12 ديسمبر 2005

 

 

من المسؤول عن تشويه الصورة ؟ !!

أمل زاهد

 

 

 

تكاد  تُختزل صورة المرأة اللبنانية في الوعي الجمعي العربي  بغنج نانسي عجرم  وصفاقة هيفاء وهبي وبحسن ودلال باسكال مشعلاني وباقي الجوقة التي تتبارى الفضائيات في عرض محاسنهن ومفاتنهن ، وفرض صورة معينة وتأطير شكل محدد للمرأة اللبنانية يرفض عقلنا أن يتجاوزحدودها بعد أن ترسخت معالمها وتجذرت فيه بينما تتوارى صورة المرأة اللبنانية المثقفة والموجوعة بالهم العربي  والواعية بما يدور حولها ، أو حتى صورة النموذج النمطي التقليدي للزوجة والأم اللبنانية المكافحة والمطحونة اقتصاديا في بلد يعاني الأمرين من غلاء المعيشة وندرة فرص العمل . وقد اتيح لي أن اتعرف عن قرب  على نماذج رائعة للمرأة اللبنانية لا تمت بقليل أو كثيرلما تحاول الفضائيات نمذجته لهن ، وخبرت بنفسي معاناتهن القاسية في حياة مفعمة بالنصب والتعب ، فالسيدة الجبلية على سبيل المثال تقضي جل وقتها في نهاية الصيف في الاستعداد لقسوة وقحط فصل الشتاء الذي تشح فيه الموارد الاقتصادية في بلد يعتمد جوهريا على السياحة كما تنضب أيضا الخضروات والفواكه بسبب شدة البرد ، فتصرف اولئك السيدات جهودهن في توفيرما يمكن توفيره من النقود و في تخزين وحفظ وتجميد وتجفيف فواكه وخضروات الصيف حتى يمكن الاستفادة منها في الشتاء .

 

 معاناة المرأة في اثبات ذاتها في بلد لايزال يعاني من ذكورية مبطنة تتدثر بأقنعة من الحرية الزائفة - رغم الصورة المغايرة الظاهرة على السطح والمتشدقة بقيم  المساوة بين الجنسين - لا تزال أيضا بعيدا عن الساحة مما يدفعك للإعتقاد أن الشيء الوحيد الذي يختلف عند المرأة اللبنانية مقارنة بنظرياتها العربيات الأخريات هو حرية ارتداء ما يحلو لها مع إنجاز هنا أو هناك لا يقدم أو يؤخر من حقيقة مكانة المرأة الاجتماعية ، فلا زالت المرأة في معظم المجتمعات العربية ترزح تحت ثقل ثقافة ذكورية ونظرة دونية تحصرها فقط في زنزانة الأنوثة ذات القضبان الناعمة والمفتئتة دوما على إنسانيتها  !!

 

 وفي حوار يقطر مرارة جمعني مع احدى صديقاتي إبان زيارتي لذلك البلد الجميل الأسبوع الماضي وكان محوره هموم وشجون المرأة العربية وسيطر على جوانبه الحديث عن الخلل المريع في علاقة المرأة بالرجل في مجتمعاتنا العربية، وعن افتقار تلك العلاقة لشروط ضرورية حتى تتمكن من الوصول إلى مرفأ السلامة مثل الصداقة والندية والمشاركة  ناهيك عن بعدها عن أن تكون علاقة سوية فهي تتأرجح دائما بين قطبي السيطرة وهما-الرجل والمرأة- إما مسيطِر أو مسيطَر عليه . قالت صديقتي اللبنانية : أن أقل  ما يمكن أن تتعرض له المرأة الناجحة والقادرة على إثبات ذاتها هو عقاب من نوع خاص يتواءم مع انجازاتها !!  وذلك بأن يلقي عليها الرجل شباك المسؤلية الاقتصادية كاملا دون أية مشاركة منه في تحمل نفقات أسرة يفترض أنهما الاثنان يشتركان في تكوينها والقيام عليها فيترك لها الجمل بما حمل كما يقولون ، وكأنما يقول لها ألم تطلبي العمل والاستقلالية وتحقيق الذات فهاكِ ما طلبت وسأرفع يديّ عن مسؤلية الانفاق !! مما أعاد ذاكرتي لجلسة (فضفضة)  نسائية حضرتها هنا في السعودية .. انفتحت فيها فوهة الغضب المكبوت وبدأت الحاضرات واللواتي كان معظمهن من المعلمات يشكين من أن معظم الراتب يذهب في الانفاق على الأسرة أو يذهب رأساً إلى جيب الزوج دون أن تجرؤ الزوجة على أن تفتح فمها ببنت شفة !!

