم ذوي النفوذ الفاعل من كبار رجال الأعمال أي تكوين لا قديم ولا حديث، بل إن الأمية أو ما يقترب منها من ميزاتهم المعروفة. ولكن للعديد منهم تجارب عابرة للعقود ولهم تمرس طويل لا بالأعمال والتجارة فقط، بل بالمجتمع بمعظم شرائحه. ولبعضهم قدْر غير قليل من الدهاء "التقليدي" وحس فطري قوي بمصالحهم. هذا فضلا عن أنّهم في المعظم من ذوي الأعمار التي تتجاوز الستين. إلا أن فقرهم في التكوين يضعف إن لم يلغِ أي قدرة لهم على تحليل وتفهم المتغيرات الهائلة المتساقطة في محيطهم، أو على امتلاك نظرة شمولية لواقعهم و- تبعا لذلك- لمستقبلهم. ومن ثم عجزهم عن ابتكار أي إجابات جديدة على أوضاع جديدة، وارتباكهم البين أمام كل ما لا ينسجم مع "العادة" والمتَّبع. وعكسا لما يُتوهم فيهم من قدرة على التأقلم فإن أعمارهم الطويلة لا تعني في أغلب الأحيان، بالرغم مما تحمله من تجربة ثرية، سوى التقوقع في الماضي ورفض الحاضر والمستقبل. وتدل على ذلك، تمثيلا لاحصرا، طرقهم "الحانوتية" في التسيير، والمسافة النفسية التي تفصلهم عن أغلب الأجيال الجديدة بما فيها الأجيال المنحدرة من محيطهم المباشر، وذلك في مجتمع متوسطُ العمر فيه أقل من العشرين. ولم تتغير طرقهم التسييرية بشكل يذكر، حتى وهم يتعاملون مع شركات عالمية تجمعهم بها مصالح أساسية. بل إن بعض شركائهم الأجانب اضطر أن يُغير بنفسه، أسلوبه التسييري حين يتعامل معهم لينسجم مع طرقهم العتيقة.

وبقدر ما يمثل هؤلاء "العقل" الاقتصادي للنظام، يمثلون أيضا، وإلى حد كبير "عقله" السياسي وتحجره وتآكلُه. فمن العسير تخيل مشروع استثماري مهم لا يكون أعضاء هذه الشبكة أو بعضهم شركاء أساسيين فيه. وهم يتحكمون في السوق وفي أسعاره تحكما يكاد يكون مطلقا. وكلما بدا القطاع هاما وحيويا، تضاعفتْ هيمنتهم عليه، فسوق المواد الغذائية الأساسية مثلا يشكل ميدان احتكارهم ومضارباتهم بامتياز.

 

وللنواة الفعلية بين هؤلاء ترابط كبير في العلاقات البينية، العائلية والتجارية والسياسية. وتقع أسرة ولد الطائع الآن في قلب هذا الترابط. ومن البديهي أن زواجه أوائل التسعينات في أحضان هذه الشبكة لم يكن من شأنه سوى تكريس مسلسل من إعادة الانغراس تقليديا في أرضيتها. تماما كما جاء قبل ذلك حادث الموت الغامض لزوجته الراحلة بمختلف حيثياته الدالة، ليمثل سقوط أحد أواخر الحواجز النفسية التي كانت تعيق جزئيا ذلك الانغراس.

 

إلا أن الحضور الطاغي للاعتبارات العصبية الموحِّدة يؤول اليوم عكسيا، إلى ما يسميه ابن خلدون بصراع "الإنفراد بالمجد" و يغذي بلْ يؤسس عداوات وصراعات داخلية لا تكفّ عن الغليان مهما بقيت أحيانا كثيرة صامتة. وفي حالات معينة تجاوزتْ هذه العداوات أرضيتها الخفية بل وتخطّتْ حدودها الحمراء بكثير إنْ لم تكن قد أعادتْ رسم هذه الحدود. وقد اضطر ولد الطائع مرات للتدخل لإخمادها لاسيما عندما وصل بعضها، كالصراع بين قطبين متضاربين تقليديا في قبيلته، حد الصراع العلني وبدا أعمق مما "يلزم". ومع ذلك فلا يُستبعد أنْ يَنْظر ولد الطائع بعين الرضى للكثير من الصراعات والعداوات التي تدور حوله فهي قد تضمن له امتناع حدوث تآمر شامل ضده داخل الأوساط القريبة منه خصوصا في مثل هذه الأوقات التي قد تفكر خلالها هذه في استبداله حرصا على مصالحها الضخمة. وتدلّ أحداثٌ عينية أنه قد يكون خلف بعض هذه الصراعات وأنّ تقنية اختبار جديتها عبر دفعها خارج خطوطها الحمراء لا يستبعد أن تنتمي إلى قاموسه المخابراتي الخاص. غير أنّ أبسط نوتة ناشزة في هذا السياق قد تزلزل التوازن السلطوي الهش.

