6 فبراير 2006

 

 

 

(كان أسهل الأمور، يوم أمس، أن ينجرّ أهل الأشرفية إلى الرد بالعنف على "المغول" الذين اجتاحوا شوارع العاصمة، وحطّموا المحلات والسيارات وكتبوا شعارات "إسلامية" على الجدران. وكان الأسهل أن يسحب شاب رشاشاً ليطلق النار على الرعاع الذين اجتاحوا منطقته وأمعنوا فيها نهباً وتكسيراً. ولكن "الأشرفية" كظمت غيظها وحَمَت لبنان من رسالة بشّار الأسد، وما تبقّى من نظامه الأمني والمافيوي. وبعض هذه "البقايا" موجودة في "التنظيمات" و"الهيئات"، وبعضها موجود في أجهزة الأمن وفي الجيش وفي مواقع من السلطة السياسية.

"الأشرفية" قالت أمس أن 2006 ليست 1975. الحرب الأهلية وراءنا.. ومعركة "إستقلال لبنان وديمقراطية سوريا" أمامنا، كما قال إبن الأشرفية سمير قصير. التغطية التالية الممتازة من جريدة "السفير" تعرض بعض ما قامت به الغزوة المغولية لشوارع بيروت)

*

 

 

ماذا لو كانت القنصلية في الحمرا أو فردان؟

هناك.. حيث جرى الاعتداء على الأشرفية.. ولبنان

سعدى علوه

 

متكئاً على عكازه، بالكاد وصل الرجل الثمانيني قرب سيارته المركونة إلى يسار مركز الصليب الأحمر اللبناني في منطقة الأشرفية، مخنوقاً بدخان الأبنية والإطارات المحروقة والقنابل المسيلة للدموع. وجد المتظاهرين قد كسروا زجاج سيارته وهم في طريقهم إلى القنصلية الدنمركية للاحتجاج على نشر صحافة بلادها صوراً مسيئة للنبي محمد. نظر الرجل العاجز، عن لملمة زجاج مقعده، من حوله، ليجد سيارات أخرى (ومن ضمنها سيارات الصليب ألأحمر) ومحلات كثيرة وقد لاقت المصير نفسه لينهار كطفل صغير شرع لتوه بالبكاء.

بالقرب من الرجل كان الفتى الغاضب يتساءل عن جدوى وسبب الإعتداءات التي تعرضت لها منطقته وعن <<ذنب هذا الختيار>>، لينتهي إلى القول <<شو بدهم يعني نعمل حواجز ونبلش دبح على الهوية>>، <<عيب هالحكي>> قال له رفيقه. <<وبعدين قديش عمرك حتى بدك تدبح؟؟>> سألته سيدة خرجت تبحث عن زوجها <<كان عمر بيي 14 سنة بالـ75 لمن بلش يقطًع على الحاجز، هلق أنا أكبر منه>>.

 

هذا بعض من مناخ لا يستهان به عرفته منطقة الأشرفية بالأمس على خلفية الحوادث والاعتداءات التي ارتكبها المتظاهرون الذين كان من المفترض بهم الاحتجاج على ألإساءة للنبي محمد فإذا هم <<يسيئون للنبي وللإسلام ولهذا البلد الواقف على صوص ونقطة>>، كما قالت السيدة وهي تسكت الفتى الغاضب <<مش ناقصنا نرد على الهمجية بهمجية أبشع منها متل ما عملوا>>.

 

تحولت الأشرفية، ذلك الجزء الجغرافي الذي احتفظ من العاصمة بمنازلها القديمة وبعض اخضرارها والكثير من جمالها.. تحولت إلى ساحة حرب ووغى، فمن بين دخان الإطارات المحروقة والقنابل المسيلة للدموع والنيران التي تلتهم البناء الذي يضم القنصلية الدنمركية ضاقت ألأنفاس وقل الأوكسجين في الهواء وجاءت السيارات المكسرة والمحطمة ومعها واجهات المحال التجارية والحجارة وعصي الخشب واللافتات المتروكة في منتصف الطرقات والشعارات المذهبية على الجدران لتكرر احد مشاهد الحرب التي عانى اللبنانيون منها ما عانوه.

