16 فبراير 2005

 

رفـيــق الـحـريــرى ... بنـيـران صـديـقــة .. !

أيـمـن السميري

 

-    ولـيـد جـنـبـلاط .. لا ..لا .. لاتكن غبيا، سيصبح الموقف فاضحا، وغير قابل للتفخيخ، إذا أردت أن تحارب فكرة؛ أقتل نبيا، دعونا ننال من الرجل الطيب؛ عراب الإستقرار، كاريزمته؛ أخطر علينا من حدة جنبلاط، المتدثر بفرنسا والظروف المواتية، ليس ثمة أخطر، من رجل قوي، كالحريرى؛ يقول "لا" بصوت خفيض فيسمعه العالم أجمع. الرجل ليس محسوبا على أحد، ويعرف كيمياء اللبنانين جيدا، وإذا إستمر فى ترديد "لا" ستتلاشى أمامها أي "نـعــم" راضخة ... يا وحوش، الآن: قاطف البرتقال العصامي، الصاعد من بروليتاريا شوارع صيدا؛ عندما تكون جاهزا بكل غِلّكَ ... إضـرب... بلا رحمة...

 

(المشهد صفر، مترجما عن الأكواد الإستخباراتية، وشفرة المؤامرة)

 

من حقنا على أجهزة إستقبالنا العتيقة، نحن المشاهدين السلبيين، أن نسأل القيادة السورية والسؤال هنا قد يكون بحسن نية أو بخبث طوية.. لافرق هل أنتم أيها السادة، فى القيادة، ما زلتم على ثقتكم القديمة بأن ذراعكم الإستخباراتية الطويلة فى لبنان ما زالت تعمل، بإتساق كامل مع جسدها فى دمشق، أم أنها إنفصلت عنها، وأصبحت تعمل بإنفراد، على الأرض، وفق منطق عملياتي، يتعامل مع حساباته الخاصة، بحسم دموى، يضمن إقصاء مراكز الثقة والتأثير، وإسكات الأصوات التى قد تكون مسموعة...!؟

 

هل أنتم يا سادتنا، على يقين من أن طول المكوث بلبنان لم يخلق شبكة عنكبوتية من المصالح، مع بعض الأطراف تتجاوز القيادة الكبرى، وتجعل الرجوع الى دمشق فى كل كبيرة وصغيرة، هو مجرد روتين إجرائى، تقادم بفعل الزمن، ويمكن تجاهله فى كثير من الأحيان، والعمل بشكل أنـى، وفق إملاءات المواجهة، طالما أن لبنان الحزين أصبح مجرد ملف، يحمله مكلف ما، سواء كان وليد المعلم، أو أى مكلف أخر. يبقى الموضوع مجرد ملف، ويبقى الذراع الإستخباراتى الحر مسئولا فقط أمام حامل الملف، وليس أمام السلطة المركزية؛ كى يعفيها من حرج التبرير، ويمنحها ثوبا ناصع البياض على الدوام...!؟

 

حسنا، من السهل أن نتهم أمريكا وإسرائيل، وبكل تأكيد سنفعل، ولو من باب التعود والإستسهال، لا أخلف الله للإعراب عادة. وأرشيف إذاعاتنا وفضائياتنا حافل بولائم الشجب والإدانة لأعداء الأمة العربية. سنفعل ذلك بكل تأكيد، حتى ننفى عن أنفسنا سبة فهمى هويدى ودراويشه بأننا من مثقفى المارينز الإنهزاميين، جلادى الذات المارقين، وسنذهب الى أبعد من ذلك ونتهم إسرائيل بتفخيخ طريق بيروت الحـريـرى، فهى لها سوابق عديدة ومعلنة فى بيروت. وسنقوم بتسطيح القضية ونختصرها فى شخص من ضغط على ذر تفجير الـ TNT، وثمة رجال، يعتمرون قبعات يهودية، ويجلسون على كراسى هزازة، يضحكون منا الأن وهم أسعد الناس بتخريجات الذهنية العربية، لا بأس إسرائيل فعلتها... من حقنا نحن المشاهدين أن نعيد السؤال، ذراع سوريا الإستخباراتية منذ ثلاثين عاما أو يزيد، وأكثر مهماتها سذاجة هى الحفاظ برموش عيونها على رموز قد يمثل المساس بهم حرجا للوجود السورى. وهذه الرموز ليست عضوا فى حماس يقطن شقة مجهولة بأزقة دمشق، وإنما هم أناس بوزن رفيق الحريرى، لا يصعب على الذراع أن يكتشف فى أى شارع تمر عجلاتهم، وجدول أعمال الحريرى معلن على واجهات أعمدة الإنارة، والحفاظ عليه كرمز هو دور وإلتزام إرتضته سوريا بمحض إرادتها، طالما أنها قررت منذ زمن بعيد أن إستعادة الجولان، تبدأ من بيروت مرورا بصيدا ,وصور، وليس من القنيطرة وجبل الشيخ. ما بالنا وحماية شخصية محل إستهداف كالحـريرى. قد يكون مطلبا سوريا فى هذا الوقت الدقيق من تزاحم الضغوط، حيث أثار حذاء لارسن على سجاد القصر الجمهورى لم تنمحِ ، إذا لم تكن هذه مهمة الذراع الإستخباراتية داخل الدولة/الملف، فماذا تكون مهمتها؟ و أين يتعين أن تتواجد، على شاطىء جونية مثلا، أم فى كواليس حفل لفيروز..!!؟