 

  صورة اللبنانية التي يقض مضجعها هم الوطن وما يمر به من خطوب جلل والتي خرجت تنافح عن حق وطنها في الاستقلال والسيادة ورابطت مع رفيقها الرجل في ساحة الشهداء كي تغير مسار التاريخ أيضا تتوارى لحساب عجرمية نانسي وهيافة هيفاء ورشاقة قد هذه وتلك من نجمات الفضائيات. حتى صوت فيروز الملائكي والشامخ انسل بعيدا كأنما هو يربأ بنفسه على أن يكون احد قسمات الصورة الجديدة ، فلم يعد أول ما تسمعه عندما تطأ قدماك أرض لبنان بل إن نادل المطعم أو المقهى قد يرفع حاجبيه استغرابا عندما تطلب منه أن يرحم طبلة أذنك من التلوث الضوضائي  ويضع شيئا لفيروز وكأنه يقول لك : وهل عاد الزمن زمن فيروز؟! ( يسقى الله أيام فيروز ) ؟! ولا تدري وقتها من تلوم ؟ ومن يحمل وزر تشوه الصورة ؟ هل هو خضوع  اللبناني وامتثاله لشروط العصر ولخشخشة النقود وسعيه الدؤوب لاصلاح أوضاعه الاقتصادية بأية طريقة أو كيفية ، أم المستثمر والسائح الخليجي الذي يريد رؤية جزء واحد فقط من الصورة وهي تلك الممنوعة عليه في ربوع داره فما أن ينفلت من القيود التي تلجمه حتى يسعى لممارسة كل ما هو ممنوع ومحظور؟! وهل هذا الخلل مرتبط بالمازوشية التي أضحت ملمحا واضحا من ملامح الشخصية العربية في الآونة الأخيرة ، فغدى الانتقام من الذات وتعذيبها وتشويه صورتها في الخارج وعدم الالتفات إلى ما يحقق لها النفع هو ديدنا الذي نسيرعليه ونمشي بمحاذاته !! 

 

 ولك أن تتحدث ولا حرج في لبنان عن عمليات النفخ والشفط والشد والتكبير والتقصير والتطويل  وعن اجراءت التجميل وتحسين الصورة التي صارت احدى الملحقات والمكملات لصورة لبنان كبلد يشد إليه الرحال لتصغير منخر أو زرع شعرأو للبحث عن الصورة المثالية الخالية من العيوب والنقية من الشوائب والتي تقولب النساء بصفة خاصة وتجعل منهن نسخا كربونية يشابه بعضها بعضا . فيتم الاجهاز على صورة لبنان الحضاري الذي يرمز للقلب النابض بالحرية والمزدهر بالثقافة في عالمنا العربي ، والثري بتعدد ه الفكري وزخمه المعرفي  فقد كان ذلك البلد الصغير قبل الحرب الأهلية  قبلة ثقافية ترنو إليها العقول وقد قيل  في الأيام الخوالي : لبنان ينشر ومصر تؤلف والعراق يقرأ . ورغم أن لبنان لا يزال ذلك البلد الذي يرتحل إليه العرب ليتنفسوا بضع نفحات من الحرية و ليحصلوا على الكتب الممنوعة في بلادهم وينشروا ما احتبس في صدورهم من كلمات ، وما اختننق في حناجرهم من صرخات فإن الصورة التي تتكرر علينا في الفضائيات هي ذات الصورة المشروخة .

 

 وعندما ترجع من لبنان وأنت تحمل حمولتك الثمينة من الكتب والمخبأة بين طيات ملابسك خوفا من المصادرة في المطار فلا بد أن تبسمل وتتمتم بالدعوات في سرك أملا في  أن يمررك موظف الجمارك دون معاناة ومسآلة رغم الانفتاح الرقمي والفضائي المحيط بنا من كل جانب والذي يجعل من خنق الكلمات ومصادرة الأفكار أحد المستحيلات في وقتنا الحالي !!

 

 

Amal_zahid@hotmail.com

 

 

للتعليق على هذا الموضوع