9 مارس 2006

 

 

 

 

مسيرة التونسيات: استمرارية أم قطيعة

آمال قرامي*

 

يحقّ لنا ونحن نحتفل بالعيد العالمي للمرأة، أن نخضع مسيرة التونسيات للمساءلة وأن لا نجاري الخطاب التمجيدي السائد في مثل هذه المناسبة الذي يكتفي بالتنويه بآراء الطاهر الحداد التنويرية والمفاخرة بما فعله الحبيب بورقيبة من أجل النهوض بمكانة المرأة التونسية.

 

إنّ تبني الدولة لقضية رعاية حقوق النساء جعل المرأة التونسية نموذجا تطمح فئات كثيرة من النساء في المجتمعات العربية والإسلامية، إلى الإقتداء به كما أنّه جعل من "مجلّة الأحوال الشخصية" التونسية مثالا فريدا تسعى الكثير من المناضلات، وخاصة منهن الحقوقيات إلى محاكاته واستلهام بنيته. 

 

ولئن بدت المرأة التونسية في عيون الآخرين موضع احترام أو حسد وغيرة نتيجة ما اكتسبته من حقوق، فإنّنا نجد إزاء موقف الإعجاب موقف استنقاص لمنزلة التونسية.  فهناك من يعتبر أنّ وضع المرأة التونسية هشّ لأنّه لم يكن وليد حركة نضالية نسائية بل إنّه جاء نتيجة مبادرة شخصية وارتبط منذ البدء برغبة ذكورية وإرادة سياسية فوقية لا تستند إلى القاعدة ولا تعبّر عن حاجاتها. فالمرأة لم تتحرر بموجب وعي شخصي ونضال مرير قادته في سبيل تغيير مكانتها إنّما ضربت الوصاية عليها، وهي وصاية مضاعفة: وصاية الرجل  le pater ووصاية الدولة وبذلك تمّ اتخاذ القرار نيابة عن النساء وصيغت المطالب على لسان الرجال.  ثمّ إنّ التغيير الذي حصل لم يراع التدرج وإنّما حدث بنسق سريع متسم بالعنف. فإزاء العنف الذي مارسه المجتمع البطريكي طيلة قرون، هناك عنف سياسي فرض تغيير منزلة النساء بالقوة رغم معارضة رجال الدين والمدافعين عن الموقع الذكوري المتميز. وقد تجلّى العنف أيضا في القضاء على المؤسسة الدينية الرسمية المهيمنة واستبدالها بنخبة موالية للسلطة.

 

       وأفضت المواجهة مع الدين إلى إفراغه من بعده الروحي، وأدت زعزعة المسلمات وخلخلة البنى الذهنية والاجتماعية إلى ظهور سلوك ازدواجي لدى عدد من الرجال كالتظاهر بالإيمان بأهميّة المساواة بين الجنسين واتخاذ مواقف تعبّر عن استنقاص النساء واعتقاد راسخ في دونيتهن. وهكذا بدت الهوّة عميقة بين الظاهر والباطن والخطاب والممارسة. ولئن كان تصدّع مفهوم الفحولة وخلخلة بناء الذكورة قادحين وراء انتقام عدد من الرجال من النساء في مناسبات عديدة، واتخاذ بعضهم العنف اللفظي أو المادي أو الرمزي وسيلة من وسائل رد الاعتبار إلى الذكورة المهزومة أو المسحوقة أو المهيمن عليها، فإنّ مقاومة فئة من النساء للتغيير الذي لحق وضعهنّ له مبررات أخرى منها ما يتعلق بعسر التخلص من الموروث، ومنها ما يرتبط بالمرجعية الدينية أو الأيديولوجية. فمع تغلغل الخطاب الديني السياسي في النسيج الاجتماعي، صار التنكّر للمكتسبات شرط إثبات الانتماء إلى الجماعات الدينية وإبراز الولاء إلى الأمة.