 

وعلى طريقتهم أيام الحرب والطوارىء كان أهل الأشرفية بالأمس.. ومن شرفات منازلهم وصلت اصواتهم وهم يهاتفون اولادهم واقاربهم للبقاء في أمكنتهم <<ما حدا يطلع لبرا>>. ومن نوافذ أبنيتهم كان واضحاً تفاجؤهم بما حصل من جهة وتخوفهم من المزيد من جهة ثانية، من دون أن نغفل أولئك الذين تجمعوا بالقرب من مدرسة الحكمة في أسفل الطريق المؤدية إلى ساحة ساسين يتشاورون في إمكانية <<التصدي الذاتي>> للمتظاهرين <<إذا مش رح تحمينا الدولة لازم نعرف نحمي حالنا>>، قالها أكثر من متجمع في المكان. وبلغت حماسة البعض حد محاولة التوجه نحو مبنى القنصلية حيث كان المتظاهرون قد اهتدوا إلى مبناها أخيراً، وبدأوا بحرقه <<من شو خايفين يللا معي، ناطرينهم يجوا يقتلوكم ببيوتكم>>، قال اكثر من شخص، لكنهم لم يلقوا التجاوب من الأخرين.

 

وإلى حيث وقف هؤلاء <<تاه>> شابان من المتظاهرين ليجدا بعض أهل المنطقة الغاضبين بانتظارهم وحولهم أكثر من عشر سيارات محطمة.. هناك انهال أكثر من عشرة شباب على كل منهما، وأوسعوهما ضرباً على قاب قوسين وأدنى من القوى ألأمنية ثم تركوهما لأنهم لا يريدون <<الرد على الهمجية بالمثل>> كما قالوا، فيما لملم الشابان جراحهما وربما كسورهما وهربا من المكان.

 

ليس بعيداً عن الحكمة كان حرس وزارة الخارجية يلملمون زجاج مبناها <<فكروا السفارة هون وهجموا علينا>>، قال أحدهم وهو يحلل ما حصل <<يظهر إنه القنصلية سحبت علم الدنمرك عن واجهتها والمتظاهرين تاهوا ودخلوا الأشرفية وصاروا يفتشوا عليها>>.

كلام الحارس أكدته آدليت التي كسر المتظاهرون واجهة المبنى الذي تسكنه <<بدهم ندلهم على السفارة وما صدقوا إننا لا نعرفها>>.

 

ومع ما يشبه حظر التجول حاولت القوى ألأمنية أن تمنع أهالي الأشرفية من الوصول إلى حيث المتظاهرين <<ما تقربوا لهونيك في خطر على الجميع>>، ومن هناك أصبحت ألأخبار تأتي بالمبالغات لترمي <<الزيت على النار>>: <<حرقوا كنيسة مار مارون وكسروا ساق الخوري>>، قال أحدهم، <<كمان اعتدوا على كنيسة مار متر>> قال أخر، <<أنا سمعت إنهم وصلوا على كنيسة مار مارون والناس طالعة من القداس ورشوا كل العالم بالرصاص>>. هكذا كانت بعض الإشاعات تلقى في شارع الأشرفية وسط الاعتداءات الواضحة في أحيائها والتي كانت تدفع بأهلها إلى تصديق كل شيء <<وكأننا عشية ال75>> قالت سيدة وهي تتأبط ذراع زوجها <<نحنا كنا بقداس مار مارون وما حدا رشنا بالرصاص>>، أوضحت لأحد المتجمعين <<في شوية همج كسروا شبابيك الكنيسة بس>>.

