2 فبراير 2006

 

 

 

أيام في القاهرة وليالٍ اخرى!

علي الدميني

(مقاطع من الكتاب)

 

تقديم

 

الليلة الأخيرة!

 

سأفتح قوساً صغيراً، لكتابة جملة بسيطة بين مزدوجين، كعنوان للكتاب، وبالرغم من قصر الجملة، إلا أن إمكانات محورها الاستبدالي عمودياً- ستجلب الكثير من احتمالات إبدال كلمة بأخرى، أو دال بآخر، ولذا توقفت طويلاً أمام مأزق بساطة هذه الجملة، وتعقيد إمكانات كتابتها في "كتاب" كهذا، ذلك أن "أيام في القاهرة"، لا تكفي لتأثيث موقعها منفردة هنا، سواء في حمولتها الدلالية، أو الجمالية، بل أنها تستدعي اصطحاب أعمال موازية أخرى، تسند موقفها وموقعها في بداية الجملة.

تأملت في "حصاد السنين"، وذهبت في محور الخيارات "النسقية" إلى أقصاه، فأعانني تقليب العناوين على نفسه، بإضافة "ليالٍ أخرى" إلى تلك الأيام، ليكتمل النهار بليله، ولكي تتجرأ جملة "عنوان الكتاب" على النطق الصامت، منتظرة لحظة الإفصاح التي ما زالت معلّقة، على أبواب تعاطف القارئ معها!

و من عمرٍ طويلٍ، ألِفت فيه الكتابة وغواية النشر في الملحقات الأدبية، استبقيت القليل، وأهملت الكثير، وكانت " أيام في القاهرة" تبتسم لي كلما تصفّحت "أرشيفي " فرأيت أن أبادلها ودّاً بود، وأن أطلق سراحها، لتأخذ موقعها في أول كلمات التسمية.

ولعل سرّ حميمية علاقتي بهذه الكتابة، يكمن في أنها ولدت كتعبيرٍ وجدانيٍ خالص، عن دهشة وطفولة الشاعر، الذي رأى الأصدقاء، والكتب، والندوات الثقافية، في معرض القاهرة الدولي للكتاب، بعد غياب قسري دام أكثر من ثلاثة عشر عاماً، كان خلالها ممنوعاً من السفر!

وقد حفلت تلك الرحلة بإمكانية معايشة أكثر قرباً من الأصدقاء, وخاصة محمد القشعمي، المثقف والكاتب السعودي الذي أصبح معروفاً، وهو الذي طغى لقبه على اسمه، حتى غدا مسمى "أبو يعرب" معادلاً لشخصية بالغة الخصوصية والتميز. وكنت لشدّة اهتمامه بالثقافة والأنشطة الثقافية، و لحدبه الأبوي على المثقفين قد أسميته " أبو الأمة".

كانت شقة " أبو يعرب" في مصر الجديدة، منتدى يلتقي فيها الكتاب والمبدعون، والناشرون من أنحاء الوطن العربي، فأطلقت عليها لقب "شقة الحرية"، تيمّناً برواية الدكتور غازي القصيبي"، وفي هذا المنتدى، تعرفت بشكل أكثر اقتراباً من أحد رموز الثقافة الوطنية في بلادنا، الأستاذ عبد الكريم الجهيمان "أبو سهيل"، ودهشت واستمتعت بدفء ذاكرته الخصبة، وما تزخر به من نوادر الحكايات وطرائفها الواقعية، والتراثية. وقد لاحظت أنه غالباً ما يطلق لقب "متيح... مدوّر الطلايب" على كل من يخالفه الرأي، وحين سألته عن حكاية "متيح" لخصها لنا، في أن رجلاً فقير الحال واسع الحيلة يدعى "متيح"، كان يعيش في إحدى القرى القديمة في "نجد"، فكان يستخدم شطارته للحصول على ما يسد رمقه، وقد وجد بعد عناء طويل، أن أيسر السبل لكسب لقمة العيش يقع أمام باب المحكمة، فيجلس منذ الصباح، عارضاً خدماته كشاهد في أي قضية، حتى بلغ به الأمر أن صار شاهداً مع المدعي والمدعى عليه في قضية واحدة، ولما تنبّه القاضي لأمره، منعه من الجلوس أمام باب المحكمة، و اسماه "متيح مدوّر الطلايب".

استعرنا "التسمية" منه، فكنت وأبو يعرب" نتبادل إطلاق دلالاتها على بعضنا، كلما حان ظرف مؤات.