 

وأكثر من ذلك فإن الأحداث الأخيرة قد خلقت مسافة نفسية جلية بين ولد الطائع ومحيطه هذا، وهي مسافة لا تسمع تجلياتها ولا معطياتها الملموسة أو التي يمكن حدسها بشكل أو بآخر من سبر عمقها ودلالاتها في الوقت الراهن. ولكن يمكن الجزم دون كبير عناء بجديتها. إضافة إلى ذلك، فمع أن ظاهرة تحويل رؤوس الأموال إلى الخارج، تعود إلى عدة سنوات فإن تفاقمها وازدياد محاولة أصحابها استثمارها الكلي أوالجزئي في مشاريع أجنبية، قد كشفتا في الأشهر الأخيرة عن الدرجة التي وصل إليها الخوف لدى رجال الأعمال من الانقلاب المفاجئ للوضع. وتتوازى هذه الظاهرة مع تكديس عائدات الكثير من الصادرات الوطنية في حسابات شخصية في الخارج.

 

3- فيما وراء السلطة - القبيلة

لا مراء كما رأينا في أن إعادة صياغة وإعادة استثمار البنيات التقليدية خلال العقد ونصف العقد الأخيرين قد شوها ورهّلا بل وقنّعا الحركية الفعلية للمجتمع وأوهما أنها قد تعطلت. ووصل الأمر مثلا درجة مراجعة انتماءات سياسية عديدة لصالح الانتماءات التقليدية أو لصالح ما تجدر تسميته بالانتماءات التقليدية المستحدثة بما طال مساحات واسعة من المجتمع بل بما شمل حتى بعض الأوساط المحسوبة على المعارضة المنظمة. وقد نجح ولد الطائع في منح الانتماء القبلي شرعية متزايدة لم تلبث أن اكتسحت الأجيال الجديدة التي نمت وتكونت في فضاءات متضاربة بنسبة أو بأخرى مع الفكرة القبلية. فالقبيلة صارت الوسيط الذي لا مفر منه للاستفادة من أبسط الحقوق التي يفترض أن الدولة توفرها.

 

لنضرب مثالا واحدا من بين عشرات الأمثلة الممكنة. ففي بلد تصل فيه نسبة من يعيشون تحت العتبة الدنيا للفقر نسبة الـ 46 بالمئة بحسب الأرقام الرسمية - فيما قد ترتفع في بعض التقارير إلى ما يزيد على ذلك بكثير - وتبلغ فيه البطالة الشبابية لذوي الشهادات نسبا مذهلة تناهز السبعين بالمئة ولا تقدم فيه الدولة أي ضمان اجتماعي حتى لقطاعات عديدة من موظفيها، لا بد أن تظهر البنى التقليدية كالقبيلة الحصن أو المأوى الوحيد الذي يتوسم فيه توفير الكفالة الاجتماعية التي لا تقدمها البنى الاسمية المنسوبة إلى الدولة. هكذا تصبح البطالة واستقالة الدولة وإعادة شحن القيم التراتبية والفئوية القديمة وما في معناها، بين آليات أخرى متداولة، وسائل لتكريس مشروعية الإطار القبلي، لا كما كان قبل الدولة بل كما يراد له أن يستثمر في الفضاء العام كبنية قديمة جديدة تمثل الوسيط الأساسي الذي تقبل به ضمنا وممارسة مختلف السلط المهيمنة والذي تعتقد، عن حق في أغلب الأحيان، أنه يضمن لها منع تكون فعاليات اجتماعية جديدة أي قائمة على أسس اجتماعية جديدة ويمكّنها من خنق الطموحات الصاعدة وسلب الارادات الوليدة أو تدجينها. بيد أن المعطيات الأخيرة التي لعب الثامن من يونيو دورا أساسيا في إنضاجها بينما ساعدت الحملة الحالية على استثمارها، كشفت أن الاستقلال النسبي الذي يتمتع به طبيعيا الإطار القبلي، بالرغم من ماضويته العضوية، قد يلعب مرحليا دورا إيجابيا في تفكيك بنية هذا النظام الذي مثل نصب القنوات القبلية وتكريسها واحتكارها إحدى استراتيجياته الأساسية. ولا يستبعد أن يلعب هذا التوجه القبلي الجديد دورا لا يستهان به خصوصا في المناطق التي مايزال الحس العصبي فيها مرتفعا كمنطقة الحوضين، لا سيما أن هذه الأخيرة هي تحديدا التي ينتمي إليها عدد كبير من قادة المحاولة الانقلابية وتعرضت في الأيام التي تلت المحاولة إلى استهداف مكثف تمثل في حملة متعددة الأبعاد لم تخف شحنتها القبلية شبه المعلنة.

