1 أبريل 2005

 

 

النخبة والمسكوت عنه ثقافيا

أنس زاهد*

 

إذا فقد الكاتب القدرة على الحديث عن المسكوت عنه، فانه من الأفضل له والأجدى لغيره أن يسكت تماما .

 

نحن نلهو كتابة، والمأساة أننا نعتقد أننا نصنع التاريخ ونغير وعي الناس ونختزل المسافة نحو المستقبل أثناء لهونا هذا . المسكوت عنه دينيا وسياسيا واجتماعيا، هو ما يجب مناقشته، أما ما عدا ذلك فهو مجرد ثرثرة لا قيمة لها .

 

خاصية (الرغي) هي إحدى سمات الثقافة العربية، نحن نكتب لنجتر نفس المعاني، نثرثر كثيرا دون أن نقول شيئا. ما معنى أن نكتب ما هو معروف وما هو متاح، ما معنى أن نكتب دون أن نضيف شيئا جديدا إلى ما هو سائد وما هو متعارف عليه سلفا؟! انه عبث ثقافي، أو بمعنى آخر: نوع من استخدام المعرفة في أغراض عبثية .

 

حتى عندما اقتحم بعض رواد التيار العقلي في الثقافة العربية مثل ابن رشد "تابو" المسكوت عنه آثروا أن يغلقوا الحديث على دائرة ضيقة من المفكرين. أما العامة أو الدهماء أو الرعاع -لاحظ أن ثقافتنا تطلق على جموع الشعب مفردات تحقير عديدة لا أظن أن ثقافة أخرى تمتلك نصفها- فانهم ليسوا مؤهلين حسب ابن رشد لخوض غمار هذه المسائل والإشكاليات الفكرية. انظر إلى ابن رشد كيف يتناول موضوع الظاهر والباطن في الشرع عبر كتابه الشهير (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال ) :

" أما وأن كثيرا من الصدر الأول قد نقل عنهم أنهم كانوا يرون أن للشرع ظاهرا وباطنا، وأنه ليس يجب أن يعلم بالباطن من ليس من أهل العلم به ولا يقدر على فهمه، مثل ما روى البخاري عن علي رضي الله عنه أنه قال: حدّثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ ومثل ما روى من ذلك جماعة من السلف، فكيف يمكن أن يتصور إجماع منقول إلينا عن مسألة من المسائل النظرية، ونحن نعلم قطعا أنه لا يخلو عصر من الأعصار من علماء يرون أن في الشرع أشياء لا ينبغي أن يعلم بحقيقتها جميع الناس؟ وذلك بخلاف ما عرض في العمليات، فان الناس كلهم يرون افشاءها لجميع الناس على السواء، ويكتفي حصول الإجماع فيها بأن تنشر المسألة فلا ينقل إلينا فيها خلاف، فان هذه كاف في حصول الإجماع في العمليات بخلاف الأمر في العلميات" . .

 

النخبوية إذن هي داء الفكر العربي الأول. واستشراء وتغلغل هذا الداء في الخطاب الثقافي قبل الخطاب السياسي، هو السبب الأول في أن حجم المسكوت عنه في فكرنا يتفوق على حجم المسكوت عنه في أية ثقافة أخرى. حتى المحسوبين على الاتجاه الليبرالي من المعاصرين، والليبراليون لدينا منظّرون منفصلون تماما عن نبض الناس، يتحدثون عن الشعب أو الأكثرية التي يدعون أنهم أوقفوا جهودهم لإنقاذها، بلغة تتسم بالتعالي المخجل. تأمل فقط هذه المفردات التي ترد في مقالات كثير من الليبراليين العرب وعلى رأسهم الراحل عباس محمود العقاد أحد أبرز وراد الاتجاه الليبرالي في الفكر العربي: "عامة"، "عوام"، "دهماء"، "رعاع"، "غوغاء".. كلها تؤكد احتقار المثقف العربي لجموع الناس، مع أن الليبرالية تقوم في الأساس على احترام قيمة الإنسان وتنبعث من الرغبة في حمايته من المؤسسات التي تقوم بدور الوصاية عليه.

من هنا تضخم حجم المسكوت عنه في ثقافتنا، فطالما كان الشعب مجموعة من الرعاع والجهلة والأغبياء، فان أية محاولة للتعامل مع قضاياه بجدية ستكون خالية من المعنى وعديمة الجدوى.

 

حسب وجهة نظري فان القمع السياسي لم يكن العامل الأبرز في تضخم مساحة المسكوت عنه، ولكن تواطؤ المثقفين غير المعلن باحتقارهم للإنسان وتعاليهم عليه، كان هو العامل الأبرز في تضخم مساحة المسكوت عنه.

