15 يوليو 2006

 

 

 

 

   

 

الصورة.. والمرآة

علي كنعان*

 

     يقف الكاتب خجلا من التفوه بأي كلمة أمام كارثة غزة وما يجري فيها من حرق وتخريب وإبادة. لكن السكوت أفظع وأشد وبالا، وخاصة أن أنظمة الاستبداد العربية ما زالت علي حالها في مغازلة العدو الصهيوني والعمل علي استرضائه، في حين تمارس حقدا مغوليا وقمعا ضاريا ضد الشرفاء من أبناء الشعب المطالبين بالحرية والعدالة ومكافحة الفساد. ويكفي أن نشير إلي ما نشرته جريدة سورية ما زالوا يسمونها تفاؤلا الثورة وتصدر عن مؤسسة أطلقوا عليها زورا وبهتانا اسم الوحدة . في هذه الصحيفة يتهمون بالرشوة المناضل الوطني المعروف والناشط الديموقراطي المستنير ميشيل كيلو. فكيف يمكن السكوت أمام العدوان الدموي الصهيوني من طرف ودجل الاستبداد المدهون بأصبغة العروبة والاشتراكية من الطرف الآخر؟!

     منذ أشهر معدودات وأنا أتعجب وأتساءل: لماذا جيء بطبيب جراح إلي وزارة الإعلام، في حين حشر الإعلامي البارع داخل أسوار الثقافة المقموعة؟! في سورية نسمي الطبيب حكيما ، ولا شك أن الدكتور بلال يمتاز بخبرة علمية واسعة في مجال اختصاصه الطبي الجراحي. وأنا واحد من الذين تابعوا مسيرته العلمية من أوائل السبعينيات في القرن الماضي، ولعل صحيفة الثورة المغدورة تشهد بذلك. لكن ما نشرته قبل أيام هذه الجريدة الخاضعة لتوجيهات السيد الوزير تؤكد أن الحكمة فاتته هذه المرة كما ستفوته في مرات كثيرة قادمة، لسبب بسيط هو غياب الحنكة السياسية والحكمة معا. ومن المعروف حتي لطلبة المدارس الشرعية أن الإعلام العشوائي، بعيدا عن الفكر السياسي المستنير، لا يستطيع أن يصنع سياسة أو يعوض عن غيابها إلا بالتهريج والدجل واصطناع المعارك البهلوانية ونشر الاتهامات الملفقة التي تثير مشاعر الشفقة والرثاء أكثر مما تثير الضحك والمتعة والانشراح، ولنترك مسألة الفائدة جانبا.

    إن إطلاق الكلاب المسعورة والمأجورة لتنهش في لحم الأستاذ ميشيل كيلو ورفاقه ـ فك الله أسرهم! ـ لا ينطوي ولو علي ذرة ضئيلة من شرف المهنة أو إحساس المواطنة وكرامة الكائن البشري. ومن لا يعرف قيمة الكرامة الإنسانية في نفوس معارضيه، يفتقر إلي الحد الأدني من عزة المواطن العربي وكرامة الإنسان، علي إطلاقه. وهذا، يا سيادة الحكيم ، ليس إعلاما وإنما هو باختصار عهر إعلامي ـ وأعتذر من السادة القراء لاستعمال هذه اللفظة النابية، مكرها ـ ولا أدري كيف سمح بمرور تلك الأكذوبة الصارخة دركي الرقابة العصمللي المسمي رئيس التحرير في الجريدة المذكورة آنفا! أم أن كاتب المقال المذيل باسم مذيعة لبنانية، أترفع عن ذكر اسمها أمام الأستاذ ميشيل كيلو، أكبر من أن يرد له أمر؟!ولعل هذه الإشارة تكفي وتزيد.
كاتب إفريقي أمضي عديدا من السنين في سجون العنصرية. ويوم أطلق سراحه، سأله مراسل نيوزويك: أما آن لك أن تستريح بعد كل ما عانيت في السجون، أم أنك ستواصل مسيرتك في النضال؟

   وكان الجواب مفاجئا وحاسما: إذا لم تعجبك صورتك في المرآة، فهل تحطم المرآة أم تسعي إلي تغيير ملامح الصورة؟!