 

وتمتلئ صالونات نواكشوط بمئاتٍ، إن لم يكن بآلافٍ، من الكوادر وأنصاف الكوادر أو ممن عرفوا في ماضيهم القريب أو البعيد مناصب عالية وأقل علوا أو من ذوي الامتيازات التقليدية الكبيرة أوالصغيرة، ممن كان الطموح إلى اكتساب موقع مهم في النظام القائم قد دفعهم أن يُضحوا، ليس فقط بقناعاتهم أو ما فيما في معناها، بلْ بوقتهم وبمكانتهم، بل أيضا بثرواتهم، لصالح الزمرة الطائعية خلال حملاتها "الانتخابية"المتلاحقة ولم يكسبوا في المقابل سوى وعود على وعود ما ازدادتْ مع الزمن إلا تكدسا وسرابية، بل إنّ بعضهم لم يربح إلا مواعيد عرقوبية تتجدد في أحسن الأحوال خلال لقاءات "العقيد" بـ"أطر" ولاية المعني. ويعيش كثير من هؤلاء ظروفا مادية في غاية الصعوبة يزيدها تعقيدا وضعيتهم الاجتماعية ومكانتهم المفترضة وولاؤهم المعلن للنظام. وقد وصل عدد منهم إلى الإفلاس المادي ومن ثم المعنوي الكامل أو شبه الكامل. ويشعر العديد من هؤلاء بمرارة كبيرة بل وبحقد على النظام لا يخفف أثرهما سوى فقدان ما قد يرونه من زاويتهم "بديلا واقعيا" بعد أن خسروا سنوات في الجهد الدعائي لن يكفوا في قرارة أنفسهم عن التحسر عليها، وبعد أنْ اختصر طموحهم على محاولة الاحتفاظ اجتماعيا بما أمكن من ماء الوجه. وإذا كان بعضهم مستعدا للهروب إلى الأمام لفترة إضافية فإن الكثيرين قد سئموا وأخذ ظهورهم في المناسبات التي يختلقها النظام من حين لآخر يتّسم بسلبية متنامية. ويتمتّع أفراد غير قليلين منهم بقدرات تعبوية لا يُستهان بها. وقد كشفتْ جولات ولد الطائع الأخيرة عن تفاقم هذه الظاهرة الجديدة نسبيا ووصولها إلى "حلقات" لا تبعد أو لم يكن يُتصور أنها تبعد كثيرا عن أوساطه الخاصة. وقد يحاول ولد الطائع لفترات قصيرة قادمة أن يسترجع جزءا من هؤلاء عن طريق اختلاق مناسبات أو افتعال "أوضاع" مؤقتة أو باقتطاعهم امتيازات صغيرة ولكنّ أغلب الظن أن طبيعة امكانياته وانفاقاته الحالية والمستقبلية لن تسمح له بإعطائهم شيئا ذا بال كما لن تمكنه أن يصل عددا مهما من بينهم والأكثر دلالة من ذلك أن إعراضهم عنه قد اقترب من نقطة اللاعودة إن لم يكن قد تجاوزها بالماضي ضحية الثامن من يونيو، ومن ثم فإنّ استعداداتهم النفسية قد تغيرت جذريا وأن ثقتهم فيه قد ضعفت إلى أقصى الحدود. ينضاف إلى ذلك أن الثامن من يونيو قد قضى على ما يمكن أن نسميه بعقيدة أبدية نظام ولد الطائع، فلم يعد بقاؤه أمرا نهائيا أو "قدرا" لا مفر منه. وطبيعي أن قضاء المخيلة الجماعية على سرمدية هذا النظام مكن ويمكن نفسيا عددا من هؤلاء من الإعلان عن اتخاذ موقف سلبي من النظام الحاكم. ولا يستبعد أن يزداد ذلك على المدى القريب.

