31 يوليو 2006

 

 

 

 

 

هواجس.. المارد العربي

عقيل سوار*

 

عصفورة ووردة، وجدول صغير، ونجمة المحبة من فوقنا تطير!

أحسب أن هذه الأغنية القريبة إلى قلوب أطفالنا، كانت آخر ما ترنمت به أم لبنانية، لطفل من بين 35 طفلاً لبنانياً قبيل أن تدفنهم بقليل (نزعة الهولوكوست) الإسرائيلية المتقدة، بقاذفاتها  تحت أنقاض بيوت ''قانا'' المنكوبة الموعودة بنصيب وافر من المجازر.

 أكتب هذه فجر الأحد وما زالت أعداد القتلى ترتفع ومشاهد الدمار تتواتر، على شاشة التلفزيون، مقرونة  بأنغام بكائية من كلام عن مجزرة أخرى ترتكب في جنح الظلام. يذهب ضحيتها  - حسب رويتر حتى الآن فقط - ، 35 شهيداً بينهم 21 طفلا، أشفق عليهم وأشفق على ما تبقى من ذويهم، وأشفق أكثرعلى أبيهم الروحي السيد حسن نصر الله، الذي -مثل كثيرين غيري- أحترمه لما يتمتع به من ملكات إدارية وخطابية خاصة، نادرة الوجود في طبقة النخب السياسية بعالمنا العربي، لكني لا أملك بسبب اختلافي الطبيعي المشروع مع بنيته الفكرية وثقافته الغيبية المدمرة، والمتأتي كما أظن من المرارة التي ذقناها من ثقافة عبادة الفرد وصناعة (المارد العربي) التي مارسناها أبان حقبة الزعيم الخالد عبد الناصر، ثم بسبب ما ارتكبه نصر الله من أخطاء الشطّار، لا أملك إلاّ أن أحمّله وحزبه نصيباً وافراً من المآسي التي يتعرض لها لبنان على يد آلة الفتك الإسرائيلية المدعومة بلا أدنى حساسية إنسانية من قبل سيد الدراويش بوش الصغير، وحفنة السحرة في ديوان إدارته، وعلى رأسهم من تسميها محطة المنار، حمالة الحطب! لا خطأ أبداً في القول، لو أن حزب الله اكتفى بمجرد قتل الجنديين المخطوفين ضمن من قتل في تلك العملية البطولية المشروعة أخلاقياً وسياسيا، لما كان رد فعل إسرائيل أقل وطأة مما هو الآن.

 

لكن لعمليات الإنتقام الإسرائيلية - أو غيرها - حدوداً تمجها النفس البشرية، مهما قلنا في شأن هذه النفس وقسّمناها إلى شرق روحاني عفيف وغرب مادي متهتك، وعرب وإسلام ويمين ويسار، وصفوية ووهابية ....، أما والحال أن حزب الله قد اختار بسبق إصرار وترصد أن يحتفظ بالجنديين، فقد احتفظ معهما من حيث يريد أو لا يريد بمبادرة إيقاف هذا التدمير المنهجي، غير الخاضع في ظل اختلال ميزان القوة، لتبرير موضوعي عاقل مثل أن إسرائيل تحتفظ بأسرى أكثر.. وأن البادئ أظلم! مأزق الاحتفاظ بالمبادرة، في أصول السياسة وأصول الإدارة التي طالما حسبنا أن حسن نصر الله  قد أجادها أكثر من سياسي نعرفه، هو خطأ من أخطار الشطار التي لا عجب أن تدفع لبنان عشرة أضعاف كلفته، ومن هنا لا عجب أن يقع نصر الله وهو المتحدث البارع، في تناقض فاضح، حين يقول في مقابلة له (قبل الأخيرة) ، أن المقاومة تعمل بهدوء وتكتيك وبخطاب رزين محسوب لا يبالغ، ولا يتوعد، ولا يعد بما ليس له طاقة به.. لكنه  - أي نصر الله- بعد ثلاث جمل فقط، يقلب هذا الكلام الرزين على عقبه حين يضيف: لكننا لن نسلّم الجنديين لو وقف الكون كله ضدنا! وهذا كلام محزن، ومثير للشفقة، يفصح بخلاف ما يوحي ظاهره عن عجز يخلط بين القوة المعنوية والقوة المادية، ويلتمس مخرجاً لا أظنه متوفّراً بغير حرب كونية تدخلها إيران،  وتكون كيفما جاءت نتائجها وبالاً على المنطقة.. لكن إذا كنا نجد العذر للسيد حسن نصر الله - كما وجدنا العذر لزلات عبد الناصر - بوصفه إنساناً له ما للبشر من حق زلل اللسان، فإن الأكثر حزناً وإثارة للشفقة، هو أن تتبنى هذه الويلات طلائعنا السياسية الشعبية، فنقرأ ضمن ما نقرأ انتصار جمعية علمانية معتبرة في مجتمعنا البحريني الصغير، رسالة بعثت بها لنصر الله، تعيّنه فيها مارداً عربيا، وتنتصر فيها (بالحرف) لرفضه القاطع لأية مساومات حول قضية الأسرى حتى (لو اجتمع الكون كله)!

  bin-swar@hotmail.com

 

* البحرين

 

 للتعليق على الموضوع