* * *

 

نشرت "أيام في القاهرة" مسلسلة في جريدة الجزيرة، ورأيت أن أكمل جملتها بكتابات موازية أخرى، تتقاطع مع طبيعتها كقراءة محبة لبعض النتاج الأدبي، ولتجيب من ناحية أخرى، على سؤال استنكاري، طرحه عليّ العديد من الصحفيين، حول قلة نتاجي الشعري خلال ثلاثين عاماً، وحين فزعت للاستنجاد بإجابة مقنعة أو مواربة، لم أجد أكثر من عتاب الشعر لي جراء ما مارسته معه من إقصاء، لصالح منافسيه و غرمائه اللدودين،القابعين في كتاباتي الصحفية وانطباعاتي النقدية.

وحين توقف بي محور الاختيار عند كتابتي عن رواية" العصفورية" للدكتور غازي القصيبي، حاولت إدماجها في سياق سردية "أيام في القاهرة"، بعد إجراء بعض التعديلات عليها، ولكنني عجزت عن ذلك، لأن الأمر يحتاج إلى حالة متوهجة ومكثفة وجذلة بمباهج السفر، كتلك التي كتبت فيها أيام القاهرة، وأنّى لي أن أستعيد تلك الحالة المتفردة، وقد رجعت من جديد إلى المربع القديم، وهو عدم القدرة على السفر!!

وكما يستدعي حضور الكلمة توظيفها مع سواها - لتعزز تفردها وائتلافها في آن- في بنية دلالية ممكنة، فقد وجدت في رواية" وردة" للروائي صنع الله إبراهيم، أقرب الكلمات لبناء هيكل "الليالي الأخرى، إلى جوار العصفورية.

ويعود الأمر إلى مشاكلة واضحة بين النصين في، منحى استخدام كل منهما للمعلومة، والوثيقة ( المعرفة)، لبناء درامية "النص".

وفي واقع الأمر، فإن "وردة" كانت أقرب للدخول طواعية، إلى متن نص أيام القاهرة، سيما وقد تحدثت فيها عن "وردة" النملة - التي تعايش معها -"في السجن" - بطل روايتي " الغيمة الرصاصية"، كما احتل اسم الشابة المصرية"وردة " موقعه في النص بشكل جلي، إلا أنني عدلت عن ذلك، لأن رواية "وردة" صدرت بعد كتابة المتن، بأكثر من خمس سنوات، فرأيت أن أحافظ على مصداقية زمن تلك "الأيام"، فوضعتها إلى جوار " العصفورية".

 

ولسبب آخر مختلف، اخترت كتابتي عن رواية " حالة شغف" للروائي السوري- الذي نجهله مع الأسف- "نهاد سيريس"، لتقف مع الروايتين في الليالي الأخرى، وتغيّيت من ذلك أمرين: أولهما: أن تلك الرواية، قد حفلت بصياغة معمار فني يتشاكل في أحد مساراته مع "ألف ليلة وليلة"، وهو ما يتشابه مع عمل القصيبي، أيضا، في العصفورية، ولكن "سيريس" وظّف تلك التقنية، بشكل معاكس تماماً لاستخدام القصيبي، أما الأمر الثاني، فهو أنني أردت تسجيل تنويه مستحق بهذا العمل، وأردت أيضاً،تدوين موقفي بشكل واضح، إزاء "ظاهرة "مصادرة الإبداع، المتفشية في عالمنا العربي، و الإعلان عن رفضي لتلك الممارسات الرقابية المبنية على جهل بوظيفة الفن، وقراءته في آن معاً.

* * *

 

ويتبقى أمامي تقديم المزيد من قرابين المرافعات التطهيرية، لذنوب تقصير الذات المبدعة، جراء انشغالاتي المتعددة، ولذلك وجدت في

كنانتي ما يغري للدفع عنها، بإضافة "شهادتين شعريتين"، إلى المتن الأساس، كنت قد قرأت أولاهما "لست وصياً على أحد"، في "منتدى شومان" في عمان - الذي يشرف عليه الروائي والشاعر "إبراهيم نصر الله"- فيما تم تقديم الشهادة الثانية "تجربة الحداثة الشعرية في المملكة" شهادة شخصية"، في منتدى "رابطة الأدباء والكتاب في البحرين". ولعلي، بنشر هاتين الشهادتين، أعيد الاعتبار لهما أيضا، حيث كان الجمهور غائباً، في كلتا الليلتين!!

 

وإذ أغلق "قوس الكتابة" هنا، فإنني سأتساءل مع القارئ المنصف، عما يسوّغ لكل هذه الكتابات تجاورها معاً، بين دفتي كتاب واحد رغم التباينات، فلا أجد اقرب من إجابة ساخرة، سمعتها من كاتب عانى نفس السؤال، فوجد الإجابة في: " إنها تجتمع تحت أسم كاتبها"!!

