4 مايو 2005

 

تسونامي عسير

علي فردان

 

 

تسونامي شرق آسيا عقاب من الله

قبل أشهر، بالتحديد يوم 26 ديسمبر 2004 م حدث زلزال بقوة 9.8 درجة في أعماق المحيط قبالة ساحل إقليم أتشه بجزيرة سومطرة الإندونيسية، على إثرها حدثت موجات عاتية أغرقت سواحل عدة وغطّت المياه القرى والمدن الساحلية وتسببت في قتل ما يزيد على 250 ألف إنسان أكثرهم من إندونيسيا، والهند.

 

بعدها خرج علينا أساقفة السلفية من أهل الفرقة الناجية يتحدّثون فيها بأن ذلك عقاب من الله بسبب الفساد المستشري في هذه الدول لأن هذه المناطق الساحلية هي مناطق سياحية يزورها أجانب غربيين وبها تُرتكب العديد من "الموبقات" كشرب الخمر والزنا والشذوذ الجنسي، وغيره من المحرّمات. أبرز ما كُتب في هذا الموضوع هو ما نشره الشيخ عبدالعزيز الفوزان، عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود في أكثر من مقالة مؤكداً بأن ما حدث كان غضباً ربّانيا وعقاباً إلهيا على الفساد الذي صاحب احتفال عيد الميلاد.

 

مما زاد في الموضوع تعقيداً بأن هذا الشيخ ردّ مرةً أخرى على منتقديه بمقال آخر ليزايد ويؤكد على إن الضحايا قد أصابهم غضب الله بسبب فسادهم. وفي برنامج "الجواب الشافي" الذي بثته قناة المجد الوهابية بتاريخ 6 يناير 2001 م، عاد الشيخ الفوزان وكرّر ما قاله سابقاً ولكن بطريقة أكثر وضوحاً حيث قال (عندما ينتشر الزنا والفساد والشذوذ الجنسي في العالم، يحين موعد الكارثة)، ولكن القناة أسرعت وحذفت ما قاله من موقعها بسرعة، مع أن المسؤولين في القناة يقولون "بأن رأي الشيخ لا يُعبّر عن رأي القناة بالضرورة".

 

الأدهى من ذلك هو ما نشرته مجلة إنسان، مجلة تصدر عن الجمعية الخيرية لرعاية الأيتام بمنطقة الرياض؛ هذه الجمعية يرأس مجلس إدارتها الأمير سلمان أمير منطقة الرياض. ففي العدد الثاني عشر لمحرم 1426 هـ في تقرير عن تسونامي تحت عنوان: تسونامي .. العبرة والمعتبر، تحدّثت المجلة عن تفاصيل الحدث وكيفية وقوع الزلازل، وبعدها وصلت المجلة إلى الفكرة السابقة التي ذكرها الشيخ الفوزان. تحت عنوان داخلي: الزلازل والمصائب للعلامة بن باز، ذكرت المجلة على لسان بن باز "وكل ما يحدث في الودود من الزلازل وغيرها مما يضر العباد ويسبب لهم أنواعاً من الأذى، كله بأسباب الشرك والمعاصي"؛ أي أن هذه المجلة تتبع نفس المنهج السابق، مع أنها مجلة تهتم بالأيتام، لكن صفحاتها مليئة بدعوات الكراهية والتطرف. عندما تحدّث مشايخ الفرقة الناجية، مثل النازي ناصر العمر، حين تحدّث عن العراق وأفغانستان في أكثر من محاضرة، قال بأن ذلك ابتلاء للمؤمنين.

