11 سبتمبر 2005

 

 

 

سبتمبر حاضر في ذاكرة السعوديين

علي آل غراش

 

علي ال غراش من الدمام : لم تكن هجمات الحادي عشر أيلول (سبتمبر) 2001 التي استهدفت نيويورك وواشنطن وأوقعت نحو 3000 ضحية حادثة عادية وقعت في ارض أمريكية بل كانت زلزالا هز العالم وجعلته في حالة صدمة واستنفار لا مثيل لهما من قبل. كما تمثل منعطفا تاريخيا مؤثرا في التعاطي السياسي العالمي الحديث, وجعلت الإسلام والمسلمين والمدرسة الدينية التي ينتمي إليها المسؤولون عن الهجمات هدفا رئيسيا للأمريكيين، ومن أكثر الدول العربية تأثرا بهذه الهجمات السعودية التي ارتبط اسمها بالحادثة لكون 15 منفذا من حاملي الجنسية السعودية, ولأنها تحتضن قبلة المسلمين في مكة المكرمة ومدينة المدينة المنورة. بالإضافة إلى أنها تمول اكبر عدد من المدارس الدينية والمؤسسات الخيرية والإغاثة الإسلامية في العالم وتشرف عليها .

 

نتيجة لذلك تعرضت الرياض لضغوط هائلة وهجمات إعلامية عنيفة من الإعلام الغربي والأمريكي تحديدا... وكان لابد للسعودية من أن تمتص هذا الغضب وتفوت الفرصة على المتربصين بها وتصلح ما يمكن إصلاحه وتغير النظرة عبر طرق عدة. ومنذ ذلك التاريخ 11 سبتمبر 20001 شهدت السعودية تغيرات كثيرة على الصعيد السياسة الداخلية والخارجية والتعليمية والاقتصادية. ساهمت في تحسن العلاقة السعودية الأميركية.

 

ولا شك أن السعودية وبسبب هجمات الحادي عشر من سبتمبر تأثرت كثيرا ودفعت الثمن غاليا وقامت بأعمال عدة للخروج من الوضع الحرج والصعب، إذ وقفت مع أمريكا في محاربة الإرهاب العالمي والقضاء بجدية ويشكل جذري على الفكر المتشدد الضال الذي يتبناه المجموعة التي قامت بهجمات 11 سبتمبر, والدخول مع أصحاب الفكر الضال في معارك دموية, وشرعت السعودية بمراجعة سياستها الداخلية والخارجية, وتنظيم دور المؤسسات الدينية التي تعمل باسمها في الداخل والخارج فأغلقت مؤسسة الحرمين للأعمال الخيرية و مكاتب مؤوسسات أخرى, مع تشديدها المراقبة على المدارس الدينية وإعادة تأهيل أئمة وخطباء المساجد بما يتناسب والمرحلة. وأصدرت قرارا بمنع جمع التبرعات. وأعلنت أنشاء هيئة مركزية واحدة تجمع عددا من الجمعيات الخيرية، لتحمي الجمعيات الخيرية من الأفكار الضارة وتشرف عليها، وذلك بعد ادعاءات غربية أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر، مفادها ان الأموال التي تصل إلى الجمعيات الخيرية السعودية تستخدم في تمويل الإرهاب والجماعات الإسلامية المسلحة.

 

حذر ومضايقة

 

ونتيجة للكارثة تعرض عدد كبير من السعوديين المقيمين في أمريكا للاعتقال والاستجواب والمضايقة. كما تعرضت السيدات المحجبات للسخرية والمضايقة من بعض المتشددين هناك، ولهذا فضل معظمهم قطع دراساتهم أو مصالحهم والعودة إلى السعودية أو اختيار جهة أخرى. كما تشددت وزارة الخارجية الأمريكية في منح التأشيرات للسعوديين وأصبحت تحتاج إلى اشهر بعدما كان السعودي يحصل على تأشيرة بسهولة ويسر وفي وقت قصير جدا. ولم يتوقف الأمر على أمريكا بل امتد إلى جميع دول العالم التي أخذت تتعامل مع السعوديين بحذر وشك وفرض عدد من الدول العالمية تأشيرات دخول مسبقة على السعوديين لأول مرة.