 

هناك في الكنيسة بدا وكأن المتظاهرين قد حملوا سيارة لقوى الأمن الداخلي ورموا بها الجدار الخلفي للمكان.. خوري الكنيسة ورعية المنطقة الياس فغالي يحافظ على هدوئه ويطلب من كل من يريد ألأخذ بالثأر أن يخرج من الكنيسة <<نحن مسيحيون لا نأخذ بالثأر>>، قالها لأحد الذين قصدوا الكنيسة تضامناً مطالباً بالدفاع عنها والثأر لما حصل لها.

 

الأب فغالي أكد أن المتظاهرين لم يتعرضوا له شخصياً ولم يدخلوا إلى الكنيسة <<كان معهم قنابل وبنزين بس رجعوا ما حرقوا الكنيسة، اكتفوا بتكسير بعض نوافذها>>.

 

وبالفعل طال الضرر النافذتين الأماميتين للكنيسة، بالإضافة إلى قلب سيارة للدرك على ظهرها وسيارة مدنية أخرى وتكسير زجاج سيارتين في حرم الكنيسة التي تحولت إلى ما يشبه الثكنة العسكرية لكثرة رجال الأمن فيها وحولها ولكن بعد تعرضها للإعتداء.

 

وهناك كان أحد ضباط الأمن الداخلي يوضح لخوري الكنيسة ورعيتها أن القوى ألأمنية كانت أمام خيارين <<إما إطلاق النار وقتل بعض المتظاهرين ونكون بذلك قد نفذنا للمدسوسين مآربهم، وإما المواجهة بالطريقة التي حصلت: لا قتل ولكن محاولة منع تطور الأوضاع أكثر مما وصلت إليه>>.

 

وبالفعل كان رجال ألأمن في وضع لا يحسدون عليه <<أهال غاضبون مما تعرضوا له ومنطقتهم وأملاكهم ومتظاهرون حضر بعضهم مجروحاً بصدق مما تعرض له النبي محمد ولكن لا حول لهم ولا قوة مع من قرر أن يرتكب ممارسات لا تمت للإسلام بصلة ولا ترفع الإساءة عن النبي محمد ولا تردعهم قنابل مسيلة للدموع ولا حتى عصي فرقة مكافحة الشغب فما العمل؟

 

وفي خضم كل الجو المشحون الذي عاشته الأشرفية وخصوصاً الشوارع والأحياء المتفرعة من ساحة جبران تويني قرب برج الغزال، وجد أبو كمال (من سكان حي التباريس) بعض الإيجابية <<يعني مليح يلي رجع المتظاهرين من قلب الأشرفية قبل ما ينزل أهلها على الطرقات>>. أبو كمال كان يزنر سيارته بشريط من النايلون بعدما كسر المتظاهرون زجاجها ألأمامي <<يعني رح يتسلى الواحد مع شخص عم يكسر سيارته؟ طبعاً بدهم يتواجهوا>> قال وهو يرفض أن يرد على <<المغول>>،كما أسمى من <<خربوا>> داخل التظاهرة ،<<بمثل ما فعلوا>>.

 

بالقرب من أبو كمال كان <<حسين>>، كما تشير بطاقة الشركة التي يعمل فيها حيث هرب وزملاؤه منها لدى احتدام الأمور <<هربنا قبل ما يكسروا الدنيا على رؤوسنا>> قال حسين قبل أن يقرأ شاب في المكان اسمه من على صدره <<بس أنت حسين يعني منهم، لازم تروح تحرق السفارة معهم>>، هز حسين وأجاب <<بقدر كون مستاء من الإساءة للرسول وضد يلي عم يصير،ولا لأ؟>>.

 

حسين نفسه سأل ابو كمال كمن يحدث نفسه <<لو كانت القنصلية بمنطقة الحمرا أو فردان مش كانوا رح يكسروا الدنيا كمان؟>> سؤال لم يكن بإمكان أحد الإجابة عليه.