 

الظهران

13-12-2005م

 

 

 

مقاطع من الكتاب

 

(1)

 

قريباً من شرق القاهرة، أعلن قائد الطائرة عن اتجاه الرحلة إلى الإسكندرية أولا، فخرجت من البحر فاتنة التاريخ وحديقة الثقافات المتعددة، بفناراتها العالية ومكتبتها الشهيرة و شعرائها وكتابها و روائييها و كان ((فافي)) ينشر شِعْرَه على ضباب أول الليل و إلى جواره إدوارد الخراط وهو يطل برواياته الاسكندرانية من الأفق، مزيناً صلعته اللامعة بشعره الأبيض الطويل، لكننا لم نر وردة الزمان و بقينا نحدق في حجب الليل المديدة إلى أن هبطنا في أضواء المدينة و على هامشها القصي. لم يكن أحدنا نحن الحاملين حقائبنا باتجاه القاهرة يعلم أن الرحلة ستشعل الذاكرة بدفء المتوسط، ولكن البغته أخرجت بعضنا عن صمته و أعرب عن احتجاجه على ما حدث فيما تذكرت رحلة صديقنا الشاعر عبد الله الزيد من الرياض إلى الطائف، حيث حطت به الطائرة في حائل ولم يبلغ مدى قوس سفره إلا عصر اليوم التالي وقد فاته قطار الأمسية الشعرية فأقسم أن يبكر في أي سفرة يوماً على الأقل ليصلح أخطاء طيران الخطوط السعودية، وقلت كلنا في الهم شرق أيها القائد العتيد.

 

لم يطل المقام في مواجهة ترانزيت المطار ولم يركب معنا أحد ففاضت السخرية، واقترب الركاب من بعضهم يقطعون الزمن بالنكتة و بآمال ليالي القاهرة القادمة. كانت "ملابسي" تنتظر سفرها منذ عامين، حين أعددتها للرحلة السابقة، فملأت حقيبة كبيرة و جهزت الصغيرة "بأدوات" المعسل، لكن معركة سائقي الأجرة على اختطافي، أوقعتها أرضاً فانكسرت الجرة وزجاجات المعسل ورددت أكثر من مرة: اللهم اجعلها رحلة خير وبركة.

 

حملني سائق التاكسي و أنا في هزيع الليل الأخير، وقد جللني أسى التأخير، ينتظرني بعض الأصدقاء، فأخرجت الجوال كبدوي تحضر أخيراً، لأبلغهم بوصولي، ولكن الجهاز البارد بقي يبحث طوال الرحلة عن بوصلة، وكنت أدفع ثمنها من أيام القاهرة وجماليات معرض الكتاب البهيج، و أتوجها بمتاعب التنقل من فندق إلى آخر ومن شقة إلى أخرى، حتى قابلت "وردة" في اليوم الثالث.

دخلت فندق "البارون"، وكانت قلعته التي صممها وسكنها وخطط بناء" مصر الجديدة" المهندس العالمي "بارون"، لما تزل على حالها تشعلها الأضواء من الخارج فتتداخل ستائر الظلام مع أبهة البناء المتداعي ورغم اتخاذ عبدة الشيطان هذا القصر مقراً لهم قبل عدة أشهر، إلا أن كل ذلك قد أضفى على الموقع بعداً اسطورياً توج هاماته البعيدة وطرح أمامي أسئلة عديدة عن المبنى و المعنى والاختيار شغلني حتى جلست في غرفتي، فتذكرت صديقنا الجميل عبد العزيز مشري الذي عشق فندق الفراعنة و عاملة البدالة، و أحاله من "نزل" متواضع يقبع في أحد شوارع قلب القاهرة الفرعية، إلى رمز لا يذكر إلا ويحضر عبد العزيز معه وبعض من تفاصيل قصصه ورواياته خاصة رواية ((في عشق حتى))،حين أصبح الفندق و غرفه و مطعمه، مناخاً أبدع فيه الروائي مطاردة "حتى" وتتبعها من منزل إلى آخر وبلغ به السفر أطراف الأقاليم البعيدة، باحثاً عنها... متأملاً عاشقاً ونزقاً كالعصافير، ولكنني أقفلت باب الذكريات لأعود لها لاحقاً وقلبي حفلة تتأهب لاحتضان القاهرة بكل ما فيها من تناقضات الحرية و الكبت، و الثقافي و العفوي، و ابتسامات النيل الساحرة إزاء بؤس الحارات الخلفية.

المدن الكبرى هي التي تسحقك بضجيجها في النهار و تؤنسك باستمرار حياتها في الليل فتغفر لها قسوتها حين تخرج بعد منتصف الليل، فتلقى الشوارع مكتظة بالبشر و السيارات و المحلات المفتوحة حتى الصباح. بحثت عن "تاكسي" و أسرعت إلى شقة "أبو يعرب" فوجدت الأصدقاء ينتظرونني.

كم هو ممتع ذلك المساء الذي تستمع فيه إلى أحاديث الذاكرة الشابة و العنيفة للأستاذ عبد الكريم الجهيمان و تصغي فيه إلى ذكريات فهد العريفي المضيئة و تقفز فيه طرباً مع ضحكات محمد العلي و الآخرين حوله.