 

لا غرو أنّ ما تحقق من إنجازات ثورية من أجل تحسين وضع النساء اندرج ضمن رغبة السائس في تحديث البلاد، ومن ثمة وظفت القضية النسائية سياسيا لصالح الدولة التي صارت حاملة شعار الحداثة مفتخرة بما قطعته من أشواط في سبيل التخلّص من تركة الماضي المتخلف. ولئن بدت صورة تونس مشرقة في المحافل العالمية فإنّ الربط بين تطوير وضع المرأة وتحديث البلاد ونزع القداسة عن المؤسسة الدينية في الآن نفسه، أدّى إلى نعت مكتسبات التونسيات بأنّها ثمرة نسوية الدولة البورقيبية  féminisme d’Etatواتهام عدد كبير من التونسيات بالتفريط في الهوية الإسلامية في سبيل اللائكية الغربية. بل ذهب المتشددون إلى التشكيك في انتماء التونسيات إلى حظيرة الأمّة بمعاير الإسلام الأرتودكسي. و بات الحديث عن المرأة التونسية لدى هذه الفئة من رجال الدين متنزلا في إطار خطاب تحذيري ترهيبي وعظي. فالتونسية السافرة المتغربّة نموذج يضرب به المثل في عدم اتباع تعاليم الشريعة.  

 

 

ولكن كيف تنظر التونسيات اليوم إلى أنفسهن؟

عندما تقارن أغلب التونسيات منزلتهن بوضع المرأة العربية أو المسلمة في بلدان عديدة، يتأكد لديهن الوعي أكثر فأكثر بالمسافة الفاصلة بينهن وبين الأخريات ويصير الحديث عن مجموعتين متقابلتين: نحن المتحررات في مقابل هنّ الراضخات لإرادة المجتمع البطريكي.  فلا غرابة أن ينتاب عدد من التونسيات الإحساس بالاعتزاز والشعور بالاستعلاء، بل النرجسية.  فكم من مرّة اكتشفت التونسية أنّ  القضايا التي تثار هنا وهناك لم تخطر لها يوما على البال  فهي من قبيل 'اللامفكر فيه' مثل قضية قيادة السيارة أو الحاجة إلى إذن الزوج للسفر أو قضية منع المرأة من ممارسة القضاء أو امتهان بعض المهن. وغني عن البيان أنّ الوعي بالذات لا يتم إلاّ في نطاق الغيرية وفي إطار المقارنة بين الأنا والآخر والدخول في علاقة تبادلية وفي وضع تفاعلي تحاصره التمثلات الاجتماعية والصور النمطية. فكلّما أدركت التونسية ما تعيشه المرأة في بعض المجتمعات من غبن وقهر، ازداد إحساسها بالطمأنينة والرضا بما لديها من مكتسبات.

 

