23 مايو 2005

 

 

خريف الربيع اللبناني

ماذا سيبقى من انتفاضة 14 اذار؟ 1/2

بشير هلال

أسابيع قليلة بدت كافية ليذبل ربيع بيروت وتظهر نذر الضباب الخريفي.

 

والشعب الذي نُسِبَت إليه صناعة هذا الربيع بدأ يأخذ لدى بعض الكتاب صفة الشعب المُتَوهَّم. وبدل الوحدة التي يقال أن هذا الربيع حملها وكرسها بين اللبنانيين، حل أو يكاد يحل خطاب قوامه التشنج الطائفي والحديث عن الغبن وفرض مشيئة الجناح المسلم على الجناح الآخر في وطن يُحسّب واحدا لكنه لا يطير إلا بجناحين وفق معادلة قديمة يعاد تجديدها.

 

وسقطت أوراق المعارضة رغم إنكار لفظي من قبل أكثر قواها نفوذا- بعدما كانت قد ذوت إلى حدود إنكار ذاتها وبعدما غدا بعض مكونيها أكثر المتصارعين شراسة واحتداما، مما حجب أو يكاد يحجب كل الأدب الإتهامي الذي عيّن الهيمنة السورية والنظام الأمني المافياوي أللباني السوري بوصفهما الخصم الرئيسي للشعب اللبناني وتطلعه إلى الحرية والاستقلال. ويكاد يقع في النسيان الخلاف مع القوى التي ظلت حتى اللحظة الأخيرة متمسكة بتأبيد التبعية والمراهنة عليها وتخوين كل من طالَبَ بخروج القوّات السورية. وصار مسيحيو التبعية للنظام السوري مشعلي الرأي العام المسيحي ضد مسلمي المعارضة- مستفيدين بدون تحفظ من البيان العنيف لمجلس المطارنة الذي اتى ذروة محاولة خلق استقطاب جديد قوامه القانون الانتخابي الذي أُقِرَّ ببهلوانية نادرة. بينما انفرد حزب الله وحركة أمل بانكفاء واثق لا يهدده أي منافسة جدية في المربع الذي يدعيان تمثيله والنطق باسم مصالحه بعد التحالف الذي قيل انهما عقداه مع اطراف مؤثرة في المعارضة ضمن سياق المسعى الدولي لشد حزب الله الى ترجيح "لبنانيته: وترك الدور الاقليمي والعمل المسلح الذي هو اداة رئيسية لحمل هذا الدور.

 

ألا تكون انتفاضة الاستقلال مهددة عندما لا يتعب احد ابرز قادتها من تكرار أننا أمام وصاية دولية جديدة أدهى واكثر خطورة من الوصاية السورية وإننا أمام أجندة اميركية، منضما بذلك إلى موالين لم يترددوا في التعامل مع الانسحاب السوري بوصفه مطلبا اميركيا إسرائيليا وحسب وليس مطلبا طبيعيا ومشروعا للشعب اللبناني قبل كل شيء وقبل القرار 1559 وما عناه على صعيد علاقة الولايات المتحدة والقوى الدولية الاخرى بالمنطقة؟

 

ضباب خريفي يوهن مكتسبات الحركة المليونية في 14 آذار المتمثلة أساسا بانسحاب قوات النظام السوري واستطرادا باستقالة/إقالة بعض قادة الأجهزة الأمنية اللبنانية اللذين لا زال بعضهم يندفع في تنسيق لا يكل مع النظام السوري، كما اثبت الاستقبال الاستثنائي الذي حظي به اللواء جميل السيد في دمشق. هذا دون أن ننسى- التمارين العملية التي مثلتها التفجيرات الترهيبية في عدد من المراكز الرمزية.

 

ولا شك بان تحقيق هذا الانسحاب هو أولاً مكسب تاريخي كبير بحد ذاته. وهو ثانيا مكسب استثنائي كونه جاء في قمة اعتقاد النظام السوري برسوخ هيمنته وانزراعها في المؤسسات والمجتمع اللبنانيين- وهو ما عبر عنه بالاستهانة بكل من نصحوا بعدم التمديد للحود. وهو، ثالثا، مكسب نوعي في تاريخية اكتساب لبنان هويته الخاصة. وهو، رابعا، مكسب للشعب اللبناني الذي ما كان للانسحاب أن يتم بهذا اليسر لولا تدخله القاطع والكثيف في كل ما أعقب اغتيال الرئيس الحريري وصولا إلى 14 آذار. دون أن ننسى طبعا اثر كل ذلك لدى شعوب المنطقة التي تابعت لحظة بلحظة عبر الإعلام مسار ومسيرة اللبنانيين نحو إنجاز استقلالهم الثاني.