 

تعرضت الأشرفية للاعتداء بالأمس نعم. خاف أهلها واستنفروا بالتأكيد، و<<لكن ما طال الأشرفية في أحيائها وأهلها في مشاعرهم واملاكهم خط جرحاً في جسم لبنان وبين أهله على طول الوطن وعرضه>> قال حسين قبل أن يغادر ..

 

لم نكن بالأمس على قاب قوسين أو أدنى من أوساخ الطائفية، كنا نمشي في وحولها ومستنقعها.. علّ اليوم وغدا ومعهما المستقبل كله تمنحننا فرصة تطهير كل ما علق فينا.

*

 

شغب منفلت يلطّخ تظاهرة الاحتجاج على الإساءة للنبي محمد

"الغاضبون" يقتحمون الشوارع ويحطمون السيارات والمحال بحثاً عن سفارة

حرب دنماركية في بيروت أبطالها مشاغبون... والأشرفية ساحتها وضحيتها

جهاد بزي

 

 

عند الحادية عشرة من صباح أمس الأحد، كان خط الدفاع الأول والأخير بين الغاضبين على الدنمارك وبين قنصليتها في التباريس قد سقط. سيارتا الدفاع المدني تعلوهما جموع الغاضبين بعدما هرب المسؤولون عنهما وجيب الدرك المقلوب تستعر فيه النيران. لا أثر لعناصر الدرك أو الجيش إلا إذا بحثت عنهم لتجدهم متفرجين في الشوارع الفرعية الضيقة. سقطت جادة شارل مالك عسكرياً في أيدي آلاف من الشبان الذين يجتاحون الأشرفية بحثاً عن سفارة لا أحد منهم يعلم أين تقع.

مدججون بعصيهم وبما انتزعوا من دعامات حديدية وإسمنتية من الطرقات، ومدججون بالحجارة أيضاً، اقتحم هؤلاء الجادة الطويلة العريضة ودمروا في طريقهم كل شيء. آثار المعركة الأولى التي انتصروا فيها ما زالت على وجوههم، عيون حمر كالجمر تدمع بعد الغاز المسيل للدموع، وإصابات طفيفة وبلل من رؤوسهم إلى أخماص أقدامهم. هذا لن يمنعم من البحث عن مبنى السفارة كي ينفسوا عن غضبهم العارم فيه.

 

ثمة عيارات نارية بعيدة ما زالت تسمع. لكن هذه العيارات لن تلبث أن تصمت تماماً. هي ربما بعض جيوب المقاومة العسكرية الرسمية التي آثرت أن تنسحب تاركة أمر يوم أمس لمشاغبين محترفين.

 

المشاغبون انقسموا في ما بينهم إلى مجموعات مختلفة. هناك من قرر أن ينتقم من الأشرفية. اختار الواجهات الزجاجية العالية وراح يضربها بالعصي فلا يتركها إلا وقد تساقط زجاج المصرف أو محل المجوهرات أو خلافه. هناك من يثأر من حاويات النفايات الصغيرة فيحملها عالياً ويعود ليخبطها أرضاً.

 

ثمة مراهقون وضعوا السيارات نصب أعينهم. ينظرون إلى داخل السيارة. إذا ما وجدوا صليباً معلقاً على مرآة، أو أيقونة مسيحية، حطموا بسرعة ما استطاعوا من السيارة قبل أن يكملوا إلى سيارة أخرى. بضعة من الواعين يصرخون في المخربين أن يتوقفوا عن تدمير الممتلكات العامة والخاصة. آخرون يمنعون تحطيم السيارات التي فيها ما يشير إلى الإسلام. وهناك من يركض وهو في حالة هستيريا تامة، يصرخ: <<الله أكبر ولله الحمد>> أو <<لبيك يا رسول الله>> أو <<فداك يا رسول الله>>.

في الوقت نفسه، هناك من تابع البحث عن السفارة. طوال ساعة، ظل مثيرو أعمال الشغب المحترفون يعيثون في كل شيء فساداً. الجادة بدت مهجورة. الشرفات المطلة على الشارع خاوية والبوابات موصدة. والحجارة تتطاير كيفما اتفق على أي زجاج مفترض.

