24 ديسمبر 2005

 

 

 

كتابة الألم... وثقافة الأمل

علي الدميني

 

 

(1)    : تلويحة الغياب

 

قبل أن يموت عبد العزيز مشري كتب وصية الغياب، وتدرب على الاقتراب من حافة الموت والفناء، فأخبرنا عما يشبه العدم القابع خلف كل النهايات التراجيدية، ولذا فرغم الغيبوبة الطويلة التي سكنها قبل وفاته، إلا أننا كنا ننتظر خروجه منها، لأنه عودنا على مفاجآت العودة بعد الرحيل، ولكنه هذه المرة كان جاداً في ذهابه المبكر... ولأننا تدربنا بشكل كامل، وعبر عمر طويل، على حضوره الواقعي والرمزي، فقد قررنا ألا نضعه في قبور النسيان.

 

كان آخر ما خطه قلم عبد العزيز في هذا العمل- وأظنه خاتمة ما دونه في حياته- فقرة بالغة الدلالة لتوديع الحياة، حيث كتب عن بطل النص "زاهر": "لم يكن أحد قد منحه أدنى المسامع، وكان يصرخ، وعندما جفت بلاعمه وشحب صوته... جاءه ممرض النوبة الليلية، غاضباً، وهو يردد بإنجليزية أمريكية مضغوطة:

Don't use your voice Be quite Be quite

ثم حمله كحشرة بلا قدمين، ووضعه في السرير..."

هذا ما حدث له في غيبوبته الطويلة الأولى في أمريكا، ولعل ذلك ما شعر به أيضا، في غيبوبته النهائية في أحد مستشفيات مدينة "جدة".

 

وحين نبحث عن موقع للقراءة المقارنة بين المشهدين، يمكننا الذهاب إلى أن هذه الجملة السردية القصيرة، تتضمن معنيين دالين، ظاهرهما يشي بنتيجة انتهاء معركة "زاهر" مع المرض بانتصار الأخير عليه، حين بلغ في صراعه الطويل معه فقد القدمين (والواقع أنه أصبح بلا رجلين كاملتين)، ومن ثم لم يعد بإمكان الفارس أن يواصل معركته مع غريمه، مما سهّل إمكانية حمله كحشرة بلا قدمين إلى سرير النهاية.

 

أما المعنى الأكثر عمقاً، فإنه يستبطن ما عبرت عنه الرواية من تفاصيل مقاومة المرض المستبد الدائم، مترافقة مع لغة احتجاج عالية ضد سطوة السياسة الأمريكية في المنطقة العربية، وكأنما كانت تلك السطوة صنواً لعنف المرض وقسوته، ومن هنا جاءت النهاية التراجيدية... نهاية بتر الساق حتى منتصف الفخذ على يد الطبيب الأمريكي... مصحوبة بأدوات القمع السلمي- لسلسلة احتجاجات مثقف عربي يهذي- علي يدي ممرض أمريكي، يأمره بصوت غاضب، بأن يصمت!

 

* * *

 

و "المغزول"، عنوان الرواية، كلمة تستخدم بلهجة منطقة الباحة الواقعة في الجزء الأعلى لجنوب المملكة، وتعني المجنون، وقد استخدمها الكاتب لبناء عمل سردي، كان قد بدأ في كتابته قبل رحلته الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية لاستكمال خاتمة عمليات البتر الجسدي التي اضطر لخوضها، و أكملها بعد المجيء إلى الوطن، وكأنما أراد بهذا العمل أن يكون خلاصة تجربة حياة طويلة تعايش فيها مع أمراضه، بل وقهرها جميعاً، بصلابة الإرادة وعمق البصيرة، وشجاعة المواجهة.