 

إذا لم تكن سوريا مدانة بدم الحريرى وركبه، فهى مدينة على الأقل بتفسير ما حدث بعدما إحتكرت مفاتيح لبنان، وأسمعتنا على الدوام لحنها الوحيد: "تلازم المسارات". سوريا التى نحبها، مدينة لنا بتفسير خلق أجواء كهذه، توفر فرصة لمزيد من الإحتقان ,والغليان فى المراجل الخفية، سوريا التى نحبها، ونخشى عليها، تحارب المعركة الخطأ، فى الأرض الخطأ، بالوسيلة الخطأ. سوريا التى نحبها، ينبغى أن تدرك أن الطريق الى جبل الشيخ، لا يمر من الجنوب اللبنانى، لا يمر بعمائم حزب الله، لا يمر بالرهان على توازنات طائفية، وطابور خامس إستخباراتى، خرج عن الطابور، وتفرعت عنه عدة طوابير، صنعت دولة داخل الدولة.

 

يبقى أن نعاود، ونسأل السؤال التاريخى اللغز: لـمـاذا لبنان؟ لماذا يحلو للجميع أن يتخففوا من خطاياهم على أرضه؟ لماذا يتعين على لبنان أن يستضيف على أرضة فرعا لكل مفارز الأيديولوجيا والصراع؟ لماذا تمرح فى جنباته عمائم الملالى، وطاقيات التلمود، وكوفيات القوميين، ودشداشات ولحى الأصوليين وكل شارات التناحر، وتصفية الحسابات؟ هل هو قدر لبنان أن يصبح هايد بارك الهوس، وتصفية قضايا الميراث العروبى؟ لماذا تريدون من طفل صغير شادى صناعته الحياة أن يصبح رأس حربتكم؟ وفى سبيل ذلك، تقتات ألة الغل من دماء بنية. رفيق الحريرى كان طفلا جميلا يبنى، كان ساحرا يشيد بألوان الخشب وطنا سئم رائحة الخرائب وأزيز الكلاشينكوف. الحريرى صعد وهو يحلم أن يتحرر لبنان من أسر الملف والرف ليصبح وطنا يسع كل أطفاله. صعد الحريرى، وترك لنا السؤال.

 

سوريا التى لم تسمع منذ سنوات لنصيح الأمير عبدالله، والرئيس مبارك، كما لم تسمع منذ أكثر من عشرين عاما للسادات، ينبغى أن تسمع الأن: من يعش تحت الضغط، من يأسه، قد يضرب فى كل الإتجاهات، والنيران قد تطال الأحبة. ليس أسوأ من أن يموت المرء بنيران يعتقد أنها صديقة, حتى بإفتراض أن من ضغط على زر التفجير يجلس خلف المحيط، فالذى أعطى الأمر، سواء كان يدرى أو لا يدرى، هو من صنع الأجواء المناسبة للحريق وسكب الزيت على الطريق .

 

كاتب من مصر ...

aymanalsimery@yahoo.com

 

للتعليق على هذا الموضوع