هؤلاء الأصدقاء أعرفهم جيداً هنا، ولكن لماذا يكونون بهذا الجمال و العذوبة و الظرف وروح الدعابة تحت سماء القاهرة ؟

 

 

 

(4)

 

على أطراف الصباح كنت أغادر شقة "أبو يعرب" و الأصدقاء و أقطع الشارع الفرعي إلى الرئيسي باحثاً عن "تاكسي". لملمت جسدي "بالبالطو" في أواخر ليل قارس قالت "ورده" إنهم يسمونه "أمشير"، وحين بلغت الشقة متعباً ألقيت بنفسي على السرير ولم أصح إلا ضحى الغد. كان بؤس صامت ينهل من الجدران وشراشف الغرفة الكسلى تشير إلى بقع قديمة مقزّزة، فقررت البحث عن شقة أخرى هذا اليوم.

 

ذهبت مبكراً إلى المعرض فوجدت مظاهرة صغيرة تجوب شوارع المعرض تندد بأمريكا و بالحرب و دخلت المقهى بحثاً عن كوب شاي ساخن أو " أرجيله" لأتأمل هذا المشهد الذي لم أعتد رؤيته إلا في التلفزيون.

على الطاولة المجاورة كان عدد من الجيران يعلقون على المظاهرة، وقال أحدهم إن الأمير سلطان أعلن البارحة رفض السعودية استخدام قواعدها لضرب العراق. داخلني شعور بالبهجة و الخروج من أزمة "التنميط"، وعلق آخر على الخبر متسائلاً حول قدرة السعودية على تنفيذ ذلك الرفض، فأجابه زميله أن القدرة ليست مهمة ولكن الإعلان عن الرفض هو المهم.

شفّ النهار في منتصفه عن هدوء مشبع بالراحة النفسية، وكانت عيناي تفتحان الأفق على فراشة الشعر و التشكيل الخليجية وهي تدلف إلى المقهى. عرفتها وكنا التقينا قبل عامين لمدة دقيقتين فقط، ولكن من ذا الذي يجروء على نسيان شفافية العصافير و ابتسامة الماء. و اقتربت وهي تسلم على أصدقائها من طاولة إلى أخرى حتى حسبتها قد نسيت ملامحي، لكنها تجئ إلى مكاني مرحبة بدفء الخليج ورقة أهله وكأن ليس بالمقهى إلاي.

قالت: عدت البارحة من مهرجان الشعر و سأشارك في الأمسية الشعرية هذه الليلة فهل ستحضر؟ قلت وكيف لي أن أحرم نفسي من أمسية شعرية أنت أحد فرسانها يا ميسون.

عدت إلى الشقة و "لملمت" كتبي و أشيائي، و أمامي كانت أم أحمد تودعني بأسى أمومي رقيق، وقالت إن "ورده" ح تزعل منّك.

 

 

قلت لها: أعطيها هذه الرواية لترى موقعها فيها حين آنست "وردة" عزلة سهل الجبلي في السجن، وحتما ستفرح بها، و أرجوا ألا تخبريها عن مكاني الجديد.

 

ذهبت لمكتب "التأجير" بحثاً عن شقة جديدة وحين قادني السائق إليها كانت فعلاً "خمس نجوم"، لكنني افتقدت أم أحمد و "وردة"، حيث وجدت شقة جميلة تجلس فيها "أم سيد" الشغالة، وكأنها تجلس على عرش الإمبراطورية كلها، فأطلقت عليها لقب " البيهه الشغالة" على وزن "البيه البواب".هجم المساء البارد محملاً بغبار رياح "أمشير" فدخل العظم مبكراً و استعنت بما تبقى من ملابس شتوية في حقيبتي عليه، و مضيت إلى أرض المعارض لحضور الأمسية الشعرية في حوالي الساعة التاسعة مساء.في مدخل القاعة تعرفت على الشاعر عباس بيضون، واحتضنني بشوق ماجد يوسف الشاعر و الناقد المصري الذي عاش في حياتنا الثقافية زمنا خصباً، و أقبل علي الشاعر محمد أبو دومه مُرحباً و سائلاً عن شاعرنا محمد الحربي المدعو للمشاركة فأجبته: ربما انشغل بظروف صحية أو عائلية طارئة وهذا تلفونه إن أردت الاتصال به.

 

بدأت الأمسية وقرأت فاطمة قنديل شعراً مدهشاً لم يكن الحضور مهيئاً للاستغراق في شعريته، وحين أتى دور الشاعر علاء عبد الهادي، تقدم للإلقاء و أهدى قصيدته لبغداد التي تتوقع سيل القنابل كل لحظة. ضج الجمهور الصامت بالتصفيق ليذكرنا أن المنبر هو للمباشر و التقريري، ولكن علاء قرأ قصيدة جميلة لا علاقة لها ببغداد، فكرس مفارقه كسر التوقع و أسهم في تكثيف صمت الجمهور وخيبته.