 

كما أراد من جهة ثانية تخليق مناخ سردي يمنح بطل الرواية "زاهر المعلول" قبولاً اجتماعيا ورقابيا، لينفذ من خلاله إلى كشف بعض مكونات البنى العميقة للألم، التي تحفل بها حياتنا الثقافية والاجتماعية والسياسية، فأفسح المجال واسعاً أمام هذيان "المغزول " أو حكمته، أو صدقه، -لأن المجنون قد رفع عنه القلم- للتعبير عن كل ما أراد مقاربته.

 

وحين كان يجالد "الغرغرينا" التي فتكت بقدمه اليسرى، وجد أن اندماجه في كتابة عمل سردي هو أقوى أسلحته المضادة للتغلب على قسوة الألم، وقد شجعه الأصدقاء على الاستمرار في كتابتها رغم عدم قدرته على قراءة ما يكتب، وقد بذلت "فوزية العيوني" جهداً كبيراً في تشجيعه على استمرارية الكتابة، حيث كان يكتب مسوداته ثم يرسلها لها بالفاكس من جدة إلى الظهران، فتقوم بقراءة النص عليه هاتفياً، ويتم عبر المهاتفة إجراء التصحيحات أو التعديلات التي يراها عبد العزيز مناسبة.

 

وبعد عودته من سفر العلاج، كان قد تخلّص من آلام الرجل التي بُترت، فاستأنف العمل على إكمال روايته، بروح جذلة أمدته بالقوة على إنجاز "المغزول" بمساعدة أخيه الوفي "أحمد مشري".

 

* * *

 

كان مثل هذا العمل السردي الطويل بحاجة إلى جهد المراجعة لضبط إيقاعه القائم على تداخل الأزمنة، والحالات، وإلى صبر على التدقيق وربط الجمل، وضبط بعض النبرات العالية التي قد لا تتسق مع السياق التحليلي والتأملي المتماسك في جل هذا النص، ولكن يد القدر، لم تمهل الراحل الكبير لمراجعة عمله والتدقيق فيه كما عهدناه، فقام بهذا الجهد الشاق شقيقه أحمد، وتوّجه بصف النص على الكمبيوتر.

 

وحين قادتني الصدف لأن أكون آخر الأصدقاء الذين يستمتعون معه بقضاء ليلته الأخيرة، لم أكن قد قرأت النص بعد، ووجدت أحمد مشري يعمل على تصحيحه و طباعته.

 

كان جالساً مع ممرضته، وأخيه، ووالدتهما، في حوش بيته أمام حوض الريحان وشجيرات "الكاذي" الصغيرة، وقد ابتهج كثيراً برؤيتي... سهرنا حتى منتصف الليل، وتحدثنا حول طباعة أعماله الكاملة، والتي كنا قد بدأناها بإعادة صف مجموعاته القصصية، وتوقفنا عند بعض الأجزاء الصغيرة التي قد لا توافق عليها الرقابة المحلية، مثل الفصل المعنون "أحمد يتعلم أشياء جديدة" الوارد في رواية الوسمية، وبعض ما تضمنته رواية "في عشق حتى"، وكذلك ما سيرد في "المغزول"، بحسب ما فهمته من أخيه.

 

وكنت و أحمد نميل إلى تعديل تلك الفقرات القصيرة، أو إعادة صياغتها، ولكن عبد العزيز، كعادته، لم يرض بالتنازل عن حق العمل الفني في البوح عن المسكوت عنه، لأن ذلك في نظره، يعدُ مناط خصوصية العمل، وسرّ تفرده، وقال لنا: ألا تتذكرون ما تحفل به الثقافة الشعبية في الجنوب من حكايات وأمثال يستخدمها الناس في مخاطباتهم اليومية رغم ما تحفل به من مضامين تتجاوز ما أوردته في رواياتي سواء في الجوانب الجنسية او الثقافية أو غيرها؟ وأردف متسائلاً بغضب: إذا حذفنا فصل "أحمد يتعلم" من رواية "الوسمية"، فماذا يتبقى منها؟

 

كان سؤالاً حاسماً حمل إجابته معه، ووجدنا الحل في نشر المجموعات القصصية، والجزء الأول من المجوعات الروائية، المجازة محليا، داخل المملكة، أما التي لم تقدم للرقابة المحلية أصلاً، ومنها المغزول، وما قد يضيفه إليها لاحقاُ، فبإمكاننا طباعتها في بيروت، وتوزيعها في معارض الكتاب العربية.