      تتسم الصورة التي ترسمها التونسية لنفسها أو التي تريد من الآخرين أن يرونها عليها بالمبالغة حينا وبالمغالطة في كثير من الأحيان. فكم من مرّة يلجأ التونسيون نساء ورجالا إلى أسطرة تحرر التونسيات في البرامج التلفزية أو في الندوات العربية ويتعامى أغلبهم عن الواقع المعيش. قد يكون ذلك عن قصد أو عن غير قصد إذ ينحو الخطاب نحو التعميم والتفاخر والمغالطة. وغالبا ما يكون الحديث عن التونسيات بصيغة التعميم وكأنّهن يمثلن كتلة واحدة منسجمة ذابت فيها الفروق الفردية. وتبدو منزلة المرأة في هذا الخطاب التمجيدي منزلة ثابتة لم يعتورها تغيير لا بحسب المكان أو الزمان. ويغدو وضع التونسيات من خلال نظم هذا الكلم متماثلا ومتناغما رغم اختلاف انتماءات النساء الاجتماعية والفكرية والأيديولوجية واختلاف مستواهن التعليمي والثقافي. فهنّ مستمتعات بكامل حقوقهن فلا عنف ضد النساء ولا ممارسات دونية ولا تهميش ولا سلوك عدواني تجاه المرأة ولا استغلال للقضية النسائية ولا توظيف لها. وهكذا تتضخم صورة الأنا ويتحقق الشعور بالإشباع النفسي وتنتشي الأنا لأنّها احتلت موقعا هاما في سلّم التراتبية الهرمية مقارنة بتدني منزلة الأخريات. وشيئا فشيئا يكبر الوهم: وهم العيش في مأمن من الانتهاكات والعبث بمصير النساء.  وهو أمر يجعلنا نعتبر أنّه لا مفر من الإقرار بأنّنا إزاء منعرجين حاسمين في تاريخ المرأة التونسية وأنّه قد آن أوان إخضاع مسيرة التونسيات للمساءلة. فهل هنّ قادرات اليوم  أكثر من أي زمن آخر على امتلاك مصيرهن والتحرّر من أسر الدولة التي تضرب الوصاية على النساء وتتخذ المسألة النسائية  مطية لتحقيق أهداف سياسية؟ وهل بإمكان التونسيات اليوم الوقوف بوجه المدّ الإسلامي الذي يتخذ أجساد النساء فضاء للتعبير عن حضوره وعلامة على قدرته على اكتساح كافة المجالات وتأثيره في جميع الشرائح الاجتماعية؟

 

لا مراء أنّ المسيرة التونسية تعيش اليوم مأزقا. فنحن أمام جدّات وأمهات يواصلن المسيرة رغم وجود العوائق وحفيدات يعلن انفصالهن عن مشروع لم يخترنه ويلوحن بالقطيعة بل الردّة.

 

 

القطيعة

من البيّن أنّ ارهاصات القطيعة بدأت في الظهور.  نعاينها في انتقاد فئة من النساء للانجازات  التي تحققت ورفضهن المطالبة بمزيد من الحقوق. بل إنّ من النساء من تنكّرت لماضي النضال النسوي  واعترفت بأنّها كانت في مرحلة تيه وضلال  واليوم عاد إليها صوابها فآثرت الرجوع إلى' أوامر الشريعة'. والواقع أنّ التراجع لا يسجّل في تونس فحسب بل هو ظاهرة استشرت اليوم في أكثر من بلد عربي. فلا غرابة أن ترتفع أصوات نسائية من المملكة العربية السعودية وغيرها من البلدان مطالبة بعدم منح النساء مزيدا من الحقوق. وإذا كان نيتشه قد أعلن عن موت الإله وإذا كان فوكو قد أثبت موت الإنسان أفلا يحقّ لنا وإن بتجوّز، الإعلان عن موت جيل المناضلات في سبيل القضية النسائية؟

 

وإذا نظرنا في حال الأجيال الجديدة لاح لنا إنّها تنقسم إلى فئتين: فئة أفادت من إنجازات الآخرين ولم تتساءل يوما عن المكتسبات التي ورثتها فذاك أمر من قبيل تحصيل الحاصل. وتبدو هذه الفئة جاهلة بالتاريخ تعيش على الهامش لا تمتلك مشروعا لا همّ لها سوى محاكاة المرأة الغربية في الهيئة والسلوك. أمّا الفئة الثانية فهي فئة نبذت العمل النسوي وآثرت التمسك بالمرجعية الإسلامية والمحافظة على الهوية العربية. وهكذا نتبيّن أنّ التعلّق بالنموذج الغربي يوازيه التشبّث بنموذج المرأة المسلمة الملتزمة بالشريعة. وسواء تحدثنا عن الفئة الأولى أو الفئة الثانية' فخيانة الحفيدات للجدّات أمر لا مرية فيه.

