Middle East Transparent

29 نوفمبر 04

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

 

ولا زال العقل العربي... رهين الخيانة
علي أل غراش

شاع استخدام كلمة خائن وعدو بين الشعوب العربية، وفي الإعلام العربي على ألسنة بعض المثقفين والإعلاميين ورجال الدين وغيرهم ضد كل من له موقف أو فكرة او رؤية مختلفة معهم.

هل للخيانة وجود وامتداد في التاريخ العربي والإسلامي؟

من المؤلم أن يؤدي الاختلاف الفكري والعقائدي والمذهبي بين أبناء الأمة العربية - التي تعيش حاليا فترة سوداء مظلمة تضاف إلى سجلها التاريخي المليء بالصفحات المحزنة والكئيبة التي يكون أبطالها دوما أبناءها - إلى هذه الدرجة من التهجم والخلاف والتخوين والإقصاء، والتهديد والتخويف والعداء، والذي هو في الحقيقة امتداد لمخلفات السلف، وتراكمات أخطاء كثيرة سابقة للحكومات التي حكمت البلدان العربية طوال التاريخ، منها من حكمت باسم الإسلام والخلافة، ومنها من حققت انتصارات ضد أعداء الأمة والدين، "لا زلنا ولا زالت كتب التاريخ ومناهج المدارس ومنابر المساجد ترمز أبطالها" إلا أنها ظالمة وأيديها في الحقيقة ملطخة بالدماء، وقتل الأبرياء، ومصادرة الحريات، لأنها كانت تؤمن بسيطرة الحزب الواحد والدكتاتورية، ومنع الحريات بأنواعها، وإقصاء الطرف الآخر، إذ تركت آثار كبيرة من الخلاف والاختلاف في العقل العربي، والجراح العميقة الدامية في جسد الأمة العليلة، والجمر الملتهب تحت الرماد، وكلما سقطت حكومة او حدث ضعف وانهيار لهذه الحكومات المستبدة وحاولت الناس المرعوبة التحرر من قيود الظلم والإرهاب لتمارس حقها وفضح النظام كشر الحاكم عن أنيابه المتوحشة واظهر وجهه الحقيقي فيقضي على هذه الفئة التي تطالب بحقها بعدما ينشر الأخبار والأكاذيب بان تلك الفئة خائنة للدين والوطن، فيجد من يجامله ويصدقه خوفا من سوطه وسيفه....، وللأسف هذا المشهد لا زال يعرض ويطبق في عالمنا العربي لغاية اليوم.

ونرى في عالمنا العربي الحالي استمرارا لهذه الحالة من قبل الحكومات والشعوب في منظر مرعب ومخيف يعبر عن جهل مركب، وغياب للعقل والحكمة، و فساد أخلاقي وديني، وانحطاط حضاري وثقافي، وإقصاء للفكر والعقل وحق الإنسان بالتعبير عن رأيه، إذ بات التصنيف بالخيانة يقع على كل من يؤيد أو يعارض طرفا ما من قبل الفئة المخالفة في الرأي، وكأن العالم ليس به عقلاء سوى هولاء الذين يصنفون الناس بالخيانة والعداء.

فنجد الخيانة مصير كل من يؤيد ومن يعارض فكرة السلام مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، ومصير من خالف صدام وحارب ضد صدام أو تعاون مع القوات الغازية والمحتلة، وجعله في حكم الكافر والموالي للأعداء يجب محاربته وطرده من رحم الإنسانية والحياة، وذلك من نظر بعض العرب المخدوعين والمؤيدين للأنظمة، ومن أعداء أمريكا من جماعة القاعدة والسلفيين والمتشددين.

وفي نفس الوقت من وقف مع صدام ودافع بالكلمة والسلاح عن نظام صدام البعثي وعن البلد بدوافع حزبية أو قومية أو دينية أو بغضا وكرها لأمريكا لتصفية حسابات سابقة معها فهو خائن وعدو لا مكان للرحمة والمغفرة والتوبة.

 والخيانة والقتل نحرا بالسيف الحديدي الذي لا يفرق بين من يشهد أن لا اله إلا الله، وغيره لمن حمل السلاح مع الحكومة العراقية الحالية ضد الإرهابيين والمسلحين والخارجين عن القانون، ولمن شارك في البناء والأعمار وإيصال المياه ومعالجة المرضى ومساعدة الفقراء مهما كانت جنسيته وعرقه ودينيه.

ولم يسلم من الخيانة من وقف على الحياد ولم يحرك ساكنا في إسقاط نظام صدام، ولم يرحب بقوات الاحتلال، ولم يرفع السلاح في وجه المحتل..

وأخيرا  وليس أخرا من أيد أو وقف صامتا لما يحدث في الفلوجة من هجوم من قبل القوات الأمريكية والشرطة العراقية فهو خائن للعروبة والدين، ومن لم يؤيد ورفض الهجوم فهو خائن للقانون والدولة التي تحارب كل من يرفع السلاح، وكذلك في العملية الانتخابية فالخيانة لكل مؤيد ومشارك فيها وذلك في عقلية المعارضين لها، ومن لم يشارك فيها فهو خان للبلد والأمة والدين لدى المؤيدين.  

هذه البذرة "الخيانة" للأسف الشديد وجدت مناخا مناسبا في عقول بعض العرب الذين يصدقون كل شائعة بالخيانة بدون التأكد منها والوصول للحقيقة، ووجدت أرضا مناسبة في العراق تترعرع فيها مستفيدة من تبادل الخبرات في هذا المجال مع أفراد دول الجوار.

ففي الدول المجاورة من كان له رأي مؤيد للحكومة فهو في نظر البعض خائن للشعب، ومن كان معارضا للحكومة مطالبا بحقوق الشعب فهو خائن بالنسبة لها، ومن يطالب بالإصلاحات السياسية، والحكومة الدستورية والانتخابات الشاملة للرجال والنساء فهو في نظر بعض الحكومات والشعوب خائن وعدو للوطن والأمة.

هل في ظل هذا الوضع المتشنج المتطرف من قبل بعض الحكومات والشعوب العربية مجال للتأييد والاعتراض، والتقدم والبناء، والتعبير عن الرأي على ما يحدث؟

والى متى الاختلاف الفكري والديني والشخصي يؤدي إلى الإقصاء والسجن والخيانة والإعدام من قبل الحكومات ورجال الدين والمثقفين ومسؤولي الإدارات، والمدارس، وأين احترام الرأي والرأي الآخر، والحكمة والمحبة، والحلم والعلم، والتنازل والتواضع، والإنسانية والثقة وحسن الظن؟

الدمّام

 

 

للتعليق على هذا الموضوع