 

بدا عليه التعب وتحامل على احتمال وطأته، و لم يدخن المعسّل معي كما اعتدنا، و حدثني عن بداية التهاب في المسالك البولية، يخشى معه انتقال الفيروس إلى الكلية، ... وعلى العشاء الذي حرص على أن يكون تعبيراً عن احتفاء خاص بي، صنعت والدته لنا "عصيدة"، فأكل معنا بشكل جيد، وشجّع ممرضته المغربية "فائزة" على تذوق هذه الأكلة، وحثها على تعلم صنع "العصيدة" للأصدقاء الجنوبيين أمثالي - في الزيارات القادمة.

 

وعقب العشاء تناقشنا حول أمور تتعلق بطباعة أعماله، ومنها حجم المجلد، وصورة الغلاف، ودار النشر، إلا أننا اختلفنا حول حجم الكتاب، وحين اخترت صورته المعلقة على الحائط لتكون على الأغلفة، قال: ليكن حجم الصورة هو حجم الكتاب، (ويا لدقة عبد العزيز، فقد وجدت فيما بعد، أن مقاس الصورة متناسب تماماً مع الحجم الذي أصرّ عليه!).

 

في الواحدة نمت لكي أصحو في الخامسة للحاق بالطائرة، وحين أفقت، وجدت ممرضته "فائزة" تبكي، وأشارت إلى أن عبد العزيز مرض البارحة، وحمله أخوه أحمد إلى المستشفى، ولم يعودا حتى الآن.

 

هاتفت أحمد عصراً للاستفسار عن حالة عبد العزيز، فأبلغني أنه في غيبوبة، ولكن أحمد كخبير في حالات مرض أخيه، طمأنني بألا أقلق عليه، وكان يردد دائماً، كلما اتصلت به: لا تخف... إنني واثق أنه سيخرج من هذه الغيبوبة، وأنه لن يموت، لأنه كالقطط ... بسبعة أرواح، ويكمل مؤكداً: إنني أعرف قدراته جيداً، فقد عايشت حالات غيبوباته من الدمام إلى الرياض، إلى أمريكا.

 

رغبت بعد أسبوع أن أزوره في المستشفى، ولكن أحمد أكدّ لي أن الأطباء يمنعون الزيارة عنه حرصاً على راحته النفسية، لأن زيارة الأصدقاء تشعره بعجزه، مما يؤثر على استقرار حالته، فقبلت كلامه على مضض، مثلما قبل كل المحبين لعبد العزيز، وتركناه في رعاية الله.

 

وفي الساعة السادسة من مساء يوم الأحد /5/2000م (عد أربعين يوما من بدء الغيبوبة)..... هاتفني صديقه الوفي، القاص والكاتب المعروف، سعد الدوسري من المستشفى، وهو يغالب حشرجة البكاء، وقال لي: لم أجد أحداً أقرب منك لعبد العزيز لكي يشاركني حزن هذه اللحظة... وأضاف: بعد قليل سينزع الأطباء عنه أجهزة التنفس الاصطناعية، وسيمضي إلى رحمة ربه.

 

كانت زوجتي قريبة مني، فصرخت باكية، أما أنا فقد تحجر الدمع في عيني، وبقيت متماسكا حتى ونحن نواريه الثرى في جدة، ولكن غصة الفقد والحنين ظلت معلقة في صدري... ورأيت أن أفضل عمل أقوم به لمغالبة الحزن، هو متابعة تصحيح بروفات أعماله الكاملة.