 

ويمكن أن نجمع أسباب هذه القطيعة بين الجيل القديم والجيل الجديد وبين النساء المؤمنات بجدوى الانخراط في الحركات النسائية وغيرهن من المرتميات في أحضان الحركات الإسلامية في الآتي:

 

- من الواضح أنّ الاستفادة من مكتسبات الحداثة الفكرية والثقافية محدودة. فالوعي النسائي لم يبلغ المستوى المأمول ولم يشمل جميع النساء بنفس الدرجة.

 

-  كان من نتائج التغيير الحاصل على مستوى البنى الاجتماعية والذهنية والتحولات الطارئة على مستوى العقليات ونمط العيش انشغال جميع أفراد المجتمع بتحصيل الرزق. ومن ثمّة صارت القدرة على نحت الذات عسيرة المنال بسبب غياب الاستقلالية المادية. وهكذا بات المشروع الرئيسي في الحياة كسب "الحاجي" على حدّ عبارة ابن خلدون. واستبدلت المشاريع النضالية الجماعية بالمشروع الفردي. وحلّت الأنانية محلّ التفاني في خدمة المصلحة الجماعية.

 

- أثبتت الدراسات السيوسيولوجية ودراسات أنتربولوجيا اليومي أنّ نسق الحياة شهد تحولات كبرى ليست في صالح أنسنة الإنسان. إذ ترتّب عن التغيرات الحاصلة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية و الاجتماعية والفكرية خلخلة البنى التقليدية وتصدّع المنظومة القيمية.  وصاحب كلّ ذلك فشل مؤسسة الزواج في توفير الاستقرار المرجوّ ونكوص المؤسسة العائلية عن أداء وظائفها الأساسية. وبات الانشغال بكسب الرزق أهمّ من الاضطلاع بالتنشئة الاجتماعية والسهر على رعاية الأبناء.  وأمام نكوص الأمهات عن الاضطلاع بأدوارهن التربوية بسبب كثرة الأعباء ونمط الحياة المعاصر من جهة،  وتقصير النساء في نقل المعارف والخبرات وتجذير قيم المساواة والكرامة والحرية وغيرها من جهة أخرى، وجد مروّجو "ثقافة الحجاب" أرضية ملائمة فانطلقوا في العمل داعين الفتيات إلى الثورة على الأصول ورفض الخطاب التحديثي.

 

- إنّ ربط مشروع الحياة بالتعليم وربط الثقافة بالمؤسسات التعليمية كان حافزا وراء نجاح عدد من الفئات على امتداد العقود الماضية. بيد أنّ تغيّر الأوضاع الاقتصادية وأنماط المعرفة أفضى إلى فكّ الصلة التلازمية التي كانت موجودة بين تحصيل الشهادات العلمية والعثور على عمل. ولمّا كانت هذه التحولات غير مصحوبة  بمشروع بديل يلائم حاجات الأجيال الجديدة فقد صارت المؤسسات التعليمية عاجزة عن أداء دورها، خاصّة وأنّ برامجها باتت تشكو هنات كثيرة بعد أن تأخر الإصلاح الجذري لمنظومة التعليم. والحال أنّ هذه المؤسسات كانت من قبل فضاء للتأطير الفكري الأيديولوجي. فقد كان الطالب يتعلّم عن طريق الانخراط في الأحزاب آليات النضال ويكتسب الدربة على المواجهة. أمّا اليوم فقد غابت هذه الفضاءات التأطيرية ولم تعد المؤسسة التعليمية فضاء ثقافيا للمعرفة ولم يعد الأستاذ مصدر المعرفة والتوجيه.