 

كان الحاضرون يتبادلون همس الأحاديث، وكان بعضهم يستمرئ عادة "القفشات" حتى كأن الجو يفيض بطنين النمل أو الذباب، وحين قدم أبو ((دومه)) ضيفة الأمسية مرحباً بالشاعرة العربية الخليجية ((ميسون صقر)) هدأ الطنين و بدأت بقراءة بعض قصائدها.

هل فاجأها الصمت أم أن مقدمة علاء عبد الهادي أربكت الحسابات؟ هل كانت تود تعويضنا عن إطالة بعض الشعراء بافتعال سرعة القراءة لخلخلة الروتين أم أن تلك طبيعة إلقائها ؟

 

 

كانت رقتها نصاً لاذعاً ونافراً كجموح مهرة برية، لكنها وهي تلقي قصائدها كانت تغالب إرتباكاً ما، وحين كنا نغادر القاعة و بصحبتنا بعض الشعراء إلى خارج المعرض تساءل أحدهم عن دلالات قصيدة "علاء"، وقالت ميسون لا أدري ماذا كان يقول وعلق آخر يمشي بجواري: إنه قاموس الستينات... حينها فسرت ارتباك لحظة الإلقاء و إحساس الشاعرة بشئ ما يضعها في خانة " النمط" لأنها من الخليج وهو ما دعاها لأن تقول في مقدمتها: أنني شاعرة مصرية و إماراتية، وقال جاري، لقد أخطأ علاء في حق نصه الجميل بتلك المقدمة المقحمة على النص.

تطلعتُ إلى ميسون وتساءلت صامتاً: كيف ينشد الشاعر قصيدته المثخنة بحرائق الوجد و الكلمات أمام الجمهور بينما تضعه الظروف و المفارقات القاسية في موقع المدافع عن كينونته، فترتبك لحظة الشعر و يختلط الشعري بما هو ضده؟

 

 

 

(6)

 

اهتديت في أخريات الليل إلى موقع "الأوقريون" حيث يلتقي المثقفون في أماس حميمة تشعل نار المودة باللقاء وتفسد أجزاء منها بالصخب و احتراق الثقافة في مهب الجدل، وكان وجه الفتى غريباً لم يألف المكان أو أنه لم يؤلف، فغادرت بعد منتصف الليل إلى شقتي الجديدة.

علق الوقت بين رغبة الاختلاء بالذات وبين الذهاب للأصدقاء في شقة "أبو يعرب"، وحين سلمت على حارس العمارة عم "عبدو" قال لي:" فيه وحده ست جات تسأل عليك ولكن الشغالة أم "سيد" طردتها"، سألته: ولماذا ؟

أجاب: ما أعرفش ؟

سألته: هل تعرف أسمها فقال: أم سيد عارفاها.

كان الصمت يسيل على بلاط الشقة و البرد يتسلل بهدوء من أطرافها، فأعددت الشيشة و احتفيت بزمن أتأمل فيه الأشياء و الوجوه و الأسماء، ورنين الحنين الذي يتسلل من قرارة القلب ورعشة الذاكرة.

طلبت مكالمة خارجية من " المكتب" وانتظرت صوت "زوجتي" على الطرف الآخر من الماء، غير أن أول رنين لجرس الهاتف، حمل معه صوت "وردة" وهو يتفتق في الطرف البعيد من الليل:" هو أنا عملت لك حاجة وحشه لا سمح الله "!!

-        أبداً يا "وردة"، ولكنني كنت مضطراً لمغادرة ذلك المكان الذي لم استرح إلى فراشه وستائرة.

إنهمر الحديث و المطر المفعم برائحة الربيع وبرغبتها الطاغية في زيارتي، و أوضحت لها أنني أقدر اهتمامها بي ولكنني الآن منشغل بانتظار مكالمة من حبيبتي.

قالت: أنا عاوزه أعرف منك حاجات كثيرة عن "وردة" إلي جبت سيرتها في كتابك.

ضحكت بود ووعدتها بأن أشرح لها الأمر حين نلتقي فيما بعد.

وضعت السماعة و انتظرت صوت الماء يهل من الظهران فأتى ديمة تبلل التعب و تلذعه بحرقة البعد وقالت: كان خطك مشغولاً حين طلبتني عبر "المكتب"، فمن هي تلك التي تحتل وقتك في هذه الساعه.

قلت لها: إنها "وردة ".

ضحكت بسخرية: "وردة " صاحبتك ما غيرها.

