Middle East Transparent

17 اكتوبر 04

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

الإصلاح الشامل (15)

المستشار محمد سعيد العشماوي

ضياع العقل الإسلامي في الأوهام

 

المستشار محمد سعيد العشماوي- مفكر وكاتب مصري:-في الإصلاح السياسي: الايديولوجيا السياسية التي ابتدأها السلطان عبدالحميد الثاني لمقاومة اي اصلاح للانحطاط الذي كان قد تردي بالسلطنة العثمانية وجعل منها رجل أوروبا المريض، هذه الايديولوجيا لم تنته بعزله من السلطنة، بل انتشرت وترعرعت وتواصلت، حتي صارت ثالث العناصر التي تشكل الايديولوجيا الاسلامية والتي اسميناها الاسلام السياسي في كتابنا الصادر عام ،1987 فانتشر التعبير بنصه العربي، وترجمته الانجليزية POLITICAL ISLAM في كل انحاء العالم.

 

مما سلف يتبين ان عناصر هذه الايديولوجيا ثلاثة هي.

أولا : الفتنة الكبري التي ادت الي اغتيال ثالث الخلفاء عثمان بن عفان ثم تسلسلت الي حروب وقتالات صاغت كثيرا من المفاهيم والعبادات والمقالات التي شكلت التاريخ الاسلامي.

ثانيا: ما صدر من قول وفعل لمعاوية بن ابي سفيان الخليفة الخامس، الذي اسس الخلافة الأموية، والتي تنادي في ان الخليفة هو خليفة الله وان المال مال الله، وهو بالتالي حق الخليفة وما يتركه للناس فبالفضل منه هو، وليس حقا لهم، الأمر الذي ترسخ وتجذر طوال الخلافة الاسلامية، حتي الغيت في 4 مارس،1924 ثم صار نهجا يتبعه بعض الحكام، إما صراحة أو ضمنا، في العصر الحديث وباعتبار انه تراث الاسلام وتقاليد الأمة.

 

(ثالثا): ما أشاعه وأذاعه السلطان عبدالحميد الثاني، وبطانته وكتاب السلطة وعلماء الفتنة، لبقاء الحال في السلطنة العثمانية هي ما هو عليه (باللاتينية) STATUS QUO ومنع اي اصلاح ينتشلها من وهاد التخلف ودياجير الانحطاط، الذي جعل منها رجل أوروبا المريض، وكان السبب في الاحتلال الغربي لبلدان الشرق الأوسط ومؤدي اشاعات واذاعات السلطان العثماني ان السلطنة ليست في حاجة الي دستور لأن القرآن دستور المسلمين، وهي ليست في حاجة الي تشريعات واضحة محددة مقننة، لأن هذه بدعة غربية يغني عنها ما لدي المسلمين من شريعة الهية غير وضعية، وان المسلمين يأتمون بالرسول الذي هو أسوة لهم، وان الجهاد فريضة عليهم ومعاداة غير المسلمين واجب ديني، وعليهم محاربة هؤلاء علي الدوام، فمن مات من المجاهدين مات شهيدا وهو ما يدخله الجنة، ومن انتصر فسوف يساهم في احتلال أوروبا، التي كانت الجيوش العثمانية قد حاصرت أهم مدنها فيينا مرتين، ونشر الاسلام في كل ربوعها، فتكون الغلبة للاسلام والمسلمين، ويجبرون أهل أوروبا علي دفع الجزية وهم صاغرون.

 

كان سلاطين آل عثمان، نسبة الي أولهم عثمان بن أو آرطغرل بن سليمان شاه، من أرومة مغولية تتارية، لا يعرفون إلا الحرب والضرب، بالسيوف وعلي الأحصنة فكانوا من ثم سلطنة عدوانية وقد حاربت البلاد الأوروبية فاستولت علي القسطنطينية عام 1453 وسمتها اسلام بول او استانبول،وما زالت في يدها ويد تركيا التي خلفتها حتي الآن. واستولت علي املاك الامبراطورية البيزنطية ومملكتي بلغاريا وصربيا ومعظم بلاد اليونان والجزائر والمجر وولايات ترانسلفانيا والأفلاق والبغدان، وهددت فيينا فقهرها الاسطول الاسباني والبدنقي، مما اضطر العثمانيون الي رفع الحصار عن فيينا عام 1683 وأكرهوا (بضم الألف)علي عقد معاهدة كارلو ونزو عام 1699 حيث بدأت تنازلاتهم وانكساراتهم. وفي عام 1878 وبمقتضي معادة سان ستيفانو أملت روسيا علي السلطنة العثمانية شروطا صعبة. وفي عامي 1912 - 1913 نشبت الحروب البلقانية التي انتهت بتمزيق اوصال السلطنة في أوروبا، ثم اكتمل الانهيار في الحرب العالمية الأولي. فالسلطنة العثمانية ظلت في انتصارات متوالية مدة قرنين من الزمان، ثم دخلت في دور انهزامات متتالية مدة قرنين من الزمان. لكن فترة انتصاراتها قوضت الامبراطورية الرومانية الشرقية مما ادي الي الاستيلاء علي عاصمتها والاحتفاظ بها حتي اليوم تحت اسم استانبول، ومن ثم استولت علي املاكها، وكادت هذه الانتصارات ان تقوض الامبراطورية الرومانية الغربية، وكانت فيينا عاصمتها، لولا ان تكاتف الأوروبيون ففكوا الحصار الثاني الذي كان العثمانيون قد ضربوه علي فيينا ثم والي الأوروبيون تعقب السلطنة وجيوشها حتي استلبوا فيها كل ما كانت قد استولت عليه من الاراضي والمناطق الأوروبية فيما عدا الاستانة، وقد أدت الانتصارات الأولي في القرنين الأولين الي اذكاء العداوة للغربيين وللمسيحية، وهو عمل سياسي كان يستهدف تبرير ما يسمي بالجهاد، كما انه كان يرمي الي التفاف الرعية حول الراعي، وهو السلطان الذي يخضع بلاد النصاري لحكم المسلمين، غير ان عامة المسلمين لم يستوعبوا ان الهزائم التي حدثت في القرنين التاليين كانت نتيجة طبيعية وسننا كونية، للضعف الناتج عن فساد وضعف السلطنة، والقوة التي نتجت عن عمل واجتهاد الغربيين، فإذا أضيف الي ذلك ان التاريخ الاسلامي، منذ أحداث الفتنة الكبري، ونظرا لقيام كل الفرق السياسية والكلامية، وتأسيس الخلافات والإمامات والولايات والامارات بناء علي ما أرتآه كل جانب في احداث هذه الفتنة الكبري، وما تسلسل عن هذه الرؤي من نتائج لكل اولئك فقد تحفر اي صار كالحفرة او الحفريات وتحجر اي صار كالحجر والفصيلات اغلب الفكر الديني في احداث هذه الفتنة، ولم ينفصل عنها أو ينفك منها، فإذا اضيف هذا التحجر وذاك التحفر الي ما حدث من انتصارات ثم هزائم للسلطنة العثمانية فإن النتيجة كانت وما زالت ثبات الفكر الديني علي الأحلام، وضياع العقل الاسلامي في الأوهام، بحيث ما زالت الحركات الاسلامية وبعض الحكومات العربية تحلم بالسيطرة علي الغرب، بل وعلي العالم كله، وتحيا في وهم لا تبذل اي جهد لتبديده، ولا تقيم اي اساس لتصحيحه، ولا تهييء نفسها وامكاناتها لتحقيق المجد الذي تصبوا اليه.

