Middle East Transparent

17 أغسطس 2004

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

كيف دخل العرب أولمبياد الحضارة

علي سعد الموسى

 

ما قبل الأمس احتجت دولة عربية على اليونان وهددت بسحب بعثتها الرياضية من الأولمبياد لأن اللجنة المنظمة أخطأت في حقها خطأ لا يغتفر حين عزفت نشيدا قوميا لدولة ثالثة في أثناء رفع علم هذه الدولة العربية في سماء القرية الأولمبية. اضطر عمدة أثينا للاعتذار العلني من الدولة العربية وأعيدت مراسم رفع العلم العربي بعد ساعة تمكن خلالها المنظمون من الحصول على نسخة النشيد الوطني من الشبكة العنكبوتية بمساعدة أحد أعضاء وفد الدولة العربية، فاللجنة اليونانية المنظمة للألعاب وكما يبدو لم تكن تحتفظ بنشيد هذه الدولة العربية في الأرشيف مثلما يقتضي البروتوكول الأولمبي. ربما لأنها حين فتشت في التاريخ الرياضي لم تجد للعرب ذكرا ولهذه الدولة تحديدا شأنا فأغفلت أرشفة هذا النشيد لأنها لن تضطر لعزفه في المضمار تحسبا للفوز بميدالية، ربما أيضا لأن العرف السياسي والرياضي والحضاري لا يعترف بالعرب على مسرح المنافسة الكونية وربما، وسنذهب في الظنون بعيدا، أن اللجنة المنظمة توقعت أن العرب لا يحفظون نشيدهم القومي عن ظهر قلب فمثل هذه الأناشيد لا تقال ولا ترفع ولا تعزف إلا في الأفراح والمناسبات الاحتفالية القومية والوطنية وهي أيام لا تذكر في تاريخ العروبة المعاصرة. تحول الحادث البسيط إلى فاكهة للتندر عشية الاحتفال المهيب بعودة الألعاب الأولمبية إلى مهدها الأول، من أجمل ما قرأت حول الحادثة تعليق "أحدهم" بالقول إن اللجنة المنظمة لم تخطئ وإنما حاولت اختصار الوقت لأن نشيد الدولة العربية يعتبر واحدا من أطول الأناشيد الوطنية التي ستعزف في القرية الأولمبية التي سترفع ما يقرب من مئتي علم عالمي في ظرف ثلاثة أيام. ومع هذا فلا يصح إلا الصحيح، لأن العودة من الخطأ إلى الصواب استغرقت ساعة كاملة وهو الوقت الذي يكفي لرفع أعلام ست دول وعزف نشيدها الوطني. هكذا حضرت دولنا العربية إلى الأولمبياد مثلما تحضر إلى أي تجمع عالمي آخر، مجرد أدوات للديكور والمجاملة فلا وجود لنا إلا في صور الذكرى يوم الافتتاح ولا مكان لنا مطلقاً في ردهات القرار السياسي أو لحظات الفوز الرياضي. أكثر من عشرين دولة عربية حجزت مكانها في ملعب أثينا الأولمبي ودخلت إليه بألبستها التقليدية وستغادره مع نهاية حفل الافتتاح فلن تعود إليه في بدلات المنافسة الرياضية، العرب في الرياضة لا يختلفون في شيء عن وضعهم في السياسة والاقتصاد والثقافة فهم مجرد تكملة عدد وسيأتون إلى الأولمبياد وسيكونون أول المغادرين لأنهم بمقاييس التوقعات لا يضمنون حتى اللحظة سوى الفوز بميدالية واحدة متوقعة وأربع أخرى في دائرة المجهول بحسب الأوضاع لحظة السباق.