 

عودة رؤوس الأموال 

ونتيجة لتلك الضغوط والمضيقات للسعوديين سحب عدد من أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة والودائع الضخمة في أمريكا والدول الغربية واستثمارها في داخل السعودية وبعض الدول العربية, وهذه الأموال ساهمت في تحريك الاقتصاد المحلي وانتعاش أسواق الاستثمار وخاصة في مجال العقار والأسهم, وإنشاء عدد من المشاريع الضخمة، وكانت هذه من الايجابيات في أن يلتفت تجار البلد إلى إمكانية الاستثمار في الداخل.

كما قامت السعودية بعملية تغيير وتطوير للمناهج التعليمية وخاصة لمناهج المواد الدينية والتاريخ وحذف ما يتعلق بالبراءة من المشركين وبالحروب الصليبية والصهيونية والجهاد، وقللت حالة التشدد والعداء حيال الذمي والمختلف في المعتقد والمذهب.

 

إصلاح وتطوير

ولم تتوقف الضغوط على السعودية عند هذه الدرجة بل ارتفعت من خلال بعض المتشددين في الإدارة الأمريكية إلى ضرورة معاقبة السعودية حتى وصلت الأمور إلى حدود الحديث عن تقسيمها إلى ثلاث دول، والسعي إلى تشجيع بعض الطوائف والتيارات في المجتمع السعودي. ولكن السعوديين رفضوا تلك الحملة وذلك الدعم الخارجي, مؤكدين على حبهم لوطنهم ودعمهم لقيادة الوطن وعلى اللحمة الوطنية. وتحرك السعوديون من الداخل وبمشاعر وطنية خالصة ومحبة برفع عرائض ومطالب للحكومة للمساهمة في تفعيل الإصلاح والتطوير ومن تلك العرائض شركاء في الوطن قدمها الشيعة, وعريضة الإسماعيلية, وعريضة الوطنين والمثقفين وغيرها. كما عبر الخط المحافظ عبر أكثر من طريقة على أهمية الالتزام بخط الدولة والمنهج الديني السلفي.

 

نقلة إعلامية

وشهدت السعودية عقب 11 من سبتمبر نقلة نوعية وتطورا كبيرا في الإعلام بالنسبة لتاريخ السعودية الإعلامي إذ أخذت بعض الصحف المحلية في طرح قضايا كانت من الممنوعات الرئيسية. ونشرت مقالات تنتقد السياسة التعليمية والمؤسسة الدينية ووصل الأمر إلى انتقاد الرموز الكبيرة للفكر السلفي مثل ابن تيمية. كما بدأت بعض الصحف بطرح أفكار ليبرالية. وبادرت السعودية في افتتاح قنوات عدة: القناة الرياضية للشباب والقناة الإخبارية. و شكلت قناة الإخبارية نقلة نوعية ومفاجأة من العيار الثقيل في تاريخ الأعلام السعودي عندما أطلت المرأة السعودية عبر المذيعة بثينة النصر كأول وجه يطل على الشاشة الجديدة وبمشاركة عدد من المذيعات السعوديات وفي ذلك حتما رسالة على التغيير في السعودية, ولأول مرة يسمح بظهور علماء من غير المؤسسة الدينية الحكومية على شاشة التلفاز الحكومي من الطائفة الشيعية ومن المذاهب والمدارس السنية الأخرى. كما تم تأسيس جمعية الصحفيين السعوديين.

 

الحوار الوطني

وفي تطور كبير يعبر عن حركة التغيير في السعودية بادرت الحكومة إلى أنشاء مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني لتقوية اللحمة الوطنية بين جميع فئات الشعب وكأنه اعتراف رسمي وإعلامي بجميع المدارس المذهبية والفكرية التي تشكل النسيج الوطني. فلأول مرة في تاريخ السعودية يجتمع الليبرالي والسلفي وعلماء من المذهب الشيعي والمالكي والإسماعيلي والزيدي والقبلي والمدني ومن جميع المناطق والمدن والهجرإلى طاولة واحدة بأشراف من الحكومة وعلى مستوى قيادة الوطن. وفي ذلك محاولة للتقريب بين أبناء الوطن وسد الفجوة الواسعة بينهم نتيجة التباعد وعدم وجود ما يجمعهم. كما أطلقت السعودية الجمعية الأهلية لحقوق الإنسان بالسعودية التي تتكون من رجال ونساء من السنة والشيعة ومن جميع المناطق بالتعيين وتأتي تلك الخطوة لمواكبة التطور في العالم بالاهتمام بحقوق الإنسان والارتقاء بالمؤوسسات الوطنية.