 

- لقد أثبتت دراسات أنتربولوجيا اللاعمل واللاالتزام أنّه يعسر في ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، الانخراط في مشاريع الإبداع والخلق والتأسيس والإنتاج. فهناك بنية نفسية مشتركة بين أغلب أبناء الجيل الجديد، سواء كانوا من الذكور أو الإناث، من هذه الطبقة أو تلك، تتمثّل في نزعة الاتكال والتواكل على جهد الآخرين و الرغبة في الاستهلاك لا الإنتاج ورفع شعارات من قبيل اللاعمل، اللاالتزام، اللاإبداع، في زمن لم يعد الواحد يؤمن فيه بأهمية بذل الجهد.  فقاعدة "العمل وسيلة للكسب ولتحقيق النجاح" لم تعد تقنع أحدا بل إنّها باتت من أساطير الأولين مندرجة ضمن فكر ميثي.  إنّ الاجتهاد والعمل والشقاء والمكابدة وغيرها من الأفعال  لم تعد الوسيلة المثلى لتحقيق الأحلام، بل صار الإيمان بـ"ضربة الحظّ" مبدأ. فمع تفشي البطالة وضياع المشروع الفردي البديل، صار اقتناص الفرص هاجسا دليلنا على ذلك ما نعاينه من تصرفات صادرة عن الشبان والشابات المحتشدين أمام مكان إجراء الاختبارات لانتقاء المشاركين في مناظرات "السوبر ستار" أو ستار أكاديمي". فهذه المناسبات تعدّ الفرصة الذهبية لتغيير الحال وتحقيق الطموحات المنشودة. وفضلا عن ذلك تعتبر فئة من الفتيات أنّ أيسر طريقة لتحسين وضعهن هي العثور على الفارس الذي يركب أحدث أنواع السيارات.  فلا مانع لديهن  من حبك المؤامرات واللجوء إلى الغنج والدلال وتوظيف الفتنة والإغراء لاصطياد الرجال، بل ما المانع من تقديم التنازلات وقبول القوامة بجميع أبعادها  القانونية والمادية والجنسانية والرمزية. والواقع أنّ البحث عن الزواج المبكر لبلوغ الطمأنينة في عالم متقلب، صار هدف فئات عديدة من الفتيات، خاصّة بعد استشراء ظاهرة العنوسة وعزوف الشبان عن الزواج. فليس أمام البنت في مثل هذه الحالة إلاّ ممارسة الإغراء أو اسدال الكساء وحجب الجسد ورفع شعار العفة حتى تعثر على العريس. وما من شكّ في أنّ التفريط في المكتسبات بيسر يعدّ حجة على انعدام الوعي بأهمية هذه الحقوق التي عاشت الواحدة منهن مستمتعة بها دون إدراك لمعانيها ودلالاتها العميقة.

 

- أثّرت عوامل خارجية عديدة في انتشار عدوى الانتماء إلى التيارات الإسلامية المتشددة منها ظاهرة الإعلام "المؤسلم" ونجاح ثقافة الصورة في التأثير في المشاهد مقابل تواري ثقافة الكتاب أو الحوار المباشر. ففئة مهمّة من التونسيات أضحت تتابع  ما تعرضه  الفضائيات العربية من برامج وهنّ شغوفات بالداعية الكارزمتي عمرو خالد  أكثر من سواه مستعدات للتضحية بالثقافة اليسارية أو الثقافة العلمانية. في سبيل نيل رضاه بل إنّ عددا من النساء تحولن إلى راعيات للممارسات البطريكية حافظات عن ظهر قلب دروس الدعاة.

 

 