 

فاجعة عسير ابتلاء أم عقاب؟

ما حدث في عقبة ضلع بعسير بسبب السيول التي جرفت عائلات بأكملها، نساءً وأطفالاً ورجالاً وشيوخاً، فدمّرت المنازل وجرفت السيارات، والصور التي نشرتها الصحف وكأن هذه الصور في منطقة منكوبة مثل ما حدث في اندونيسيا والهند بسبب أمواج تسونامي. صور الجثث الآدمية وهي مغطاة بالوحل وتحت الطين وبشكل يدمي القلب، فصور الأطفال والرجال وقد تشوّهت أجسادهم الطاهرة لا يمكن أن تنمحي من الذاكرة. إن العين لتدمع وإن القلب لينفطر وهو يُشاهد هذه المآسي وهو يعلم بأنه كان من الممكن أن لا تحدث. هل يعتبر مشايخ الوهابية بأن ذلك أيضاً بسبب المعاصي والشرك، والفساد ومواخير الجنس الخ؟ أم أن ذلك ابتلاء للمؤمنين؟ أم أن ذلك بسبب الفساد الذي يصاحب كل مآسينا سابقها ولاحقها؟

 

لو أن ما حدث في عسير حدث في إسرائيل، وكان رئيس وزرائها في زيارة عمل لدولة ما، لقطع زيارته وعاد لبلده تعاطفاً مع أهالي الضحايا مُبرزاً مسؤولية الدولة، كما حدث من قبل أن عاد شارون من زيارته لأمريكا بسبب تفجير انتحاري في تل أبيب؛ ولكن في حالتنا هذه الوضع مختلف تماماً؛ فالأمير عبدالله في زيارة استجمام في المغرب، وليس فقط أن الأمير عبدالله لم يعد للوطن مُبدياً نوعاً من التضامن مع أهالي الضحايا، بل أنّه لم يُعلّق على الكارثة ولو بكلمة واحدة وكأن الأمر لا يعنيه لا من قريب ولا من بعيد. ولا ننسى بأن مؤسساتنا "الخيرية" السلفية التي ملئت الدنيا صراخاً بسبب الضغوط على أعمالها الإغاثية، نست وتناست بأن لدينا من المناطق المحرومة التي تحتاج للماء والكهرباء والغذاء والدواء والملبس والمسكن. لكن لا يجب أن نلومهم كثيراً، خاصةً وإن هذه المؤسسات تحدّثت صراحةً في أكثر من مناسبة بأن المساعدات هي للذين هم على نهج أهل السلف، وربما العديد من أهالي الجنوب لا يقعون تحت هذه الفئة، ولهذا فهم غير مشمولين "بعطف" هذه المؤسسات التي وزعّت خدماتها لنشر الغلو والتطرف والكراهية في بقاع الأرض الأربعة، ودعمت عصابة طالبان وتنظيم القاعدة التي لازالت تعمل على ذبح المدنيين في العراق. ربما لأن أهالي عسير يحتفلون بمولد النبي ولذلك فهم من المشركين ومن المرتكبين للمعاصي، وكما يقول شيوخ الفرقة الناجية بأن الاحتفال بمولد النبي يصاحبه اختلاط وفساد ورقص، "وربما زنا" وما حصل هو استحقاق إلهي حيث كان عقابهم في الدنيا قبل الآخرة.

 

أموال تذهب لقتل الأبرياء في كل مكان، أموال تذهب لتعبئة الكراهية والحقد والتطرف في الفلبين وإندونيسيا وأفغانستان والشيشان، والآن في العراق وغيرها؛ وما تفجيرات قطر والقاهرة إلاّ دليل تلو الآخر على ضلوع السلفية الإرهابية خلف هذه الأفكار التي تُبيح قتل الآخر تقرّباً إلى الله تعالى. والآن لدي سؤال أخير وهو: هل سيخرج علينا الشيخ عبدالعزيز الفوزان ليفتينا فيما حصل في عسير ليقول لنا هل ما حدث هو ابتلاء لأننا مؤمنين أم عقاب لأننا مشركين وأصحاب معاصي كما قال الشيخ بن باز؟ وهل ينتشر الزنا والفساد والشذوذ الجنسي في جنوب المملكة ولهذا حان موعدهم مع الكارثة؟

 

 

a_fardan2000@yahoo.com

 

 

 

للتعليق على هذا الموضوع