 

انهمكت في تصحيح مجموعاته القصصية، وفي كتابة مقدمة لها، وكنت أجد العزاء في قراءة تلك الأعمال، وأحسه بجانبي يحدثني، ويمطرني بوافر سخرية الحكايات، ولم أشعر بحقيقة فقده إلا بعد أن أكملت تلك البروفات... وقمت بدفعها إلى المطابع... وحينها... وحينها فقط... أحسست أنني فقدت عبد العزيز إلى الأبد، فبكيت عليه كما لم أبك في حياتي.

 

* * *

 

أدركت، بعد قراءة رواية" المغزول" أننا أخطأنا في عدم الأخذ بالرأي القائل بضرورة دفنه في مقبرة القرية، ذلك أن هذه الرواية التي سجلت حالة غيبوبته في أمريكا وإحساسه بالموت، قد تضمنت ما يشبه الوصية، حيث ذكر فيها "أسألوا أمه أن تقود سيارتها وتحمل جثمانه إلى مقبرة القرية".

 

لقد كان من اللائق بعاشق القرى، أن يتوسد في موته رائحة المكان الذي أحب، والشجر الذي عشق، وأن يكون له قبر معروف يمكن لمحبيه أن يأتوا إليه لقراءة الفاتحة على روحه، لا أن يدفن في مقبرة واسعة لا يعرف لقبره منها موضعا.

 

وها نحن الآن، نعاود جمع الحروف من جديد، بعد أن تأخرنا في إخراج هذه الرواية من مخزنها، وذلك لأننا كنا نود إصدارها ضمن الجزء الثاني من الأعمال الروائية، غير أن الظروف القاسية التي مررت بها قد أعاقت صدور الجزء الثاني لمدة تقرب من العامين، ولذا رأينا إصدارها الآن بشكل منفرد.

 

والآن، لا يقلقنا أكثر من حرصنا على إخراج هذا العمل بأقل قدرٍ من الأخطاء، لأننا قد خبرنا حرص الكاتب على دقة متابعته لنصوصه، وغضبه لأتفه الهفوات، ونسأله أن يسامحنا على ما قد يصيب النص من تصويبات أو اجتهادات بسيطة قد لا يوافق عبد العزيز- عليها لو كان بيننا.

 

وقد بذل شقيقه احمد مشري كل جهده، للوفاء للنص الأصلي، كما قمت أنا وزوجتي فوزية بمقابلة النص المطبوع بأصله في المخطوطة، للتأكد من بعض الكلمات، أو الفواصل، أو الأجزاء الواردة بالبنط الأسود، وقد بالغنا في الحرص على الوفاء للنص الأصلي. ولكن صديقه الشاعر محمد الدميني الذي صحح البروفة ما قبل النهائية، كان أشجع منا، أو أكثر تحرراً من قيد تلك المعرفة اللصيقة بحرص عبد العزيز على صياغاته، واستخدامه لبعض الكلمات في غير موضعها عن قصد، فأجرى محمد قلمه بالكثير من التصويبات، وأبدى بعض الملاحظات البنائية والجمالية، التي أخذنا بالكثير منها، إلا ما أدركنا - بحكم الخبرة- أن المرحوم لا يمكن أن يقبل به، سواء من الناحية الفنية أو الناحية الرقابية.

 

 

 

(2)     : قراءة عابرة

 

شكّل الكاتب في هذا العمل بناءً فنياً مغايراً لما ألفناه في سردياته السابقة، حيث خرج من نسق "خطية " الحدث وتلازماته الزمنية التعاقبية النامية، واستبدله بنسق تداخل الأزمنة والأحداث، وهذا عمل شاق على كاتب لا يستطيع لضعف نظره- قراءة ما يكتب بيسر وسهولة. وكان هاجسه منصبّاً على البحث الشخصي عن إمكانية تطوير شكل خطابه الروائي، تعبيراً ودلالة، وان يقارب بصنيعه هذا مناطق شائكة، كان قد حرص على تجنبها، بعد عمله الروائي الأول"الوسمية".