 

4- هل سيقبل ولد الطائع بالهزيمة؟

إذا كان سبر الأبعاد الذاتية لتصرفات رئيس أي دولة صغيرة أساسيا في استشراف بعض القرارات الحاسمة فليس من السهل التنبؤ بقرارات ولد الطائع في الظرفية الحالية. فنفسيته كانت وما تزال غامضة كأغلب تصرفاته. وقد سبق فعلا أن اتخذ قرارات سريعة ومفاجئة يمكن أن نتذكر من بينها إعلانه في عيد الفطر سنة 91. فمراجعة الأحداث التي هيأت لذلك الإعلان أو سبقته، وتذكّر القرارات التي اتخذ عدة أسابيع قبل ذلك - كالإعلان مع بداية رمضان عن تأسيس مجلس اجتماعي واقتصادي سيتم التراجع عنه أو تناسيه تاليا إذ يتضارب مبدأ وتكوينا مع ما ستعنيه مبادرة الفطر - تؤكد أن مضمون خطاب الفطر عبر عن إجراءات سريعة قبل بها فجأة ولد الطائع ولم يكن يتوقعها حتى المقربون منه.

 

المشكلة الحالية هي أن ما يترتب على القبول بالهزيمة الانتخابية لا يمكن أن يقارن بما عنيته وعود الفطر سنة 91. ولكن قد يلجأ ولد الطائع إذا ما أصر على منح نفسه في اقتراع السابع من نوفمبر نسبة ما تفوق الخمسين إلى إجراء تعديلات مستوحاة من منهجية 91 مادامت بعض أوساط السلطة ماتزال تروج في دوائرها لفكرة امكانية تمرير "نجاح" ولد الطائع بنسبة غير عالية إذا ما تمت تغطية "النجاح" ترهيبا وترغيبا بإجراءات سريعة ولافتة. فلا يستبعد مثلا أن يلجأ ضحية الاقتراع إلى تغييرات دستورية شكلية يعلن عنها بضوضاء كبيرة وتقدم على أنها استجابة لمطالب "العديد" من مكونات المعارضة وقد تُشفع بشبه حكومة ائتلافية شكلية أو بما يماثلها في حالة ما إذا أدرك النظام جزئيا مخاطر انفجار الاحتقان الذي قد ينجم عن إصراره على "النجاح".

إلا أن متغيرين أساسين من متغيرات المعادلة ما يزالان غامضين إلى حد كبير. أحدهما الدور الذي يلعبه الشركاء الأجانب والثاني دور المؤسسة العسكرية.

 

ومع ذلك فهذا الغموض لا يمكن أن يخفي حقيقة تدهور استعداد عدد من الشركاء الأجانب للمراهنة الفاعلة على النظام الحالي. ومهما كان الدور الذي يفترض أن بعضهم لعبه بشكل أو بآخر في إفشال محاولة الثامن من يونيو فإن حرصهم على ضمان مصالحهم على المدى الطويل واقتناعهم المتزايد بعد الثامن من يونيو بأن الوضع الموريتاني الحالي لا يمكن أن يستمر لفترة طويلة على ما هو عليه أيا كانت نتائج اقتراع السابع من نوفمبر مرشحان لخلق هوة متزايدة بينهم مع النظام السائد. وقد حاول ولد الطائع اقناع عدد من شركائه في الأشهر الأخيرة بضرورة تسليحه ولكنه فشل في ذلك إلى حد كبير. وإن اقتنى بعض الأسلحة من اسبانيا وفرنسا فإن هذه الأخيرة مثلا رفضت إعادة التجديد الكلية أو الجزئية للطاقم المدرعاتي الذي قضت عليه أحداث الثامن من يونيو حيث كان النظام ينوي فيما توضح المصادر اقتراض حدود خمسين دبابة.

 

وهي تفاصيل لا تخلو من دلالة. إذ تؤكد هذه المعطيات التخوف الثنائي للنظام ولشركائه من وضعية المؤسسة العسكرية الموريتانية، وهو تخوف ينتج طبيعيا مواقف متضاربة جوهريا. فالطرفان يدركان أن المؤسسة التي أنجبت صالح ولد حنن ورفاقه لا يمكن تغيير أس غليانها بإجراءات سريعة أو سطحية. إذ أنها بطبيعتها التنظيمية لا تتطور بنية ووجهة إلا على عقود. والنظام السائد حاليا بحكم عسكريته يعي أن أي محاولة متسرعة لإعادة هيكلتها قد تعني نهايته. ذلك أنه يمكن الجزم بأن الذين خططوا للثامن من يونيو لا يمثلون- لا خلفية ولا تكوينا ولا وجهة ولا وضعية- حالات شاذة داخل المؤسسة العسكرية. بل إن كل المعطيات تجوّز الاعتقاد بأنهم كانوا المقدمة المنظورة لاهتزازات ثخينة ما تزال مطمورة.