- تسبّب الصراع الأمريكي العربي الإسلامي في اهتزاز ثقة المواطن في منظومة حقوق الإنسان وفي قيم الحداثة. وتحول مشروع الديمقراطية إلى وهم، خاصّة بعد ظهور الولايات الأمريكية في صورة دولة مهيمنة لا تختلف في ممارساتها عن الأنظمة الدكتاتورية. فبعد اكتشاف حالات خرق القوانين والمعاهدات وبعد ما رأى المواطن العربي ما يحدث في السجون من انتهاكات لكرامة الإنسان وخدش للضمير الجمعي وهدر لكيان العربي والمسلم، صار الحديث عن تمييز بين حقوق المواطن الأمريكي أو المواطن الأوروبي وبين حقوق المواطن العربي جائزا. فنحن إزاء حماية لحماية إنسان مقابل العبث بمصير من عدّ نصف إنسان أو لعلّه أقرب إلى الحيوان أو الأشياء. لقد استشري في ظروف سياسية ثقافية اجتماعية واقتصادية مثل هذه الإحساس بالخوف والشعور بالانكسار ومثّل نجاح الحركات الإسلامية في مصر وفلسطين بصيصا من أمل في نظر فئات كثيرة المواطنين لم تتوان عن التشبث بمشروع إنقاذ أو خلاص. وبناء على ذلك شكّلت هذه الظروف السياسية قادحا أمام الجماعات الإسلامية التي انطلقت في العمل، خاصّة وأنّها تملك مشروعا واضحا وتنظيما محكما وسرعان ما نجحت في جمع الأنصار الذين التفوا وراء مشروع "الإسلام هو الحلّ" كما أنّها عملت جاهدة على تحجيب فئات كبرى من النساء في كلّ البلدان العربية.

 

- أفضى غياب التعددية السياسية والفكرية وإلجام المثقفين عن الكلام إلى غياب العمل الجمعياتي المنظم القادر على صياغة مشروع يستهوي الجيل الجديد من الفتيات والنساء. وباتت ظاهرة العزوف عن الاضطلاع بدور سياسي أو اجتماعي داخل المنظمات أو الأحزاب أو الجمعيات أمرا عاديا. وصار الركون إلى الراحة والكسل واتخاذ عوائد أهل الترف ( بالمفهوم الخلدوني) أمرا مسلّما به، بل إنّ الآمال، إن كان ثمة آمال، علّقت على السياسي فهو الوصي أو الولي الذي يرعى قضية النساء وهي جزء من مخططاته شئنا ذلك أم أبينا .

 

- عدم إيمان فئات كثيرة من النساء بجدوى العمل الجماعي وأهميّة التضامن والتعاون وتفضيل أغلبهن الانطواء على النفس والعمل الفردي ،أي تحقيق المشروع الشخصي. فهناك تصوّر مفاده أنّ الانخراط في العمل النضالي مفهوم ومبرّر إذا كان في بلدان تهضم حقوق المرأة ولكن ما الداعي إلى هذا العمل في ظلّ" دولة النساء". ولا ريب أنّ هذا التصوّر تعميمي إذ يتم فيه تجاهل الفئات المسحوقة والتعامي عن الهوّة الفاصلة بين التنظير والواقع المعيش. وعلاوة على ذلك نلحظ هروب عدد من النساء من العمل النضالي بسبب عجزهن عن تقديم التضحيات وخوض غمار المواجهات وخوفهن من مخاطر الانخراط في الحركات النضالية. وهو أمر مفهوم إذا ما أخذنا في الاعتبار أنّ هذا الجيل من النساء لم يخضع لطقوس التدريب ولم يمتلك آليات المواجهة،  إنّما هو جيل عوّال على جهود الآخرين يؤثر تسليم النفس لسلطة تتولى القرار بدلا عنه وتوفّر له الحماية والطمأنينة. ثمّ إنّ عزوف الأجيال الجديدة، وخاصّة منهنّ المثقفات علامة على أنّ هذه الجمعيات لم تعد تمثّل النسغ الذي يغذي طموح المرأة نظرا إلى غياب مشروع جديد له أهداف تلبي احتياجات النساء التي لا يمكن بلوغها بمعزل عن الجماعة. ونتج عن ذلك اهتمام أغلب النساء بتحقيق الطموح الفردي داخل الأسرة أو في المجال المهني. أما الفئات الشعبية فلا يهمّها التحديث وتحقيق المساواة وكسب المزيد من الحقوق بقدر ما يعنيها ردم الهوة السحيقة بين القوانين وتنفيذ القوانين وبين التنظير واكراهات الواقع المعيش.

