8 أبريل 2006 

 

 

 

 

 

 

في الصفّ الأول

علي الدميني

 

أ- في الليلة الأولى

 

ها أنا أتمرّن من أول "الصّفِّ"

كيف أعود أليفاً

وكيف أصير شفيفاً

و كيف أشكّل فاصلة تتكامل في "دفتر العائلة".

 

ها أنا أتعلم كيف أغطي الفراغات في لغتي،

والنتوءات في وحشتي

حين يدنو الضيوف من البيت، أو يتركون "الغريب" وحيداً على دفة الباب

مندهشاً من رنين الحنين الذي يتلألأ

فوق بلاط الممر

وفي ردهة الدار،

فوق المقاعدِ،

أو خلف ما يتركون من الجمر في المحبرة.

 

ها انا أتدرّب كيف أبادل "بنتي" على الباب قبلتها

كيف أطهو النهار على موقد الانتظار

لكيما تعود من المدرسة.

ها أنا مثقل باعتيادي على الصمت،

أخطو على أول السلّم الحجريِّ،

لكيما أدرّب نفسي على لغة البيت،

والهمس في حضرة الشاشة اللامعة.

 

هكذا مثلما الطفل، أحنو على غربتي،

أتلعثم في آخر الليل حين يشاغبني

جسدٌ دافئ في السرير

فأرنو إلى الباب:

هل حارسٌ يتلصّص

أم أن جاراً سيعبر من قرب زنزانتي،

ثم اضحك

: ما زلت أحمل وشم المكان

ورائحة القبر والمقبرة.!!

 

 

 

ب - في صباح اليوم التالي

 

هل أداري الجراح التي تتسرب من حافة الطاولة

أم أعري الزجاج الذي غاص في القلب حتى ارتوى من شحوب الكلام

أتمرّن في الصبح كي أتحمّل وجه النهار النديّ،

وعشب الحديقة حين يهشّ لأقدامي العارية.

 

ها هو الباب، هل يتذكّر كم قبلة وزعتها شفاهي

على الأصدقاء،

الصغار،

الصديقات،

والأقرباء؟

لم يزل غارقاً في سكونٍ قصيٍٍٍ كروحي،

ولكنني سأقبّله، علّه يستعيد حرارة وجدي القديم.

 

 

 

ج - في اليوم السابع

 

صرت أخشى على قدحٍٍٍٍ في يدي

أن يُلام على لمسة الأصبعين.

صرت أخشي على قلمٍ في يدي

أن يخط ّعلى لوحهِ

مدناً من أسى يتراسل

ما بين عينٍٍ وعينْ.

 

خفت مني على شجرٍ في الحديقة أزرق،

أن يتمزّق في غيّ إصلاحهِ،

ويجنّ فلا يتبقى لنا منه

غير الأنين.

 

لم يكن صنماً ما تغييته في الصبا

لم يكن هودجاً للحنين.

كان طفلاً بلا ورعٍ، مثلما كان

أرهفَ من لذعة الياسمين.

كان شيئاً من الشك في ما نرى،

كان أوضح من عتمات اليقين.

 

ذاته،

لم يكن أسفاً قانطاً

أو مزاولة للتأمل،

أو قبّرات تعيش التنسّك في وكرها،

 

هو أقرب مني إلى نفسه

هولا شيء إلا التساؤل عن بوصلة...

عن نهارٍ تضئ مصابيحه وحشة السير

عن شرفةٍ كالطفولة

كالغيمِ،

 

عن فرح الطير

حين يطلّ على ريشهِ لامعاً

في يباب السنين!!

 

للتعليق على هذا الموضوع

 

"علي كنعان" <aa_kanaan@hotmail.com>

Date: Sun, 16 Jul 2006 12:51:56 +0400

أخي الشاعر المتألق علي الدميني

لم تعد في الصف الأول .. ولكنك تخطيت المرحلة الجامعية بثقة واطمئنان وإشراق. المكان المريب الذي ما زلت تحمل الكثير من آثار وشمه الوحشي والموحش .. هو الذي لم يعرف المدرسة وما برح يحمل أوزار همجيته... فسحقا لذاك القبر والمقبرة وحراسهما. هذا البوح العذب الشفيف لحالة شعورية ما زالت كوابيسها مترسبة في الأعماق . لا بد أن تمسحها بأطياف الأحبة وبسماتهم من حولك ، بقبلة اليمامة الصغيرة على الباب .. وانتظارك لها أمام عيون الشاشة المريبة والمخيفة في كثير من الأحيان . لم أعش مرارة تجربتك أيها الشاعر الرائع لكني بعد هزيمة حزيران 1967 كنت أنظر بارتياب إلى خيال وجهي في المرآة وأتساءل بخوف وريبة: (من هذا؟) لذلك كنت أطيل لحيتي كي لا أرى ما تراه أنت في الشاشة اللامعة التي تفرض عليك ألا تبوح للأحبة من حولك بما يدور في نفسك .. وأنت تتعلم الأبجدية من جديد . المكان الوحشي والموحش ينسينا حتى لغة البشر لأنه مناخ غير إنساني ، لذا كان عليك أن تتعلم لغة البيت وعلاقات الألفة والعشرة الطيبة من جديد . والليلة الأولى كانت المحاولة العسيرة الحاسمة، لكنك تجاوزتها بضحكة منتصرة .. ولم تقل ما قاله عبد الوهاب البياتي في قصيدة(سارق النار): فلتلعب الصدفة العمياء لعبتها ... لكنك اكتفيت بالشطر الثاني من ذلك البيت. أقسى ما في المقطع الأول (الليلة الأولى) من قصيدتك المدهشة تلك اللحظات التي توجست فيها خيفة من تلصص حارس أو عبور جار .. وأنت في سكينة البيت بين دفء الأهل ومودتهم ورحمتهم . ولعل التعبير المعجز عن ذلك الدفء الإنساني العجيب ورد في القرآن الكريم: [ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة] فالسكينة والمودة والرحمة - هذه الحالات الثلاث لا يمكن أن نعيشها إلا في تلك اللحظات الاستثنائية ، وإن عكرتها كوابيس الذاكرة المثقلة وأشباحها. لن أطيل أكثر .. لكني كنت سعيدا حين وثبت من صباح اليوم التالي إلى اليوم السابع وانتهيت بفرح الط