 

لنتوقف قليلا عند هذه النقطة، فمن المهم أن نعيد التأكيد على أن محاولة الثامن من يونيو لا تشبه أيا من الانقلابات أو المحاولات السابقة.

 

مقارنة بسيطة توضح ذلك:

بدهي أولا أن الفئات العريضة التي تكون الآن المؤسسة العسكرية لا تشبه بأي من المعايير الفئات التي كانت تكون هذه المؤسسة عشية العاشر من يوليو. فالطموحات التي دفعت كثيرا من فئات الشباب المتعلم إلى الالتحاق بالمؤسسة العسكرية منذ بدايات الثمانينات لا تشبه في شيء دوافع بعض من عرفوا المدرسة الاستعمارية قبل أن يلتحقوا بجيش ما كان مقدرا له أن يأخذ حجما مهما في الحياة العامة بل لم يولد فعليا إلا مع حرب الصحراء التي أعطت لضباطه النفوذ الذي مكنهم بالاطاحة بالمرحوم المختار ولد داداه.

 

ومن هنا فكل الانقلابات التالية الناجحة والفاشلة معا لم تكن إلا تصفية حسابات بين أفراد المجموعة نفسها التي أطاحت بالنظام المدني قبل أن تكتمل تصفيات حساباتها الداخلية بإيصال ولد الطائع إلى السلطة. وبعبارة أخرى فإن كل تلك الانقلابات لم تكن إلا استمرارا بصيغة أو بأخرى للعاشر من يوليو. ومن ثم فإن محاولة صالح ورفاقه هي أول محاولة جديدة بكل المعاني، جاءت لتعبر عن حقبة ووضع ووجهة تصدر عن أجيال جديدة.

 

وتبعا لذلك فإن محاولة الثامن من يونيو لم تكن كمختلف الصيغ التقليدية عملا خطط له ونفذه ضباط ينحدرون من قمة هرم السلطة أو من المحيط المباشر بشخص الحاكم.

 

إلى ذلك فإن الثامن من يونيو قد كشف لجميع الأطراف- بما فيها النظام الحاكم نفسه- أن كل العمل الذي كرس خلال السنوات الأخيرة لتكوين وحدات خاصة مدربة تدريبا عاليا في بلدان متعددة تنتمي جملة إلى محور واشنطن - مدريد - تل أبيب، والذي ركز على تكوين نخبة عسكرية شابة مستقلة عن الأجنحة التقليدية للمؤسسة العسكرية ومضمونة الولاء للنظام سواء عبر أصولها العصبية والجهوية أو عبر الامتيازات الجمة التي خصصت لها، بدا كأسطورة نقضتها الساعات الأولى للأحداث؛

 

وهو ما يطرح أسئلة حول جدية قدرات هذه الوحدات الخاصة وحول البنية العامة للمؤسسة العسكرية، وحول طبيعة الصراعات و العدوات التي لابد أنها لعبت دورا كبيرا في شل قدرات الوحدات الخاصة وفي إضعاف ولائها للنظام القائم، وهي التي تمتعت بامتيازات لا وجه لمقارنتها بالوضعية التي تعيشها المؤسسة العسكرية التقليدية.

 

إذا كان الدور الذي ستلعبه، المؤسسة العسكرية خلال، و بعد السابع من نوفمبر، ما زال محل تساؤلات جدية، فلا يخفى -إن صح ما تقدم- أن هوامش مناورات النظام صارت محدودة، وأن الأوهام التي غذاها لتقديمها للاستهلاك الذاتي أو المحلي أو الأجنبي، بدأت تتبخر شيئا فشيئا، ولكن المعيار الأساسي سيبقى قدرة مختلف الشرائح الشعبية ومكونات المعارضة المنظمة على استغلال هذا الظرف الإستثنائي لتجنيد مختلف الإمكانيات المتوفرة ضد هذا النظام. و كما أوضحنا في نداء السابع من سبتمبر فإن المادة الخام للتعبئة الشاملة متوفرة إلى حد كبير ولكن القدرات التنظيمية هي محك النجاح التعبوي..