 

كان ممن تأثروا بأيديولوجية السلطان عبدالحميد الثاني، جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، فكانا أول من أقام قواعد الاسلام السياسي في مصر اولا، وان لم يدركوا ذلك فقد عملوا علي الدعوة الي ما سموه بالرابطة الاسلامية، وكان معهم في هذا الاتجاه مصطفي كامل باشا، وعندما اتجه الافغاني من باريس الي الاستانة وفارقه محمد عبده الي بيروت، انشأ محمد عبده مع تلميذه محمد رشيد رضا مدرسة المنار، ثم انتقلت هذه المدرسة الي مصر فلما عمل محمد عبده مفتيا للديار الاسلامية اتجه الي اصلاح التعليم الشرعي وأصدر فتاوي دينية اجتهادية، وبوفاته عام 1905 انفرد محمد رشيد رضا بمدرسة المنار.

 

وحين الغيت الخلافة الاسلامية العثمانية التي كانت تتارية مغولية، لم يتكلم الخلفاء اللغة العربية ولا كلغة ثانية، وانما كان ثمة اتجاه لتتريك البلاد العربية بما كان يؤدي ضرورة الي تركهم اللغة العربية وصيرورتهم اتراكا باللغة والثقافة، حين الغيت هذه الخلافة ضج المسلمون من ذلك وقال الشاعر المصري احمد شوقي قصيدة عصماء يرثي فيها هذه الخلافة التي لم تكن خلافة اسلامية ابدا، وكان ذلك كله تأثرا بأيديولوجية عبدالحميد الثاني التي كان من مقولاتها ان لا اسلام بلا خلافة، فتركزت وتلخصت العقيدة الشاملة في شخص مفرد، مسلم بالاسم، وخليفة بالقول. بهذا تحولت مدرسة المنار وغيرها مما شاكلها، الي مناحات علي المجد الضائع ومباريات في التغني بألفاظ عن الدين والشريعة وهجائيات للغرب وللتحديث وللتفكير. في مدرسة المنار نشأ حسن البنا، فتشرب الايديولوجية السياسية ولما تخرج كان عمره آنذاك 22 سنة، وهي سن لا تعطيه خبرة ولا ثقافة وهذا فضلا عن انه لم يدرس الشريعة والفقه والتاريخ دراسة منظمة ممنهجة، ولم يعرف لغة اجنبية قط. واذ كان يجلس مع نفر من العمال في مقهي بالحي العربي فقد كان يردد لهم شعارات ما سمي فيما بعد بالاسلام السياسي، وظل يداعب ويلاعب السذج من الناس والقصر الملكي المصري والأسرة المالكة السعودية بإعادة الخلافة الاسلامية وسيطرة المسلمين علي العالم، بالقول وهو يجلس في مقهي، فكان اول من أسس اسلوب زعماء المقاهي الذين يخدرون الناس بالأوهام ويقودونهم بالأحلام، حتي اذا أفاقوا سقطوا من حالق، فلم يقبلوا الحقيقة والواقع، وألقوا بالملامة علي الناس أجمعين.

 

saidalashmawy@hotmail.com

 

 

مواضيع ذات صلة:

الإصلاح الشامل  14

الإصلاح الشامل 13  

الإصلاح الشامل 12

الإصلاح الشامل 11

الإصلاح الشامل 10

الإصلاح الشامل 9

الإصلاح الشامل8

الإصلاح الشامل 7

الإصلاح الشامل 6

الإصلاح الشامل 5

الإصلاح الشامل 4

الإصلاح الشامل 3

الإصلاح الشامل 2

الإصلاح الشامل 1

 

للتعليق على هذا الموضوع