قلت:هي ليست هي ولكنها تقوم بدورها في حدّة الغربة التي تنتابني أحياناً "هنا"

تلفع الهاتف بالصمت ثم قالت: "وردة" النص ووردة المكان الذي عبرت فيه عن معاناتك في السجن لعبة فنية مقبولة لدي ولكن "وردة" الواقع و الزمان في مصر تثير ارتيابي.

سألتها عن الأبناء و المدرسة وعما حدث في عالمهم بعد سفري، وأكملت الكلام بقولي: لقد وعدتك وسأكون دائماً وفياً لوعدي.

سال صوتها الندي في وحشتي البعيدة وتحدثنا وكأننا نتعرف على بعضنا لأول مرة كما كنا في تلك الأيام الدافئة البعيدة ما بين الجريدة بالدمام و منزلي بالظهران، وقالت وهي تودعني: إنني أثق بك دائماً.

غاردت النوم مبكراً واصطحبت معي رواية " فوضى الحواس" للروائية أحلام مستغانمي فطرد النص طقس النوم من المكان و سيطر عليّ ما قرأته من الصفحات الأولى للرواية. صنعت الكاتبة بطلي القصة وأعدت لهما موعداً في السينما فصدّقتْ المخيال، وذهبَتْ هي للموعد في نفس المكان و الزمان، لتلتقي حقيقة بفارس القصة وتبدأ معه، أو هكذا تخيلت "حكاية الرواية الجديدة". تذكرت كلمات الأغنية التي استمع إليها بطل "ذاكرة الجسد" وهو يعبر شوارع قسطنطينه و التي تقول: "وعلاش يالتفاحه الناس والعه بيك" فوجدت فيها مفتاح النصين بعلائقهما المتشابكة، من واقع الجزائر وسيرورته النضالية المشرقة، و الدموية الفاجعة، وما تخفيه في الأعماق من أسرار الحب و الرغبات و القتل و التهميش، أية قدرة هذه التي تحيل الواقع إلى أسطورة، واللغة إلى جسد فاتن، وما خلف الكلام إلى جنون وشعر وتأمل حارق. أية موهبة هذه يا "أحلام "، و أي باب مصنوع من ذهب الكلام وروحه السادرة في غيها، و صرخت كما يصرخ عبد العزيز مشري منتشيا: قاتلك الله.. قاتلك الله أيتها المجنونة العجيبة.

لم تبلغ طعنة المتعة منتهاها حتى رن جرس الهاتف فأسكت بهجتي و أجبت.

نعم. جاءت تتقافز كالعصافير ضحكته السريعة الحاسمة أمامي: غداً سيكون معنا الشاعر هاشم جحدلي على الغداء وسيجري حواراً مع "أبو سهيل" و أنت مدعو للغداء.

وافقته على الدعوة، وقلت لك الله...لكم يتسع قلبك يا أبا يعرب، و أدخلت نفسي في عباءة السكوت حتى أنطفأتْ.

 

* * *

قبيل الحادية عشرة كنت أغادر الشقة إلى أرض المعارض فرحاً بغياب البيهه الشغالة "أم سيد" وعلى الباب أبلغني عم "عبده" البواب أنها مريضة فقلت: شفاها الله.

في معرض الكتاب جلست في المقهى أمام مدخله الرئيسي وحين كنت أتأمل الوجوه الغريبة و أطياف الملامح الصديقة من خلال دخان الشيشة وارتشاف فنجان الشاي، فوجئت بوجه "وردة" يقفز من آخر المقهى ويقتحم وحدتي النهارية.

جئتها بهدوء وقلت: يا وردة " فكيني من شرك ".... جئت لشراء الكتب و التعرف على الأصدقاء ولست مهيئاً لأية علاقة عاطفية أو سواها.

قالت: مش عاوزه أي حاجه منك، بس عاوزه أتكلم معاك عن أم سيد و عن وردة " صاحبتك" قلت لها اتصلي بي ليلاً سنتحدث في كل شئ. غادرتني بأسى يتكسر في عينيها وكان السائق الذي تعرفت عليه أول مرة في المطار ينتظرها على الرصيف الآخر وهو يبتسم.

داخلتني مشاعر الشك و التعاطف و أخذتني مكتبات المعرض إلى أتونها باحثاً عن نسخة ثانية من فوضى الحواس، وعن رواية "بيضة النعام" لرؤوف سعد، تنفيذاً لوصية عبد العزيز مشري، لكن نسخهما نفذت في اليوم الأول، وقبيل الثالثة عصراً كنت أقرع جرس باب شقة "أبو يعرب".

فتح المكان بهجته للأصدقاء وهطلت أمطار الذاكرة الخرافية من قلب "أبو سهيل"... حكايات ومفارقات وشعر وأحداث تسجل جمرها على وجه النهار، وكان هاشم يدون ذلك ويشعله بحرارة الأسئلة. وحين انتهى الحوار رفعنا سقف الغرفة ووضعنا غيومنا وعصافيرنا في الفراغ المتلألي وجاء دور الشعر.