 

- شهد المجتمع التونسي مثل غيره من المجتمعات العربية عودة الأفكار التقليدية وبروزها من مكمنها من جديد. فنحن إزاء خطاب يروّج للتشكيك في مكتسبات النساء ويتهم الحركات النسائية بأنّها فشلت في اكتساب الثقة والتقدير والاحترام. فالمرأة التونسية أساءت في الغالب، استعمال الحرية وكانت في بعض الحالات، نموذج الأنوثة المتسلطة مستمتعة بحقوق لم تفهم كيفيّة توظيفها ومدعومة بقوانين لم تساهم في صياغتها. وساهمت وسائل الإعلام العربي في التأثير في المشاهد. فالإشادة بنموذج الذكورة المهيمنة أضحت من المواضيع المتداولة في المسلسلات العربية التي تبث في 'ساعات الذروة' في شهر رمضان. وهكذا صار الحديث في منتديات الرجال عن حنين البعض إلى زمن كان يرى فيه والدته تغسل قدمي والده وإلى زمن يعود فيه الأب إلى البيت ليجده مرتبا وليجد الطعام اللذيذ مهيئا والزوجة أو الزوجات بانتظار أوامره... ولن نلوم الرجال على البوح بما في نفوسهم من أماني وما يضمرون من نوايا.  فهناك هوامات fantasmes وصور نمطية ونماذج وتمثلات اجتماعية تبقى راسخة في المتخيّل الجمعي تتحيّن الفرص للظهور على السطح.

 

هذه بعض العوامل التي أدّت إلى بروز ارهاصات القطيعة. قد نكون مغالين في ادعائنا هذا وقد نكون متشائمين ولكن لابدّ من الاعتراف بأنّ استمرارية مسيرة التونسيات من أجل تطوير مكانتهن أكثر فأكثر ممكنة.

 

الاستمرارية

تتطلّب استمرارية النضال النسائي  مجهودا كبيرا وخطة عمل محكمة ولتجاوز العقبات  والرهانات المطروحة ومقاومة حالة التكلّس لابّد في تقديرنا، من توفّر مجموعة من الشروط  وإيجاد حلول ناجعة وأجوبة عملية عن التساؤلات الآتية:

 

- كيف السبيل إلى تنمية الإحساس بالغيرة على الحقوق وتوعية النساء بأنّ المكتسبات إن لم يحافظ عليها قد تضيع وأنّ الإنجازات يمكن أن تكون مهددة بالتلاشي في أية لحظة خاصة وأنّها كانت منذ النشأة مرتبطة بإرادة ذكورية وسياسية؟.

 

- كيف يمكن التوصل إلى مسالك جديدة لبث الوعي وإيجاد قنوات بديلة لتمرير رسائل مقنعة تواكب التحولات الطارئة على مختلف البنى والأنساق؟

 

- هل بإمكاننا استحداث خطاب قادر على إقناع الجيل الجديد من التونسيات بضرورة الانخراط في العمل الجماعي وأخذ المشعل وامتلاك مشروع وتبني القضية النسائية والسعي إلى تطوير المنزلة ونيل حقوق جديدة.؟

 

- هل باستطاعتنا إنجاز دراسات ميدانية دقيقة بهدف معرفة واقع الأجيال الجديدة. فقلّما فسحنا للفتيات فرصة الحديث عن أنفسهن وأصغين إلى مطالبهن وفهمن مشاكلهن.؟

 

- كيف يتسنى لنا إعادة النظر في أساليب التنشئة الاجتماعية وتطوير منظومة العلاقات التبادلية بين النساء والرجال وبين الفتيات والحفيدات والأمهات وبين النخبة و القاعدة؟

 