 

رأيت منظرهم "المهيب" في طابور الاستعراض لحظة دخول الملعب الأولمبي مساء ما قبل البارحة وشاهدتهم بعضلاتهم المفتولة التي تنبئ عن كل شيء إلا عن الفوز لأن الرياضة في نهاية الأمر علم تتشابك فيه علوم مختلفة من الطب إلى الإدارة مرورا بكل ما بينهما وهي أشياء مفقودة في الشأن العربي الذي لم ينظر يوما واحدا إلى المنجز الإنساني على أنه ظاهرة شمولية متكاملة وعلى أنه في الأصل امتياز حضاري له شبكته العلمية والتقنية. الفوز بميدالية أولمبية ليس بالاجتهاد الفردي وإنما بالمسلك الجمعي، فالرياضة في النهاية مؤشر على الإنجاز في كل الأساسيات والعلوم الأخرى التي تحتاجها الرياضة، ترى لو استغرقنا في الخيال فنظرنا إلى ملعب أثينا الأولمبي على أنه حلبة في المنافسة على المنجز الحضاري والعلمي والتقني تأتي إليه الأمم والشعوب لتقدم فيه آخر ابتكاراتها وآخر إصداراتها العلمية التي خدمتها وخدمت بها مجمل العمل الإنساني الكوني. هكذا أتخيل العرش: سيدخل الوفد الفنلندي ومعه آخر الشرائح المبتكرة لجهاز الجوال العجيب من ماركة "نوكيا" الذي صار اسما مرادفا للدولة التي لا يتعدى عدد سكانها أصابع اليد ويفوق دخلها السنوي منه ما يعادل الناتج الإجمالي القومي للعرب كأمة واحدة خالدة. ستدخل اليابان إلى الملعب الأولمبي بشرائط ألعاب "سوني" في كرة القدم التي لم تعرفها إلا منذ عقد ونصف فوصلت بهذه اللعبة الإلكترونية وحدها إلى مبيعات تقرب من أربعة مليارات دولار وهو رقم أظنه يفوق كل ما صرف على الشباب العربي في تاريخ الرياضة، ستأتي كوريا الجنوبية تحت شعار شركة "هيونداي" التي يعمل بها اليوم خمسة ملايين عامل كوري هو عدد العاطلين في دولة عربية، وتتوزع صناعتها إلى 64 منتجا مختلفا يبدأ بشريط الكاسيت وينتهي بالرافعات العملاقة فوق ناطحات السحاب مرورا بكل ما بينها من صناعة إليكترونية أو ثقيلة، ستدخل كندا بآخر ابتكاراتها الطبية وهو جهاز في حجم يد الإنسان قادر على قراءة تفاصيل الخلايا البشرية لقراءة الخلل المحتمل والتنبؤ بتباشير الأورام قبل عام من دمار الخلية، سيدخل الوفد البلجيكي تحت اسم مدينة "جوتنبرج" الصغيرة التي يبلغ دخلها من إعادة تصدير "الألماس" وحده 26 ملياراً من الدولارات في العام الواحد، ستدخل جنوب إفريقيا هذه المرة برداء الديمقراطية التي احترمت الأبيض والأسود وأعطت المواطن صوته لتنتقل خلال سنوات من الحروب الأهلية إلى أنموذج يستدعيه كل هواة التجارب الديمقراطية، ستحضر بريطانيا إلى الأولمبياد هذه المرة بكتاب "هاري بوتر" من قصص الأطفال الذي بيع منه بالعملة الصعبة ما أعتقد أنه يفوق كل قيمة الأوراق والكتب وقصائد الشعر وخطب الإنشاء في التاريخ العربي. سأترك لكم بقية الخيال حين انتهت المساحة ولكن كيف سيدخل العرب: سيدخلون بآخر ابتكاراتهم في خطف الطائرات وتشريك المتفجرات وتحويل أكواع السباكة إلى قنابل، سيدخلون للمنافسة في المصارعة والملاكمة ورمي الرمح وسلاح الشيش وليتهم يفوزون في هذه الألعاب حتى بميدالية واحدة، سيدخلون للأولمبياد الذي تبلغ تكاليفه الأمنية 1.7 مليار دولار فلم يعكر صفوه شيء إلا خبر بسيط عن الاشتباه في ثلاثة أشخاص بملامح شرق أوسطية.

(جريدة "الوطن" السعودية في 15 أغسطس 2004)

 

Your Comments