 

و قد استطاع الكاتب أن يحول تجربة حياتية واقعية إلى عمل فني ينطوي على كثير من الغرائبية تفوق في تفاصيلها مهارات التخييل الفني والفنتازيا، فلم يكن بحاجة لتركيب حياة متخيلة توهمنا بحياة حقيقية، بل أن كل ما فعله هو استعادة أجزاء متشابكة ومتعارضة في تجربته هو مع المرض وسجون المستشفيات، لينجز، هذا العمل الشديد الخصوصية والشفافية والصدق.

 

إن ما عايشه الكاتب ليس مهما بحد ذاته ولكن الأهم هو كيفية التعاطي مع تلك التجربة الخاصة، والعصية على التكرار، حتى بدا الواقع أكثر سريالية من جهد التخييل والابتكار؟

 

لقد أفاد عبد العزيز من ممكناته الثقافية، ورؤيته النقدية، وحساسيته الخاصة للغة، واستخدام لعبة الزمن الدائري، واستنفار ما ينطوي عليه من مقدرة على استخدام فن السخرية، من أجل صياغة نص يغلب عليه طابع التأمل، والمكاشفة، وتسمية بعض الحقائق المستورة بحجاب هش- بأسمائها، و ليسهم مع غيره في طرح الأسئلة ، ودفع المناخ الاجتماعي والثقافي في المملكة إلى حالة نسبية أرقى من ذي قبل، للقبول بالحوار،والمكاشفة، ونبذ العنف، و تقبل نقد ثقافة التشدد والإقصاء والتكفير.

 

ولو كان القدَر قد أسعفه بحياة أطول لتلمس بيديه مصداقية ما ذهب إليه، ولتنفس معنا هواء أكثر نقاء وقبولاً للمغايرة، وأقل تسمماً من ذلك الفضاء الخانق الذي احتملناه منذ نهاية الثمانينيات وحتى أحداث تفجيرات "المحيا" وغيرها بالرياض.

 

* * *

 

 

تبدأ رواية "المغزول" بهذه الجملة: ("أين رجلي... أعيدو لي رجلي"... هكذا كان "زاهر المعلول" وقت إذ مد يده ليمسك موضع تنمّل شديد في إصبع قدمه اليمنى".

 

وتنتهي الرواية بعبارة (وحمله كحشرة بلا قدمين، ووضعه في السرير).

 

فالبدء بتر للرجل اليمنى (وتعني القدم والساق والفخذ)، والنهاية بتر للرجل اليسرى حتى أصبح كحشرة بلا رجلين، وتم حمله إلى السرير. وما بين حالتي البتر تتعالق أحداث تضم بدء المرض في مرحلة الطفولة، وتلتف السيرة بطريقة دائرية كحبال مختلطة، لا بدء لها ولا نهاية، لكنها سيرة حياة طويلة وغنية، أصيب بطلها بمرض السكري في بيئة لا تعرف للأمراض علاجاً إلا قراءة الفقيه أو رقية المداوي، ولا تتوقع أن يصاب شاب ناحل في بيئة فقيرة "بداء الملوك"... وينتج عن ذلك المرض الأصل، سلسلة من الأمراض تشمل النظر، والفشل الكلوي، وغسيل الدم " الديلزة"، وفقدان التوازن، وضغط الدم، ومعاقرة أمراض مزمنة لا برء منها، ولذا يغدو المرض والمريض توأمان سياميان لا انفصال لأحدهما عن الآخ، ويغدو المستشفى سجناً مؤبداً، بدون تهمة محددة، بل يمكن أن يكون السجن العادي أكثر رحمة بنزيله من مريض المستشفيات، لأن السجين يقضي مدة عقوبته مفعماً بأمل الخروج منه والبدء في حياة جديدة.