 

الليبرالي العربي هو أداة في يد السلطة على عكس الليبرالي الأوروبي الذي كافح طوال عصر التنوير ضد السلطة المطلقة. معظم الليبراليين العرب الذين ينادون بالحرية، يطمحون في اعتلاء المناصب الحكومية دون أن يقلل ذلك من انسجامهم مع ذواتهم. انهم يعتقدون أن جموع الناس أغبياء ولا تستحق أن يناضلون هم من أجلها، ولذلك تجدهم تنويريين على صعيد الفكر، لا يأبهون باختراق المحظور الديني ويجاهرون بعلمانيتهم ويتخذون من التقاليد والأعراف السائدة موقف الرفض المطلق، لكنهم لا يتورعون عن خدمة الأنظمة التي لا يعتقدون بشرعيتها. الليبرالية في الفكر العربي محاولة للانتقام من تهميش المجتمع للمثقف. إنها سلطة ثقافية ومعرفية تفضي إلى ممارسة التسلط وتشريعه .

 

المعركة القائمة الآن بين الليبراليين من جهة والمحافظين من جهة أخرى، لا تهدف إلا إلى التهام أكبر قطعة ممكنة من كعكة السلطة. المعركة حتى الآن لم تنزل من برجها العاجي، ولذلك تبقى الغاية الأسمى لكل طرف منها هي الوصول إلى السلطة أو على الأقل الفوز باقتسام الوصاية مع السلطة، على جموع الجهلاء والدهماء والمغفلين والرعاع ( الشعب ). إنها معركة اقصائية وليست معركة تنويرية، كل طرف فيها يحاول استمالة السلطة إلى جانبه حتى يضمن القضاء على الفريق المضاد، أما الرعاع فانهم ليسوا سوى وقود لهذه المعركة المقدسة وأداة من أدواتها .

 

وسط هذا الجو الشاحب والمناخ السقيم، يسير الشارع العربي منذ الأزل، بوحي من انتماءاته الطائفية لا الفكرية. فصراع السلطة وتراكيبها وصيغها في المنطقة ما زالت طائفية حتى الآن في جوهرها. أما الحركة على أرض الواقع فإنها لا تتأثر بالفكر المعلن على منابر الثقافة ووسائل الإعلام، ولكنها تستمد حيويتها وفعاليتها من العواطف والانتماءات والولاءات الطائفية. حركة "طالبان" نفسها التي وقع منظّرو الفكر السياسي في العالم العربي في خطيئة تسميتها بالدولة الأصولية، لم تكن سوى مشروعا طائفيا يهدف إلى تكريس سلطة قبائل "البشتون" ذات المذهب السني والخلفية السلفية، بالتحالف مع العرب الأفغان ضد بقية الأعراق الأفغانية الأخرى. أما صراع البعث و"الإخوان" في سوريا فقد حسمه العامل الطائفي بكفاءة لا مثيل لها. "الأمازيغ" أو البربر في الجزائر كانوا الهدف الحقيقي غير المعلن لحملة التعريب التي دشّنها الرئيس الراحل محمد خروبة ( هواري بومدين ). والأقباط المصريون كانوا الهدف الأول لجميع الحملات التي نادت بتطبيق الشريعة الإسلامية في مصر. أما نهاية الحزب الشيوعي اليمني فقد أتت على يدي قبائل الجنوب التي تحالفت مع نظام الشمال في حربه لتوحيد شطري اليمن تحت رايته .

 

الأمثلة أكثر من أن تحصى، وجميعها يشير إلى أن مساحة المسكوت عنه في كتاباتنا أكبر وأخطر وأعمق مما نتصور. المسكوت عنه دينيا لا يقل خطورة. يكفي فقط وجود كثير من النصوص المنسوبة للسنة النبوية التي تحط من شأن المرأة وتحث على نصفية الآخر سواءً كان مسلما أم غير مسلم. هذه النصوص لا تستحق أن توصف بكلمة اقل حدة من: تحريضية. أما باقي النصوص التي تتحدث عن الأمور الغيبية وفق رؤية تسطيحية كفيلة بتقويض أية محاولة لتأصيل المنهج العملي وأدواته في التفكير، فقد كانت ولا تزال السبب الرئيس في تثبيت حالة التخلف التي نعيشها .

 

إنني لا أستطيع أن آخذ مأخذ الجد المعركة الفكرية التي تجري بين دعاة التحديث من جانب ودعاة المحافظة من جانب آخر، طالما أن المتعاركين قد أقصوا الإنسان من جبهات قتالهم وحافظوا على مساحة المسكوت عنه في ثقافتنا كما هو .

 

فليسكت كل من لا يجرؤ على الحديث عن المسكوت عنه.

 

* كاتب من السعودية- المدينة المنوّرة

anaszahid@hotmail.com

 

للتعليق على هذا الموضوع