أدخلنا الأستاذ/ محمد العلي كعادته في شدو الحروف وأنشد صوته حزن العالم الشجي وطفولته حتى تساقط الدمع من عيني، ثم طلبت من هاشم أن ينشدنا فأشعل قنديل صوته و تدفق ذاكرته الشعرية بقصيدة " يسئلونك عن مريم... !

كان مساءً خالصاً للشعر و الطرب استمتعت فيه بهاشم حيث لم أقرأ له شيئاً منذ زمن بعيد حتى خشيت عليه قسوة اليباب وسطوة السكوت.

قال محمد العلي لهاشم: لقد تعرفت على قصائدك منذ زمن بعيد وأنت لم تزل طالباً في الثانوية وكان الفضل في ذلك يعود للأستاذ / صالح الصالح الذي يمتلك حساسية شعرية عالية وعينا لاقطة ذكية، نبهتني إلى صوتك المميز مبكراً.

علقت على صفو الحديث: لقد احتفى صالح بالكثير من الأصوات الأخرى من جيلي مثل عبد الكريم العودة وغيداء المنفى في الشعر و صالح الأشقر وسعد الدوسري في القصة، كما نبهني إلى صوت هاشم الجحدلي وعيد الخميسي أيضاً، وقال أبو عادل مختتماً مساءً اقترب على إسدال ستائره: أن صالح الصالح عين مبصرة دائمة وضمير حي لا يشيخ، يعبر عن حبه بابتهاج صاخب لا يخجل منه، وعن بغضه بعنف واضح لا يداريه.

 

 

(19)

لا يحب الناس أو يكرهون شيئاً ما أو شخصا ما أو مكاناً بنفس الدرجة، لكنني سأتجرأ على الحسم في مسألة حب الناس "لمصر"، وللإنسان المصري. إنه حب من نوع خاص ملتبس و شرس، وديع حميم وجارح كوجه النيل و جفاف الصحراء ولكنه لن يكون كرهاً حجرياً على أي حال.

المكان علامته الإنسان، وسر السعادة الصحبة أو الرفقة، و متعة الزمن المرأة ولكنك في أرقى المدن و أجمل الفنادق و أغزر الأمطار، حين تكون وحيداً، سوف تشعر بالوحشة وتتلمس وجهك الغريب في كل حديقة أو مقهى، ولن تستمتع باللحظة دون رفيق أو صديق أو رفيقة، ولكنك في مصر ورغم كافة المنغصات ستشعر دائماً بالألفة و الطمأنينة حتى لو استغلك هذا أو إحتال عليك ذاك أو تلك: أم سيد الشغاله " الجفصه "، و أم أحمد الرحيمة، و وردة المحبة، و يوسف صاحب التاكسي الطماع و البواب عم عبده،و بائع الفل، وبائع الجرائد، وعامل المقهى أو نادل المطعم، نماذج تختلط بهم كالهواء، وستحب من سلوكياتهم الكثير وستكره الكثير، و ستأسى لهذا و تنـزعج من سواه، لكنك لن تصل إلى درجة الكره أو الحقد الذي يترسب في قاع القلب بعد كل رحلة ذهبت إليها مبتهجاً وعدت مكدراً. أتساءل مع نفسي و أسأل غيري: ما سر تلك الألفة التي يمكن أن تقوم بينك وبين أي مصري في دقيقه واحده حتى لو "نصب" عليك أو اختلسك فيما بعد؟

أتساءل عن سر الشخصية / النفسية التي تقابلك وقد فُتحت أبواب منازلهم و كأنما قد امتلكت جوهر الثقة بالذات ويقين التعاطي مع الآخرين ومن موقع الندية، كاشفة لك عن أعماقها دون حذر أو خوف ودون خجل أو ريبة، فلا أجد الإجابة إلا في شذرات خطها جمال حمدان في سفره العظيم عن شخصية مصر و إنسانها حيث يعيد العلاقة الخلاقة بين الطرفين إلى خاصية التجانس البيئي التي تجعل العلاقة الفعالة بين الإنسان و وسطه المعاش في حالة "تلاؤم بيئي" منفتح ومحافظ و هاضم لكل جديد.ثم أجدها في عبارة صغيرة أوردها الراحل العظيم من نفس الكتاب "لمؤلف اسمه "نيوبري" في كتابه " مصر كحقل للبحث الانثربيولوجي، تضع إصبعي على شمس الكلام حيث يقول " مصر وثيقة من جلد الرق، الإنجيل فيها مكتوب فوق هيرودت، وفوق ذلك القرآن، وخلف الجميع لا تزال الكتابة القديمة مقروءةً جليلة".