    إن النظام العربي العتيد، والسوري في طليعته، قد حذف مفردات النضال والحرية والكفاح والعدالة، وحتي المراعاة والإنصاف، من معجمه ومن سلوكه اليومي وصار يستمتع بتحطيم جميع المرايا التي تظهر له صورته علي حقيقتها المرعبة. فهو لا يكتفي بمدائح المتزلفين والوصوليين والمنتفعين الذين يحاولون تلميع الصورة، سواء من داخل الحزب الحاكم أومن حواشيه الطفيلية المساندة، وإنما يقرر إخراس أي صوت ناقد أو معارض لحالة الفساد المزمن والمستشري في بنية السلطة وفي أوصال الجهاز الإداري والمتطاول حتي إلي لحمة النسيج الاجتماعي.

     وإذا كانت المعارضة هي صمام الأمان ضد كل تجاوز وانتهاك لحقوق المواطنين، وهي المرآة الصقيلة الصافية التي تكشف للنظام المهيمن أمراضه ومخازيه وحماقاته، فإن قمع رموز هذه المعارضة والزج بطليعتها في المعتقلات يكشف أن النظام فقد كل حس ومنطق وحكمة واتزان ورؤية سليمة.
من هذه النظرة العشواء والممارسة المتعسفة في نهج النظام، يصبح السلام مع العدو ـ مغتصب الأرض ـ خيارا استراتيجيا، وإن كان ذلك العدو رافضا كل أسس السلام واحتمالاته. وفي الوقت ذاته، يرفض سادة النظام مبدأ المصالحة مع أبناء شعبهم لأن هذا الشعب ما زال جاهلا ومشبوها وقاصرا.. وهو يحتاج إلي الوصاية والحجر وكم الأفواه.
لكن السؤال الذي يخطر في بال الكاتب المتفرج علي مشاهد الكوميديا السوداء من بعيد: هل السلام هو الخيار الاستراتيجي أم أمن الوطن ومواطنيه؟ حين يطلق النظام هذا الشعار المريب: السلام خيار استراتيجي فهذا يعني أن نترك قوي العدوان الصهيوني تسرح وتمرح فوق أرضنا وعبر أجوائنا، ولا بأس أن تتسلل إلي غرف نومنا وتهدهد أطفالنا بروعة ألعابها البهلوانية، بينما نفرض علي المنادين بالإصلاح وسيادة القانون من نشطاء الكلمة الحرة ولجان المجتمع المدني أن يخرسوا أو يناموا في الأقبية والمعتقلات.

    ولو أن اللعبة توقفت عند هذا الحد، لآثرنا الصبر والسلوان والتفرج علي مهرجان كرة القدم في الملاعب الألمانية الزاهية. لكن الطغاة أطلقوا كلابهم المسعورة لتتهم الأحرار الشرفاء بأحط النعوت والصفات التي امتازت بها عصابات المافيا داخل النظام ذاته.

     أنا واثق أن طواغيت هذا النظام في طريق الزوال؛ ونحن جميعا زائلون في نهاية المطاف. والتاريخ يؤكد أن كل معضلة، مهما كانت عسيرة، سوف يحلها الزمن ولو بعدالة الموت. وستبقي الكلمة الحرة وحدها مضيئة صافية، رغم كل طغيان. ويكفينا أن نردد مع الشاعر خليل مطران:
كسِّروا الأقلام، هل تكسيرها يمنع الأيدي أن تنقش صخرا؟

قطعوا الأيدي، هل تقطيعها يمنع الأعين أن تنظر شزرا؟

أطفئوا الأعين، هل إطفاؤها يمنع الأنفاس أن تصعد زفرا؟

أخمدوا الأنفاس.. هذا شأوكم وبه منجاتنا منكم، فشكرا!

 

*شاعر سوري يقيم في أبو ظبي

 (القدس العربي)

 

 للتعليق على الموضوع