- ألم يحن الوقت بعد لخروج المثقف من وضع المشاهد إلى وضع الفاعل الاجتماعي القادر على الاضطلاع بدوره وتسجيل حضوره على الركح الاجتماعي، خاصّة بعد هيمنة الإسلام السياسي على الساحة؟ هناك عوائق مفروضة على أنصار الإسلام التنويري التجديدي وعلى المثقفين العلمانيين منها: حرب التكفير ومنع النشر والرقابة المفروضة على عدد من الأعمال الفكرية وقلّة الإمكانيات المتوفرة للنشر والتوزيع وغيرها من المشاكل إلاّ أنّ هيمنة الإسلام الأرتودكسي والإسلامي السياسي على وسائل الإعلام ودور النشر وغيرها من المجالات، يجعلنا في أمسّ الحاجة إلى كسر طوق الحصار والتحرّر من مشاعر الانكسار والخوف والإحباط والشروع في تحمل مسؤولياتنا التاريخية حتى لا نجد أنفسنا ذات يوم خارج التاريخ.

 

- أليس من واجب النساء المتضلّعات في الدراسات الإسلامية الشروع في إعادة قراءة النصوص الدينية والمساهمة في إبراز أعمال توازي ما ينشر من كتب إسلامية تروّج لإسلام أرتودكسي؟

 

 -كيف السبيل إلى مقاومة العمل الذي ينهض به أنصار الحركات الإسلامية المتشدّدة القائم على تنشيط الذاكرة من جهة وتعمّد النسيان من جهة أخرى؟  فكم استمعنا إلى خطابات تنوّه بسلوك النساء الصالحات اللواتي كنّ لا يفارقن بيوتهن ويفعلن كلّ ما في وسعهن من أجل كسب رضا الزوج. وهذا يعني أنّنا نشهد محاولات لإعادة بناء الذاكرة النسائية مرتكزة بالأساس على الانتقاء والتصرف. والظاهر أنّه لا شيء أسهل من نسيان حركات نضال النساء ربّما يعود الأمر إلى عدم تخليد مساهمات النساء بالقدر الكافي ومن ثمّة باتت مشاريع كتابة تاريخ النساء وتقديم شهاداتهن من الضرورات. فبفضل ذلك يتسنى للجيل الجديد معرفة نضال التونسيات ومساهمتهن في الكشافة والسياسة والسينما وفي غيرها من المجالات.

 

- أليس من واجب النساء اليوم أن ينهضن بواجب نقل المعرفة ورواية تاريخ الجدّات وتوعية الحفيدات بما يتعيّن عليهن القيام به حتى يحافظن على المكتسبات ويستطعن تغيير العقليات البطريكية؟

 

نخلص إلى القول إنّه يتعيّن على التونسيات اليوم تحديد الثوابت ومعرفة حجم المتغيرات التي شهدتها المسيرة النضالية وذلك بهدف الخروج من أسر الأسطرة وحالة التكلّس والجمود والانطلاق في تحديد نوعية المطالب الجديدة التي تتلاءم مع المستجدات المحلية والعالمية.  إذ لا يخفى أنّ وضع المواطن بقطع النظر عن لونه وعرقه ودينه وجنسه وانتمائه الأيديولوجي، مرتبط بالمجالات السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية. فكيف يمكن الحديث عن تطوير وضع التونسيات والحال أنّ النساء يشكّلن موضوع "مجلّة الأحوال الشخصية" ولا يساهمن بالقدر الكافي في صياغة القوانين التي تعبّر عن مطالبهن الحقيقية؟ وكيف السبيل إلى تحديث هذه المجلة والحال أنّ الربط الوثيق بين المرأة والعائلة مستمر وكأنّه يصعب التفكير في حقوق تنتفع منها المرأة  العزباء أو المطلقة التي لم تنجب الأبناء؟ وكيف يتسنّى التفكير في إعادة النظر في نصيب المرأة في الميراث في ظل ثنائية الشريعة والتشريعات الحديثة؟ وكيف السبيل إلى تطوير منزلة التونسيات والحال أنّ قضية المرأة لم تفارق عباءة التوظيف السياسي ومازالت تمثل العمود الفقري في حرب الهويات المتصارعة؟

 

amel_grami@yahoo.com

 

* جامعية تونسية

 

للتعليق على هذا الموضوع