09 فبراير 2005

 

ما لم تقله لجنة "فولكر"

علي الشلاه*

 

أهملت لجنة التحقيق الأممية في فضائح برنامج النفط مقابل الغذاء واستغلال نظام صدام له عدة حقائق جوهرية عن هذا البرنامج الذي فاقت روائحه كل قدرات التحمل نتانةً. فقد اقتصرت نتائج التحقيق المعلنة على المتلاعبين بالبرنامج من موظفي الأمم المتحدة ولم تتعرض للمرتزقة والسماسرة بعناوين حرفية أخرى من السياسة إلى الثقافة إلى الإعلام، الذين تواطأوا (وتواطأوا من باب المساواة بالاتهام) مع صدام مقابل نسب معروفة لتسهيل عمليات التهرب والتهريب التي تفتقت عنها عبقريته الشريرة. وحتى في تحقيقها مع العاملين في الأمم المتحدة لم تتطرق اللجنة إلى التحقيق مع السيد "سبونك" المدير السابق للبرنامج والذي استقال (لدواع إنسانية) من رئاسة البرنامج الذي يضرّ، حسب رأيه، بالشعب العراقي وأطفاله فقط، ولا يؤذي الحكومة (النظام الدكتاتوري).

 

لذا أجد من واجبي كمواطن عراقي وإنسان على هذا الكوكب قبل ذلك إن أقدم للسيد الأمين العام للأمم المتحدة وللسيد رئيس اللجنة الشهادة التالية:

 

قبيل الحرب الأمريكية الصدامية على العراق كنت والسيد "سبونك" وممثلة لإحدى المؤسسات الإنسانية السويسرية -العائدة للتو من العراق حينها- ضيوفاً على الإذاعة السويسرية في برنامج إخباري لمناقشة موضوعة الحالة الإنسانية في العراق والحصار الدولي مع تصاعد أصوات طبول الحرب. وقد صُدِمت والزميلة السويسرية بالدفاع المستميت الذي أبداه السيد سبونك عن نظام صدام مما اضطرني إن أقول له (هل أنا استمع إلى "بروباغاندا" صدام من أحد وزرائه أم إلى مسؤول دولي يقدم شهادة موضوعية). وراح السيد سبونك يحاول تخطئة ما أقوله وما تقوله زميلتي السويسرية مستعرضاً معرفته بالجغرافية العراقية، إلى حد انه راح يعدد مواقع المدارس التي تعاني من عدم وجود زجاج للشبابيك في قرى مدينتي الحلة (محافظة بابل).  وحين سألته عن قصور صدام قال أنها مبالغات. وهنا جاء تدخل ممثلة المنظمة السويسرية لتؤكد ما قلته عن تلاعب النظام الساقط بقوت العراقيين، فانفعل السيد سبوك ثم سكت بعد إن وجد إن خصومتنا معه تمتلك مصداقية أعلى خصوصاً عندما صرنا نتحدث بلغة الأرقام. وليس هنا مربط الحمار أو الفرس بل إن الآتي أعظم. فما انتهت الحلقة وخرجنا إلى خارج الاستديو حتى غير السيد سبونك خطابه وصار يجارينا ويعبر عن حبه للعراق. وهنا أفلتت منه جملة فضحته إلى الأبد. فقد قال إن ابنه يقيم في بغداد ويمتلك شركة هناك وهو متزوج من سيدة عراقية. ولم اصدق ما اسمع وتوهمت إن لغتي الألمانية تخونني. ولكن الاستغراب الذي بان على وجه الزميلة السويسرية قد أكد صحة ما سمعت.

كيف يكون لابن مسؤول برنامج النفط مقابل الغذاء شركة في العراق، وما هو حجم التسهيلات التي تلقاها في بلد مغلق حتى على أبنائه ليفتتح شركته أو مكتباً لشركته في بغداد؟ ومتى كان ذلك؟ وهل كانت استقالة السيد سبونك الإنسانية إنسانية فعلاً؟ وهل هناك علاقة بين الاستقالة وشركة الابن إذا كانت الشركة أنشئت بعد استقالة الأب؟ 

 

هذه الأسئلة وغيرها تقفز إلى الذهن فوراً مهما كانت النوايا حسنة ولابد من إجابة عليها لتدحض الشك باليقين. ولعل بمقدور السيد سبونك إن يوضح للجنة ولنا الصورة الغائبة عن هذا الموضوع الخطير. وهو وحده، وربما نَجلُه، من يستطيع إن يؤكد أو ينفي هذه المعلومة. إنني لا أتهم بل أتساءل تاركاً للجنة إن تتوصل إلى الحقيقة. فلست من دعاة إلقاء التهم أو تزويرها كما يفعل بعضهم لأبعاد التهم عن نفسه من خلال تلطيخ أسماء الشرفاء من خصومه. ولا يوجد بيني وبين السيد سبونك أية عداوة ولا سوء فهم. لكنني من دعاة العدالة دون ريب، والعدالة تقضي بمعرفة الحقيقة والحقيقة فقط هي رهاننا الأخير.

 

* كاتب وأكاديمي عراقي / مدير عام المركز الثقافي العربي السويسري

للتعليق على هذا الموضوع