27 مارس 2006 

 

 

 

 

 

التشدد وماهية الفكر والمنتج..

أمل زاهد

 

نستطيع اعتبار الشاب أحمد الشايع والذي ذهب إلى العراق كي ينضم إلى المقاومة ويصبح انتحاريا يفجر نفسه ثم أنقذته العناية الالهية من موت محتم والذي أجرت معه قناة "المجد" مقابلة من عدة أشهر، أحد النماذج الحية والشاهدة على كيفية غسل أدمغة الشباب وكيف يقادون كالنعاج إلى حتفهم وإلى حصد عشرات الأرواح البريئة مع أرواحهم، وكيف تتحول العاطفة الدينية المتأججة والحماسة المتدفقة في عروق الشباب إلى سيف مسلط على أعناق الأبرياء وخنجر يصيب خاصرة مجتمعاتنا في مقتل. فيتحول شبابه وبراعمه اليانعة -التي من المفترض أن تقوم على أعناقها بناء ومستقبل أوطاننا - إلى قنابل موقوتة وأحزمة ملغمة لا تقيم للروح الإنسانية وزنا، وتنطلق لتعيث بأمن مجتمعاتها وبأمن البلدان المجاورة لها تدميرا وتحطيما. ومنذ غزانا الارهاب ورشقنا بسهامه من كافة الاتجاهات ونحن نترنح ونتساءل مع كل هجمة تصيب بلدنا الحبيب أو أي بلد آخر عن ماهية الفكر الذي يفرخه والمحيط الذي يغذيه والبيئة التي تنتجه؟!!

 

وبينما يصر البعض على براءة مجتمعاتنا من الارهاب وثقافتنا من دنسه، إلا أن الواقع يقول لنا أن الارهابيين لا يهبطون علينا من الفضاء، وأنهم ليسوا نبتا شيطانيا ظهر من فراغ ومن دون بذرة نمى من أصلها وتفرع من جذرها، وأن الفكر التكفيري القى بظلاله على المجتمع السعودي من أواخر السبعينات وانطلقت مسميات تهاجم بعض الممارسات الاجتماعية وتصمها بالضلال والفساد. كما طرقت آذاننا اتهامات تقول بجاهلية المجتمع وعدم التزام الناس بتعاليم الإسلام. ثم انطلق ذلك الفكر يتشعب ويتعوشب في البنية الاجتماعية حتى آل الحال إلى ما هو عليه الآن. فأصبح في كل مدينة من مدننا أوكار للارهاب ومخابئ للأسلحة وشباب ينقادون من غير بصيرة أو تعقل وراء خطاب حماسي تعبوي يستنهض همهم ويستنفر مشاعرهم ويشعل جذوة عواطفهم الدينية ويحولهم إلى سهام تمزق أوطانها وأهلها وذويها وجيرانها.

 

  رغم كل ذلك فلا نزال نرى من يصمّون آذانهم عن صيحات التحذير وإنذارت التنبيه من فكر التشدد والغلو والتنطع الذي يقود إلى التطرف والذي يجر بدوره إلى الإحساس بالتميز والتعالي على بقية الناس الذين لا يلبثوا أن يصنفوا في خانة الخطيئة والمخطئين. فذلك الإحساس بالتميز وامتلاك زمام الحقيقة والقدرة على اطلاق الأحكام على الناس هو بداية انزلاق القدم في هاوية التطرف الذي قد ينحدر بصاحبه فيوصله إلى استسهال اجتثاث أرواح البشر ما داموا لا ينفذون ولا يلتزمون يما يرى هو أنه حق وصواب. ورغم رحلتنا القاسية في معية الارهاب، فلا يزال فكر التميز والتفوق والاحساس بضلال الناس ينسل إلينا عبر وسائل مختلفة. وهاهي مجتمعاتنا وبعض الخطباء في مساجدنا وبعض المعلمين والمعلمات في مدارسنا، وبعض مطبوعاتنا تنشر هذا الفكر ربما عن حسن نية وعن عدم إدراك لمغبة تفشي ذلك الشعور بضلال الناس وفسادهم، والرغبة في الابتعاد عنهم واعتزالهم.