 

في خضم هذا الجنون الفالت على غاربه، تنشقّ الأرض عن جندي لبناني يحمل في يده مخزن رصاص بندقيته وفي اليد الأخرى راية سوداء كتب عليها لا <<إله إلا الله محمد رسول الله>>. الجندي يمشي محاطاً بالعشرات الذين يقررون حمله على الأكتاف. ألقي القبض على المسكين الذي اضاع طريقه لكن أحداً لم يتعرض له. أمشوه معهم وهو يحاول الوصول إلى أقرب نقطة لرفاقه المتوارين. الجندي الذي فقد اعصابه تماماً راح يهذي بكلمات عن أن الأسلام لا يقبل مثل هذه الأعمال وان البلد بلدنا وما إلى هنالك. وظل يحكي حتى التحق برفاقه من الجنود الذين كانوا في آخر الجادة يقفون متفرجين على الغوغاء الباحثة عن السفارة.

 

الساعة الآن الثانية عشرة ظهراً. الحصيلة هي أكثر من خمس سيارات عسكرية منقلبة ومتفحمة لقوى الأمن، وسيارتا دفاع مدني تتحركان بثقل هائل وعلى غير هدى تحت وطأة عشرات الأجساد التي اعتلتهما يقودهما غاضبان مجهولان.

 

هناك من يحمي كنيسة مار نيقولاس من المهاجمين. لكن هؤلاء، بعد حفلة التحطيم، لم يجدوا <<السفارة الكافرة>>، فقرروا العودة إلى خط الدفاع الأول للانطلاق من جديد. في طريق عودتهم يخرج إليهم ضابط في الجيش حاسر الرأس محاطاً بجنوده. يتوقف ليحكي مع مجموعة منهم ويركض صوبه شيخان شيعي وسني. يبحث الضابط عن بندقية مفقودة. يقول للشيخ السني إن شيخاً آخر أخذ البندقية من أحد المتظاهرين فيطمئنه هذا إلى أنه ما دامت البندقية في عهدة شيخ فلا خوف. لكن المقدم يتوجس شراً بالطبع من هذه المشكلة الخطيرة بشدة. تتابع الغوغاء البحث عن السفارة في هسترية جماعية حيث كل واحد يصرخ وحده ويلوح بما في يده وحده.

 

يدخلون في طريق فرعي وهم يتهمون عناصر مخابرات خفية بتضليلهم وجعلهم يبتعدون عن هدفهم الدنماركي. في الطريق الفرعي يجدون مبنى صغيراً عليه علم سفارة إحدى دول أوروبا الشرقية فيرمون الطابق الأول بالحجارة، ويُسمع دوي انفجارات ناتجة عن مفرقعات نارية كبيرة الحجم كان البعض يحملها في جيوبه. هناك يحيط البعض بسيارة وُضع القرآن أمام مقودها وتنجو سيارة حمراء أخرى من مصير محتوم عندما يكتشف الغاضبون مجسماَ صغيراً للكعبة يتدلى من مرآة الرؤية الخلفية فيها. أما السيارات الأقل حظاً، المسيحية أو العلمانية التي تخلو من شعار ديني فتُعامل كما يجب أن تعامل: تحطم.

 