هذه الكلمات تشير إلى إنسان التاريخ الأول بامتياز الذي خط اسمه على حائط الحياة منذ أكثر من خمسة آلاف عام، فأسس ونقش وحفر و أبدع مسكوكات الكلام التي مافتئت تترقى باستمرار لتحافظ على هذه الروح المتميزة بالثقة بالذات إزاء الآخر ولتبدع نمط هذه الروح المنفتحة على كل شئ كوجدان الأزمنة الحية.

و مثلما يفتح العربي أبواب خيمته للريح و المطر و الإخبار و الضيوف يفتح المصري أمامك أبواب قلبه لكي تتحدث إليه أو معه ناشراً أخباره وأسراره أمامك بقوتها و ضعفها، بصلفها و جمالياتها.

كان الوداع قارساً، ولكنها رغم ذلك عاتبتني على عدم إتاحة الفرصة لها للتعرف على "أبو يعرب" الذي كان اسمه يتردد بيني وبين صديقي (س.ج.ع) طيلة وجودها معنا، وقلت لها: هذه المرة عرفتك على صديقي (س.ج.ع)، ولكنني إن كتب الله لي حياة أخرى سأعرفك عليه في السفرة القادمة.

لم يزل لمعان الحروف و الأرقام بتناسل على شاشة رحلات السفر و أنا واقف انتظر دوري لقطع "كوبون تذكرة السفر" وحين بلغت الموظف قال لي بابتسامة: قفلت الرحلة لأن الزحام عليها شديد النهار ده.

تنقلت من صالة إلى ما يليها ومن مكتب إلى ما بعده، باحثاً عن مساعدة للحاق بالرحلة وكانت دعوات الكثيرين لي مشجعة للاستمرار في دفع "البخشيش" فلعل وعسى، وحين وصلت إلى باب مكتب المسئول كان مزدحماً فجربت نفس الطريقة مع الحاجب فأفسح لي المجال و "توسط" لي عنده.

كان المسئول لبقاً أنيقاً متفهماً وبذل أقصى جهده لإركابي فاتصل بالهاتف مع عدد كبير من الأشخاص الذين لا أعرف أهميتهم، وبعد عشر دقائق قال لي: " انبسط يا عم "... وجدنا لك مقعداً وستسافر على الرحلة التالية بعد ساعتين.

لم يعد التأخير البسيط مهماً إزاء اكتمال فرحة المغادرة، ولم يكن أمامي، وأنا أتذكر و أعاين دور البخشيش، إلا مكافأته فقدمت له ورقة "مئة ريال" مغلفة بشكري و امتناني.

جُنّ الرجل... ولبسته العفاريت، ورأى في صنيعي ذلك إهانة له، و قفزت من أعماقه "كرامة" الإنسان الذي يهب دونما منّة أو طمع، وصرت أمامه "نمطاً" خليجياً مترفاً يرى أن كل شيء يمكن اكتسابه بالمال !

صورة درامية معقدة وجدتني أدخلها دون قصد، وصاح المسئول بمساعديه: امسكوه... هذا الرجل يحاول شراء ضميري ورشوتي "وطلق بالثلاث من مراته الأخيرة" ألا يسمح لي بالسفر و مزق بطاقة الصعود إلى الطائرة أمامي.

كانت الصورة كاريكاتيريه أمام عيني، فكل من عبرت أمامهم كانوا مصدر إغواء و إلحاح لا يقاوم ولا يمكنك أمامه إلا دفع " البخشيش"، فيما يقف هذا الرجل في الموقع المناقض الذي احترمه ولكنني أراه موقفاً دعائياً قريباً من النفاق.

حملت حقائبي عائداً إلى ليل المدينة التي أعشقها و التي أخاف و التي قررت مغادرتها حسب ترتيباتي المسبقة. إلى أين سأذهب... هل سأعود لشقة " أبو يعرب" أم إلى فندق البارون أو إلى أم سيد ؟، وأقلني التاكسي منهكاً كالسفينة المكسورة، و طلبت منه إيصالي إلى شقة صديقي (س.ج.ع)، وحين بلغتها طرقت الباب فلم يجبني أحد... وحين هممت بالانصراف انفرج الباب قليلاً عن وجه "وردة"! فاجأني وجودها فسألتها: أين (س.ج.ع) فأمالت رأسها قليلاً ووضعت كفها على الخد المائل، وسألتها: أين الصعايده ؟

ضحكت و أخبرتني أنهم رحلوا!

قلت لها: " يالله يا وردة عالمأذون"

أجابتني بابتسامة ماكرة: ما أنا عملتها خلاص "مع صاحبك" !

 

 

Alialdumaini@yahoo.com

* صدر كتاب "أيام في القاهرة وليالٍ أخرى " عن دار الكنوز في بيروت للشاعر " علي الدميني ويوزع الآن في معرض القاهرة الدولي للكتاب.

 

للتعليق على هذا الموضوع