 

أجرت احدى هذه المطبوعات الموجودة في أسواقنا تحقيقا عن أسباب رفض بعض أفراد المجتمع لأماكن الترفيه العامة بأشكالها المختلفة من شاليهات وملاه ومنتزهات ومطاعم وشواطيء، ومقاطعتهم لكل هذه الأماكن باعتبارها موبئا للفساد ومحضنا للشر. أحد اللذين أجري معهم التحقيق يؤكد أنه لا يذهب البتّة لهذه الأماكن بسبب وجود الكثير والكثير من المظاهر السيئة فيها ويقول: الأبناء والبنات نعمة لا تعادلها نعمة. فمن الواجب ألا يلقى بهم في أتون قد تؤدي بهم نحو المعاصي وتحمل الأوزار. والحمد لله أسرتي تشاطرني الرأي ونسعى جميعا جاهدين لتحقيق وسائل ترفيهية متنوعة سليمة لا تشوبها شائبة. ويُختتم التحقيق عزيزتي القارئة وعزيزي القاريء بهذه الفقرة: وإن لم تستطع الصبر ففي العزلة راحة لك ولقلبك، وهذا من جميل ما أوصى به بشر بن الحارث (واعلم أن حظك في بعدهم - أي الناس – أوفر من حظك في قربهم، وحسبك الله فاتخذه أنيسا ففيه الخلف منهم فاحذر أهل زمانك).

 

كما تحتوي تلك المطبوعة على تحذير شديد من الذهاب إلى المطاعم العائلية وذلك لعدة أسباب منها على سبيل المثال أن الحواجز الموجودة لا تحجب المرأة حجبا شرعيا إما لقصر الحاجز أو ارتفاعه من الأسفل بحيث ترى القدم أو الساق أو شفافية ذلك الحاجز بحيث يمكن تمييز شيء من بدن المرأة!! ومنها أيضا أن هذه الأماكن- حسب الرأي المذكور في تلك المطبوعة- (صارت مرتادة من قبل عدد من أصحاب الفجور والشهوات الذين يتعرف الواحد منهم على فتاة ثم يصطحبها إلى هذه المطاعم بحجة أنها زوجته فصارت هذه الأقسام متنفسا لكل من يريد الحرام). ونلاحظ هنا التعميم في الحكم على كل من يرتاد المطاعم العائلية!!

 

والاشكالية أن هذا التصور يحقن في من يتبناه أنه من طينة أخرى غير طينة أولئك الخاطئين وأن عليه تجنبهم والابتعاد عنهم. كما يذكي فيه أنه من المصطفين الأخيار وأن ابتعاده عن الأماكن التي يرتادها عامة الناس يتيح له النجاة بنفسه من الفتن. كما يكرس لفئوية دينية ترتبط امتيازاتها ببعد صاحبها عما يمارسه الناس العاديون في حياتهم. فيتفرق الناس ويتشتتون ويتساهل المنتمي إلى الفئة -التي تصنف نفسها في مكانة أعلى من باقي الناس- في  إطلاق الأحكام وكأنه قد ضمن القبول عند الله سبحانه وتعالى، أو كأنه قد أطلع على قلوب الناس وعلم بمكنوناتها وأسرارها، أو علم علم اليقين بأن الحكم الذي أطلقه لا يجانب الصواب ولا يبتعد عن الحقيقة!! والكارثة عندما يصل الأمر ببعض الشباب إلى الدخول في دائرة التكفير وينجرفون إلى ما لا تحمد عقباه مما نعايشه الآن في بلادنا.

 

التشدد والغلو يعيش بيننا وفي ثنايا مجتمعاتنا، ونستطيع أن نلمسه في مناحي متعددة من حياتنا. ومن أكبر الاشكاليات التي يرسخ لها أنه يبتعد بديننا العظيم عن جوهره ومبادئه العظيمة ليدخله في دوائر الشكلانية. فنركز على قشور الأمور بدلا من التكريس للمباديء الجوهرية كالحق والخير والعدل والمساواة وتحريم قتل الروح الانسانية التي تساوي حرمتها حرمة الكعبة المشرفة .

 

amal­_zahid@hotmail.com

 

 

مواضيع ذات صلة:   فيديو أحمد الشايع من "العربية"

 

للتعليق على هذا الموضوع