 

ولا شك أيضا أن إجراء الانتخابات--بصرف النظر أو رغما عن القانون السيئ الذي ينظمها- بدون الوجود الفيزيكي الظاهر لعساكر النظام السوري وتوقع تَحَوُّل الكتلة التابعة له إلى أقلية يمكن وضعهما أيضا في خانة الايجابيات. كما أن اندراج هذه الانتخابات في منحى استعادة الوقع الطبيعي للاستحقاقات الدستورية والمؤسسية أمر ايجابي بدوره.

 

إلا أن كل هذه الايجابيات لا تستطيع أن تحجب المنحى العام السلبي للتطورات بعد 14 آذار. والذي يمكن إيجازه على مستوى المعارضة بالأشكال التالية :

 

- عدم تبني أي برنامج لما بعد الانسحاب. وهو برنامج يفترض أن يشمل المطالبة بإجراءات وقوانين وتعديلات مؤسسية ضامنة للديموقراطية والحريات العامة والفردية ولحل الخلافات بوسائل سياسية ولممارسة السيادة- بما في ذلك إعادة النظر بالاتفاقيات المعقودة في زمن سيطرة النظام السوري.

- عدم تبني مواقف منسقة فيما يتصل بالموضوعات التي طرحت مباشرة بعد التيقن من تقيد النظام السوري بتنفبذ انسحاب عاجل. ويشمل ذلك الموقف من الحكومة ومن رئيس الجمهورية ومن مجمل النظام الأمني ومن القانون الانتخابي.

 

-عدم إيجاد آلية للمتابعة سواء على مستوى البرنامج السياسي أو الانتخابي أو على مستوى البحث باللوائح والتحالفات.

 

- التحولات في الخطاب السياسي- أو في ما يراد إبرازه لقوى المعارضة التي شنت حروبا معلنة حول "أبُوّة" ربيع بيروت والموقف من القرار1559 والصلة بالقوى الدولية التي وضعته وسيرورة القانون الانتخابي- علما أن البريستول كان قد اعتمد المطالبة بتطبيق قانون 1960 الذي يؤمن على ما يقال تمثيلا طائفيا اكثر "عدلا" فضلا عن انه يضعف فعالية مشاريع المحادل - والعلاقة مع اطراف السلطة والموالاة.

 

- تمدد السجال داخل المعارضة الى مواضع جذرية وبنيوية لا يمكن للتجمع المعارض بشكله المتولد عن الاحداث وبطبيعة اطرافه ان يعالجها. كقضايا موقع "الاقطاع السياسي" والمال في الحياة السياسية او الفساد ابان سيطرة النظام المافياوي الامني. وهي قضايا يتصل بعضها بتاريخ المجتمع والدولة في لبنان المعاصر، وبعضها استشرى وتفاقم اثناء الحروب المتناسلة وبخاصة بعد اتفاق الطائف ورسوخ هيمنة النظام السوري وانبثاثه في مفاصل الحياة والمؤسسات. وبالتالي فان طرحها بصفتها قضايا عاجلة متزامنة مع شعارات "الحرية والسيادة والاستقلال" انطوى على تقدير متسرع لامكانيات المعارضة، وبدا كما لو انه ساهم بتعميق الهوة بين بعض اطرافها في لحظة محتدمة على صعيد اخر. في حين ان طرح الموضوع كجزء لا يتجزّأ من مشروع الاصلاح وحكم دولة القانون والمراجعة النقدية والنقد- ذاتية على قاعدة تحرك مدني وشعبي يسمح بتحقيق نتائج فعلية وببلورة سياق تصاعدي له.

 

لماذا حصل ذلك ؟ ماذا تعني الاشكال الحالية للانقسامات؟ إلى أية افاق تقودنا؟

 

للتعليق على هذا الموضوع