 

فكيف تعاطى الكاتب مع توأميه: المرض وسجن المستشفيات في حياته وإبداعه؟

 

استطاع الراوي في هذا العمل التغلب على عنف المرض، من خلال التعامل العقلاني معه، فيقول: "المرض المزمن يخاف من الابتسامة، وحب الناس وحب الحياة... يخاف من الذين يتعاملون معه بعلمية، ويكافحونه بعدم التصديق للشائعات، والدعايات الرائجة".

 

إن الكاتب يحيل المرض إلى مصدر للمعرفة، ومختبر لفضح مركبات الجهل والخرافة والدجل، ويخلق من مقاومته معادلاً للسعي في استرداد الكرامة والحرية، حيث يقول: " ليست كل العذابات المرضية أكبر من انتزاع كرامة الإنسان، وليست الأوجاع الليلة بأقسى من مصادرة حرية المرء". ويذهب إلى أن يرى في المرض تحدياً إيجابياً لشحذ القوى الكامنة في الإنسان لمعاندة كل أشكال البطش والهوان، فيقول: استذكر"زاهر" شيئا جوهرياً... يمد إليه يده كلما وقع في أمر صحي جديد. إن الإنسان لا يقهره شئ، وأنه يكون قد تهيأ لمرحلة تبرز فيها قواه التي لم يكن يدرك فجأة تحمّلها، ثم إنه يراها في قبضة تحكّمه وإرادته، وأنها سهلة أمام تغلبه عليها، حتى ولو كانت أصعب من الخيال".

 

والكاتب في عمله مثلما في حياته، امتلك القدرة على النظر إلى مرضه كمساحة للتأمل، ليخلص إلى القول بأن: المرض في حياة الإنسان ليس سوى فرصة لتهذيب العناء، واكتساب الخبرة من وطأة عناء التجارب"، بل إن عبد العزيز قد أحال المرض إلى سياج يحمي الذات من "مخالطة من لا طاقة له على احتماله من الناس"، لكي يحقق لذاته نزوعها الدائم نحو التأمل والانفراد بالنفس، ويهبها الزمن الكافي للقراءة والكتابة و الإبداع بالقلم و ريشة الرسم، وريشة العزف على آلة العود!

 

لم يشتك عبد العزيز من المرض، ولم يضعف أمام جبروته، بل كان يفلسفه ويطبق في واقعه فلسفة القدرة على احتماله، مؤكداً دائماً على أن المرض حالة يومية اعتيادية، كالنوم، والأكل والاستمتاع. ولقد كان أقسى ما يزعجه، ما يراه من نظرات شفقة باردة من بعض المحيطين به، ولذا كان المرض عنده مصهراً لتطهير الروح، وملاذاً للانفراد بالنفس وحب الحياة بكل تفاصيلها، حيث يوجه خطابه لكل مريض: "لا تخف من الموت... ليس لأنك لن تموت، بل لأنك لا تزال تدرك معنى الحياة".

 

أكثر من غيره، قاسى مؤلف "المغزول "نوازل المرض المزمن، حتى بلغ في رحلته العلاجية في أمريكا حافة الموت او خيّل إليه أنه قد تجاوزها، ووصل حالة العدم ولم يجد شيئاً، ولكنه كان يمتلك رغبة كامنة في الحياة ويوما موعودا لم يحن بعد، فعاد من موته إلينا من احد مستشفيات الولايات المتحدة، ليدوّن لنا واحدة من أهم الشهادات الإنسانية التي يمر بها مريض دخل غيبوبته، وشارف على الموت، ثم تجاوزها ثانية إلى الحياة.