 

 الانتخابات البلدية

 ومع بداية عام 2005 تم تدشين أول انتخابات بلدية في السعودية عبر صناديق الاقتراع "الانتخاب المباشر" وكانت المشاركة تقتصر على الرجال فقط ولمن تجاوز أعمارهم 21 عاما ولم تشارك المرأة فيها وأرجئت مشاركتها للدورة القادمة. وتمت عبر ثلاث مراحل حسب المناطق, وشهدت هذه الانتخابات نجاحا كبيرا, واهتماما إعلاميا مميزا في الداخل والخارج بالرغم من أنها الأولى في تاريخ السعودية الحديث وافتقاد الأغلبية للثقافة الانتخابية.

 

المرأة السعودية

ومن أفرازات هجمات الحادي عشر من سبتمبر التركيز الإعلامي الغربي على السعودية من الداخل ونشر التقارير عنها ومن أهم القضايا التي اهتم بها الغرب وآثارها موضوع حقوق المرأة في السعودية... ونتيجة لذلك اهتمت الحكومة السعودية بقضايا المرأة إذ سمحت لها باستخراج بطاقة أحوال مدنية عليها صورتها أسوة بالرجل وأنشأت أقساما للنساء في اغلب الدوائر الحكومية، إلى جانب تعيين موظفات سعوديات في وزارة الخارجية, وفي الجمعية الأهلية لحقوق الإنسان والاهتمام بمشاركة النساء في الندوات الداخلية والخارجية وإعطائها مساحة أوسع للعمل وخاصة التجاري والحضور الإعلامي. فالمرأة دائما الحاضرة الغائبة في القوانين والقضايا والمجالس والإعلام في السعودية, ومن الملاحظ خلال هذه الفترة حضورها ومشاركتها وارتفاع صوتها في المطالبة بحقوقها إذ أنها ترى بأن لها حقوقا كثيرة لم تحصل عليها لغاية الآن وستسعى للمطالبة بها.

 

الفقر والبطالة

ولأن الفقر والحاجة والبطالة لدى الشباب من أهم الأمور التي يستغلها أصحاب الأفكار المتشددة والمتطرفة والضالة اهتمت الحكومة السعودية بالشأن الاجتماعي والقضاء على الفقر والبطالة, وفي محاولة جادة وفي لفتة إنسانية قام خادم الحرمين الملك عبدالله بن عبد العزيز بزيارة للاحياء الفقيرة والفقراء وتأسيس صندوق لمعالجة الفقر في البلاد, وتفعيل مشروع توطين الوظائف "السعودة" للقضاء على البطالة التي ارتفعت إلى أرقام مرتفعة بين الجنسين في السنوات الأخيرة. وما اختيار الدكتور غازي القصيبي انشط واقدر الوزراء إلا دليلا على حللت هذه المشكلة.

 

كارثة الحادي عشر من سبتمبر لم تسقط برجي التجارة العالمية في نيويورك ومبنى البنتاغون في واشنطن فحسب، بل أصابت قلب الأمة العربية الهزيل وزادت من ضعف وهوان جسده العليل، ومن التشتت والتمزق. وكادت تؤدي إلى ما تحمد عقباه لبعض الدول ومنها السعودية وذلك بسبب مجموعة من الشباب المتحمس للأفكار المتشددة والمتطرفة والتكفيرية، مما كلف الوطن وأبناءه الكثير من الخسائر. وستبقى ذكرى 11 من سبتمبر ذكرى مؤلمة وموجعة حاضرة في ذاكرة السعوديين.

 

للتعليق على هذا الموضوع