لم يصلوا إلى هدفهم بعد. كان بعيداً بضعة أمتار عن خط الدفاع الذي اجتاحوه في بداية حربهم، في مبنى التباريس، سيصلون إليه بعد قليل، لكنهم، قبل وصولهم الميمون، سينزلون في طريق فرعي ملاصق للمبنى. هناك ينتصب مبنيان متجاوران. يختار المتظاهرون المبنى الثاني ليعلنوا أنها السفارة وليقفزوا إلى طابقه الأول ويحطموا زجاجه ويرموا محتوياته، ويضرموا النار فيه. في المبنى الأول، وقف رجل بدا كمن يحمي مدخل المبنى. يقول للشبان: هذا المبنى ليس فيه سفارة. هناك أولاد. فجأة يختنق بكلماته: <<ولادي فوق. ولادي صغار>>. وتنهمر دموعه. الرجل خائف من النار التي بدأت تلتهم المبنى المجاور ومن المتظاهرين. لم يجد إلا البكاء والمزايدة على المتظاهرين في شتم الدنمارك. دموعه كانت كافية بالطبع ليركض عليه اكثر من ملتح ويعانقه ويهدئ من روعه بأن يحضنه ويقبله على خديه ويشرح له معنى <<الأخوة المسيحية الإسلامية>>، بينما تنزل امرأة من المبنى حاضنة طفلين يحيط بها أحد الجيران ويختفون. ويظل الرجل منتصباً يحمي المبنى الذي فيه بيته.

 

الأوراق التي رماها محررو المبنى الأول (وحارقوه) لم يكن فيها ما يشير إلى الدنمارك. هي مجموعة من السير الذاتية لخريجين جامعيين. الطابق المحترق تابع لمكتب إعلانات. أين السفارة؟ آه! إنها تلك التي في الخارج. وهي ليست سفارة أصلاً. هي قنصلية. لكن الحريق الذي اشتعل في المبنى الأول صار شديداً، ما جعل المشاغبين يمدون خرطوم مياه سيارة الأطفاء لمحاولة إطفائه بأنفسهم، هذا بينما يتسلق بضعة <<عتاعيت>> الطابق الأول لمبنى التباريس ويحاولون تحطيم زجاجه السميك، ويفشلون. لكن لحظة اقتحام السفارة، لن تأتي من دون دراماتيكية ملائمة لمثل هذا النهار المجنون. ترتفع مطرقة كبيرة الحجم من سيارة الإطفاء إلى الشاب المنتصب أمام الزجاج. يرفعها عالياً أمام الجماهير المتحفزة في الأسفل فتهدر هذه بالتهليل والتكبير. يبدو كبطل أسطوري. يهوي البطل بالمطرقة على الزجاج فينسحق على وقع الصراخ: <<الله أكبر. الله اكبر>>. يحطم الشاب الزجاج ويدخل، وما هي إلا لحظات حتى تتناثر الأوراق من النافذة فوق الرؤوس. لحظات أخرى ويسقط جهاز هاتف. يلحقه آخر. الغوغاء تحطم الآن في الطابق الأول كل ما تطاله أيديهم. لا نرى ما الذي يحدث في الداخل. فقط نرى ما يرمى إلينا. بعد دقائق يخرج الدخان الأبيض من النوافذ المحطمة تلحقه ألسنة النار... و<<الله اكبر>>.

 

لقد أحرقت السفارة الدنماركية أخيراً. بعدها سيطل البطل الأسطوري مضرجاً بالدم الذي خلفته الجروح في يديه وفي رأسه وينزل السلم الحديدي مختنقاً، وخلفه آخرون تعلوهم الدماء أيضاً.

المصابون كثر. إصابات طفيفة بحسب شبان جالسين في سيارات إسعاف متفرقة تابعة لأكثر من جهة. لكن الضحية الأولى والأخيرة في هذا اليوم الملعون هي الأشرفية التي شاء حظها أن يكون الشغب والدمار في شوارعها هو الثمن الأقل كلفة لانسحاب القوى الأمنية من أمام الغاضبين. الأشرفية التي ضحت رغماً عنها ولجمت نهراً غزيراً من الدم لا شك في أنه كان سيجري بالقرب منها لو أن الجيش أصر على الوقوف في وجه الهستريا التي لا سابق لها في هذا البلد منذ وقت طويل.