 

وحينما نقف أمام هذه الإرادة الفولاذية والرؤية المتماسكة للتعايش مع عدو ما من ملازمته بد، فكيف نفسر ضعفه وعدم قدرته على احتمال "التنويم " في أي مستشفى، ولو لليلة واحدة؟

 

لقد حفل هذا العمل، مثلما حفلت حياة كاتبه، بشعور عدائي مضخّم إزاء "التنويم "في المستشفيات، جعله لا ينظر إليه كضرورة يجب التعاطي معها بعقلانية، بل إلى " فوبيا" نفور وكره للمستشفيات،لا يقل عن رعب الإنسان من احتمال دخوله للسجن، حتى أن هذا الخوف من المستشفى قد حمل كاتبه لتصويره سجناً حقيقياً، فنجده يصف الحياة في داخل عنابر المشافي ومعاناة النزيل، وثقل الزمن، وقسوة الممرضين والممرضات، وبعض الأطباء، بما يوازي ما يعانيه المسجون في زنزانته.

 

إن كاتبنا يكره القيد ويعشق الحرية، و يفزع من احتجازه رهيناً للعلاج في عنابر المشافي، وربما يعود ذلك إلى حبه للوحدة وعشقه لمكانه الخاص وغرفته الخاصة التي تشكل له عالما بديلا لكل ما عداه، حيث يجد فيها ملاذا من قسوة الآخر، وباباً يفتحه على ثقافة العالم، وموقعا أليفا للقراءة والإبداع، ولعلنا القريبين منه نعرف عنه حبه للعزلة، وزهده في الرحلات، واعتذاره عن حضور الكثير من المناسبات الخاصة، تعلقاً بعالمه الإبداعي الخالص ووفاءً له.

 

وهذا الإحساس العارم بالرغبة في امتلاك الحرية من خلال العزلة ولعلها سمة العديد من المهمومين بالكتابة بشكل عام -، قاد الكاتب للهرب المستمر من المستشفيات، حتى أنه كان يهرب مع مرافقه من مستشفى الرياض إلى بيته في الدمام ليلاً، ويعودان إليه قبيل الفجر، بعد أن يقطعا مسافة ثمانمائة كيلومتر ذهاباً وإياباً، من أجل التمتع بسويعات خاصة في جنة غرفته الصغيرة. وذلك ما جعل من كتابه هذا مديحاً في مقاومة المرض، وهجاء لا حدود له للمستشفيات، و هو ما يفتح النص لقراءته كمحتوى أدبي، لا يختص بالمرض وحده بل وبالسجون أيضاً.

 

وإذا كان التشوف للحرية سبباً كافيا لتبرير هجاء المستشفيات، فإن هناك سبباً آخرلا يقل أهمية في التعرف على دوافع ذلك الكره، ومرده إلى ما ينطوي الكاتب عليه من حس إنساني بالغ الرهافة والشفافية، يدفعه لتجاوز حالته المرضية إلى التعاطف مع حالات المرضى الآخرين، والإنصات بحب وألم لأنينهم الذي يتسلل إلى أعماق الروح.وكان ذلك مدعاة لمضاعفة ألمه حين لا يستطيع شحنهم بثقافة المواجهة التي تدرب عليها، ولا يتمكن من مساعدتهم في غياب عناية الممرضين والأطباء، ونقص الرعاية والعلاج. ومن هنا تجئ دلالة استدعاء الكاتب لشخصية "السليك ابن السلكة"، أحد زعماء فقراء الصعاليك، الذين كانوا يتحسسون الفوارق الطبقية وغياب العدالة الاجتماعية، فيذهبون إلى تطبيقها بأنفسهم، لينهبوا الفائض من أموال الموسرين ليردوه إلى فقراء البلاد، حتى وإن لم يجدوا إلا "جملاً أجرباً" تركه صاحبه بعيداً عن خيمته.