 

لقد تهدمت أقانيم أساسية من أقانيم الأسطورة السلطوية مع الثامن من يونيو. وسمح تصادف بداية المرحلة التحضيرية المباشرة للاستحقاقات الرئاسية بهذه الأحداث بفتح هوامش للتحرك الانتخابي لم تكن متوفرة من قبل. وإذا كانت المعارضة لم تنجح في تقديم مرشح موحد فإن تنامي تنسيق مرشحيها الثلاثة يمثل بادرة إيجابية، وينبغي في نظرنا اعتبار كل صوت يكسبه أحد الثلاثة صوتا تكسبه المعارضة بمجملها. ولا يمثل ذلك بحال من الأحوال تجاهلا لتعدد مشاريع وتوجهات مكونات ومرشحي المعارضة ولكن يعبر عن وعي بطبيعة المرحلة وضروراتها.

 

وهي ضرورات تقتضي أيضا الأخذ بعين الاعتبار، لمختلف العناصر والعوامل التي قد تبدو للوهلة الأولى ثانوية أو تفصيلية، و سيعني ذلك في الظرف الراهن أهمية عدم إهمال الجوانب الفنية في الاقتراع، فهي ما تزال تمثل في مستويات عديدة هوامش لايتوانى النظام عن استثمارها جملة و تفصيلا.

 

ثلاث نقاط خطرة يلزم استحضاراها ومواجهتها الحازمة في الساعات القادمة: فعلى صعيد الاقتراع ما تزال بعض المراكز الانتخابية والريفية منها بالأخص، وحيثيات وضع القوائم الانتخابية وتعدد بطاقات الناخبين تمثل أركان تزويرية يسهل على آلية النظام امتطاؤها بأقل تكلفة سياسية.

والنقطة الثانية تتعلق باللعبة الكرنافالية التي بدأ النظام يستغلها، فهذه اللعبة موجهة -لا إلى الاستهلاك المحلي فقط- بل تستهدف إيهام الهيئات الدولية والأجنبية المهتمة، والتي قد تغيب عن بالها جوانب عديدة من خصوصياتنا الاجتماعية، بأن الكثافة النسبية لحضور بعض هذه التظاهرات "الرسمية" يترجم الدعم الذي يتمتع به مرشح السلطة. وخطر هذه اللعبة يصدر عن نية يحتمل أن تكون مبيتة لاستعمالها كغطاء يمهد على الصعيد الدولي للإعلان عن نتائج مزيفة.

 

أما النقطة الثالثة فترتبط بكون السابع من نوفمبر جمعة رمضانية، ولا يستنكر أن يكون هذا الاعتبار حاضرا أصلا، في اختيار هذا التاريخ، فسيراهن النظام على الظروف الخاصة برمضان لشل جوانب من القدرات التعبوية لا سيما في المناطق التي تنجح فيها تلفيقاته المتعددة على خلق صعوبات ميدانية تشكل حواجز فعلية ونفسية وهو ما يقتضي- كغيره- أقصى مستويات الحذر والتعبئة خصوصا أن الحس الأخلاقي الديني الذي يرتفع خلال رمضان، قد يمثل عاملا تعبويا إضافيا يمكّن إذا ما اغتنم واستثمر من تكثيف الحيوية التعبوية بدل شلها بما يسمح بالاستعداد لمختلف الاحتمالات الممكنة بعد السابع من نوفمبر، وهي احتمالات ستتطلب قدرات تعبوية واستباقية متزايدة.

 

*الناطق الرسمي باسم تحالف المعارضة الموريتانية في المنفى

 

(1) قد لا تكشف حرفية ترجمة العنوان التي اعتمدت مؤقتا عن أن المعنى الحصري الأقرب هو موريتانيا برغم – أو برغم أنف – العواصف والسيول إذ أن هذا العنوان هو عبارة فرنسية متداولة تعني : "برغم كل العراقيل والصعوبات"، ولا يخفى ما لمحتواها البياني من دلالة في السياق الموريتاني. قلت "العنوان الذي اعتمدت مؤقتا" لأنه يفترض أن تصدر قريبا النسخة العربية من الكتاب. فقد كلف بها الرئيس المختار، بنص مقدمة النسخة الفرنسية، أكفاء من أمثال : سيدي عبد الله ولد المحبوبي، محمد بباه ولد محمد ناصر ومحمد المختار ولد السعد.

 

 

(2) Moktar Ould Daddah, la Mauritanie contre vents et mar้es, Karthala, Paris, 2003, P. 23.

 

 

للتعليق على هذا الموضوع