 

الواحدة بعد الظهر. حسناً. أحرقنا مبنيين. ماذا بعد؟ لا شيء. يجب إخماد هذه النار. ولا أحد هنا يعرف كيف يستخدم سيارتي الإطفاء المصادرتين. عناصر الجيش عادت إلى الطريق وفصلت، من بعيد، بين المتظاهرين والأشرفية. تأتي سيارتا إطفاء جديدتان برجالهما الحقيقيين هذه المرّة يعلو إحداهما شيخ يرفع الصوت عالياً من اجل السماح لهما بالوصول إلى النار. تعملان على إخماد النار وسط متفرجين هدأت أعصابهم قليلاً وإن لم يتوقفوا عن الصراخ الغاضب على الدنمارك وقد وحدوا هتافهم: <<سنية شيعية ... وحدة إسلامية>> و<<الله عثمان عمر وعلي.. دم المسلم عم يغلي غلي>>.

 

يركض بضعة ملتحين صوب شيخ ويقولون له إن ثمة اعتداء وقع على شبان مسلمين في الأشرفية. يجيبهم الشيخ بأسف وإحباط: <<بسيطة. نحن دمرنا منطقتهم>>. يطلب منهم الانسحاب، فينسحبون.

 

يعود الجيش شيئاً فشيئاً إلى السيطرة على زمام الأمور بلطف شديد ومن دون التعرض لأحد. يساعده الشيوخ. المنبر الذي انتصب فوق قاعدة خشبية قبالة الحاجز الأول لتلقى الكلمات عبره فكك وحمل في شاحنة من دون أن يعلوه أحد.

 

<<الحملة اللبنانية لمواجهة الإساءات الدنماركية>> فشلت فشلا ذريعاً في تنظيم تظاهرتها والخروج بها بصورة حضارية مع أن الحشد كان هائلاً أتى من مناطق لبنانية عديدة. فشلت الحملة في التنظيم وهي التي من المفترض بها ان تفصل بين المتظاهرين والقوى الأمنية. فكان أن الذين صنعوا خبر أمس المقيت هم الشبان الغاضبون وبينهم الكثير ممن وجد، في ذروة غضبه، وقتاً للسطو على تجهيزات الدفاع المدني المحمولة على الأكتاف وعلى الهواتف وحتى على عبوات حليب وآلة لصنع القهوة... الأميركية.

 

<<وين السفارة؟>>، سؤال لم يتوقف الجميع عن طرحه حتى الوصول إليها. لم يكن هناك من يرشد الغاضبين إلى هدفهم. هكذا عاثوا في أرض الأشرفية فساداً. <<لو أنهم دلونا إلى السفارة منذ البداية لكنا أحرقناها وانتهى الأمر>> قال أحد الغاضبين. لم يدلهم أحد. المشكلة ليست مشكلتهم. المشكلة في العناوين التي يجهلها معظمهم حين تصير في المقلب الآخر من البلد.

 

المشكلة، في الأصل، دنماركية. والأشرفية كانت بالصدفة، ساحتها. الأشرفية كانت في نهار الأحد اللبناني المشمس الضحية البريئة الوحيدة في هذه الحرب المباغتة. الحرب التي يمكننا أن نسميها، مثلاً، حفاظاً على وحدتنا الوطنية، <<الحرب الدنماركية>>.

(السفير)

 

 

مواضيع ذات صلة:

السنيورة : "قوى الأمن لم تطلق النار حتى لا نقع في مشكلة أدهى" جعجع:

"لم يحصل إعتداء على كنائس والمقصود قنصلية الدانمارك وليس أي شيء آخر"

قبل 10 أيام من ذكرى إغتيال رفيق الحريري:

الإشارة جاءت من دمشق والهدف كان جرّ قوى الأمن للتسبّب بـ"مجزرة"

عمليات تخريب في شرق بيروت خلال تظاهرة مناهضة للرسوم الكاريكاتورية

 

للتعليق على هذا الموضوع

 

 

khaled Hassanyeh

e-mail: khaled_hassanyeh@hotmail.com

Comment: What happened in Beirut this morning is worse than the European newspapers had done to Prophet Mohammed