 

ولم يكتف الكاتب باصطحاب تجربة "سليك" وحدها كتعبير عن ذلك المعنى التاريخي المبكر للمفهوم الإيجابي للصعلكة، والكامن في ضرورة قيام الفرد بمسئولياته لتحقيق قيم العدالة، وإنما حمل معه هموم الفقراء والمحتاجين في الوطن، وعذابات المشردين في المنافي أو تحت وطأة الاحتلال، وعبّر عنهم في مرافعاته الساخرة ضد قوى التعسف والاحتلال، حتى بلغت نبرته علو ذروتها في نهاية الرواية، حين لم يترك شيئا دون نقد أو احتجاج.

 

وبالرغم من تأكيده في مواقع من النص على لسان "الراوي": "لست شعارياً ولا مناهضاً عاطفياً وراء القيادات المعادية في عالم التنمية الثالث، ولست عدواً لأحد، ولا مباركاً لأحد، غير أن عظامك قد تكونت بفتافيت ذراتها على نبذ كل ما هو فتاك بالإنسانية في الدنيا"، إلا ان النبرة العالية في نهاية الرواية قد تحولت إلى انفلاتة عبارات وجمل احتجاجية صاخبة، أخلّت بالإيقاع المتدرج في نبرة الخطاب، و خرجت من لغة الحكمة والتعقل في توصيف أحوال "زاهر" ورؤاه، إلى هذيان محموم/"مغزول"، لم يعد يفد معه غير صوت مضاد عالِ يقول له بغضب: أصمت.. أصمت

 

لم تمد الحياة عبد العزيز ليكمل ما بعد الهذيان، لكي يعقلن الاندفاعية المكبوتة، أو لكي يوسع من آفاق تحليلها والتأمل في مقاربتها، أو مقارعتها، ولعل محاولتنا لتبريرها يجد منطقه حين نٍنظر إليها على أنها الصرخة الأخيرة التي يطلق فيها الموجوع أو المظلوم صوته، قبل أن يقاد إلى حبل المشنقة أو حد السيف، أو الاقتراب من حافة الموت.

 

 

 

 

(3)               :خاتمة

 

هذا كتاب في هجاء التألم من الألم، ومديح للقوى الخفية في الإنسان، واستنهاضها لتعينه على مواجهة قدره، فردياً كان أو جماعياً، ثقافياً كان أو سياسياً، ولعل أهم ما ينطوي عليه العمل، هو ما يوحي بالمشابهة بين المرض الفردي الصحي المزمن الذي يعانيه " المغزول"، وبين أمراض الفقر والجوع والقهر والتخلف التي ينؤ تحت أثقالها، عالمنا العربي الكبير.

 

ولعل قدرة "زاهر" وإرادته على تحويل الضعف إلى قوة، هي بنية المعادل الرمزي المتخفية في قاع النص، والتي تنبهنا إلى أهمية الاعتداد بالذات، والثقة في النفس، ومقاومة الأمراض العديدة التي تتغلغل في أبداننا، وأفكارنا، وأوطاننا.

إنه كتاب، وحكمة معاً...ً

 

كتاب في كتابة الألم، يحتاجه المرضى ليتعلموا كيفية مواجهة المرض والتغلّب عليه، وما أحرانا بتوفيره لنزلاء المستشفيات والسجون معاً، ليعيدوا اكتشاف تلك القوى الكامنة في كل إنسان، والقادرة على الاحتمال، والنظر بعين باسمة إلى حياة أكثر عدالة، وحرية، و عافية و بهاء.

 

وهو حكمة أيضاً، في بعده الرمزي المحرض على زرع ثقافة التفاؤل والأمل، ليس في الأجساد المتعبة و القلوب الكليلة وحسب، وإنما في الأوطان المنهكة، والشعوب المقهورة، لتكتشف مكامن قوى المقاومة فيها، و مقدرتها على حب الحياة، وصنعها أيضاً!

 

الظهران 1/12/2005

 

 

 

* من أسرة أصدقاء الإبداع، أصدقاء عبد العزيز مشري

 

 

للتعليق على هذا الموضوع