29 سبتمبر 2005

 

 

أصداء القرارات الجديدة لسوق العمل والعقار السعودي

تفاؤل بتطبيق السعودة وقلق من هجرة الأموال!

 

 

 

 علي ال غراش

 

سادت روح التفاؤل في أوساط المجتمع السعودي بموافقة مجلس الوزراء على القرارات الجديدة لسوق العمل والعمال والعقار الذي يعبر عن جدية وعزم الحكومة السعودية على تطبيق قانون توطين الوظائف "السعودة" وعلى تنظيم سوق العمل, والاهتمام بالعنصر النسائي من خلال إيجاد المزيد من الوظائف لهن وسن أنظمة وقوانين تتفق مع طبيعة المرأة وتحافظ على حقوقها, وكذلك لأصحاب الحاجات الخاصة من المواطنين, والسعي في تحجيم عدد العمالة في السوق السعودي. وممن الأمور المهمة كذلك في القرارات الجديدة سن القوانين لتنظيم سوق العقار وسوق المساهمات العقارية الذي تعرضت لهزة قوية وأضعفت ثقة المساهمين بهذا القطاع من شدة التلاعب في السوق من قبل بعض المستثمرين, وضياع حقوق المساهمين ووجود العديد من المساهمات لازالت معلقة.

 

إلا أن هناك من يرى في قرار سعودة الوظائف بنسبة لا تقل عن 75 بالمائة من مجموع العمالة لجميع المجالات وبدون تحديد وظائف محددة فيه مبالغة, وسيساهم في إغلاق عدد من المحلات التجارية وخاصة الصغيرة,  و كذلك في هجرة بعض الأموال والاستثمارات لكبار المستثمرين الذين يبحثون عن الربح إلى الدول المجاورة.

 

فرحة بالسعودة

 

شعر المواطنون السعوديون بالفرح بنظام العمل الجديد الذي نص بان العمل حق للمواطن لا يجوز لغيره من الوافدين ممارسته وان على جميع المنشآت في مختلف أنشطتها وأيا كان عدد العاملين فيها العمل على استقطاب السعوديين وتوظيفهم وتوفير وسائل استمرارهم في العمل وإتاحة الفرصة المناسبة لهم لإثبات صلاحيتهم للعمل عن طريق توجيههم وتدريبهم وتأهيلهم للأعمال الموكولة إليهم. بأنه قرار قوي وجرئ يعبر عن شجاعة المسؤولين على معالجة البطالة في البلد من خلال أحلال العمالة الوطنية محل الوافدة عبر قرارات قوية وملزمة لجميع المنشات, وتؤكد بأنه لا يوجد مجال للتهرب ورمي الكرة في ملعب السعوديين بأنهم غير مؤهلين وغيرها من مبررات... وان قرار توطين الوظائف يعتبر في هذه المرحلة قرارا سياسيا سياديا للحكومة السعودية, بعد أكثر عشر سنوات من عدم نجاح قانون تحديد نسبة السعودة في القطاع الخاص وزيادته سنويا, وبعد اكثر من سنة من محاولة الوزير المميز غازي القصيبي "وزير العمل" من فرض أنظمة وقوانين صارمة تعرضت للانتقاد من قبل بعض كبار المستثمرين بالبلد.

 

المرحلية

 

إلا أن هناك من يرى في قرار تحديد نسبة العمال السعوديين الذين يستخدمهم صاحب العمل بألا تقل عن 75 في المائة من مجموع العمالة فيه مبالغة بعض الشئ لان هناك بعض المهن من الصعب على السعودي القبول بها لضعف الراتب لأنها أعمال بسيطة لمنشات صغيرة ولا يستطيع رب العمل دفع راتب  يناسب السعودي ويكفي سد حاجته في ظل المستوى المعيشي الصعب ولاسيما أن هناك وظائف أفضل باستطاعة المواطن السعودي الحصول عليها يعمل فيها وافدون, وان من الأفضل أن يتم تطبيق السعودة على وظائف محددة وعلى مراحل على سبيل المثال سعودة جميع الوظائف الإدارية في جميع منشات القطاع الحكومي والأهلي ثم الانتقال إلى الوظائف التنفيذية الإشرافية ثم إلى الأدنى... على أن تكون الرواتب تناسب المستوى المعيشي وظل قوانين ملزمة للطرفين.

 

نسبة عالية

 

محمد الفهد "صاحب منشاة صغير" يرى أن نسبة 75 بالمائة عالية وانه من الصعب أن لم يكن مستحيلا تطبيقها على ارض الواقع لأنها ستسبب مشاكل عديد لأصحاب المنشات الصغيرة التي لا تستطيع أن تتحمل رواتب سعوديين بنسبة 75 بالمائة من عدد العمالة خاصة أن عدد عمالة بعض المنشات في حدود 1-3 فقط وفي مهن بيع الدواجن واللحوم أو الخبز العربي أو البقالات الصغيرة, ويضيف متساءلا هل سيقبل السعودي بالراتب البسيط من هذه الوظائف؟.

 

وقت الحسم

 

بينما هناك من يرى انه حان وقت الجدية والصرامة والحسم في تطبيق الأنظمة واتخاذ القوة وعدم التنازل بفرض السعودة عبر مراحل مع أصحاب رؤوس الأموال وكبار المستثمرين الذين يحاولون دائما التهرب من تحمل مسؤولية توظيف الشباب السعودي الذي تحول إلى فريسة للبطالة والانحراف, مشيرين إلى أن الدولة قامت بما فيه كافية من المراعاة والتنازل للتجار وكبار المستثمرين والتأجيل لتوطين الوظائف وفرض القوانين السابقة التي تحولت بالنسبة لأصحاب المنشات إلى مجرد قوانين على الورق لا تطبق خوفا من انسحاب التجار وهجرة الأموال.   

 

هجرة الأموال

 

وقال احد المستثمرين بسوق الذهب إن شريحة كبيرة من الشعب السعودي تشعر بنشوة الفرح بقرار السعودة إلى أن القلق والارتباك يسود قطاع المستثمرين وأنها في الحقيقة تمثل صدمة كبيرة لعدد منهم, وهذا القانون سيساهم في زيادة عدد الأموال المهاجرة للخارج ولإغلاق المزيد من المحلات التجارية الصغيرة والمتوسطة, والتوجه للاستثمار في مجالات أخرى مثل المساهمات العقارية وسوق الأسهم المالية لاسيما أنهما حققا طفرة هائلة في قيمة العوائد المادية, والاتجاه للمساهمة في مشاريع خارج الوطن التي بدأت بقوة منذ تشدد وزارة العمل مع مجيء الدكتور غازي القصيبي للوزارة والتي تعد بمئات المليارات وفي ذلك خسارة للاستثمارات في داخل البلد في مجال استقطاب العمالة الوطنية.

 

فيما يرى أن انسحاب بعض كبار المستثمرين لن يضر السعودية لان السعودية تمثل سوق تجاري كبير جدا وليس هناك مقارنة بين السوق السعودي مع أي دولة خليجية أخرى وان من ينسحب هو الخسران.

 

الراتب والدوام

 

ويعلق عبدالله السعود "موظف" إن القرار خطوة جيدة لتوطين الوظائف وليس حلا كاملا وجذريا موضحا أن السعودي يبحث عن الراتب الذي يسد رمقه ويجعله يعيش وضعا مستقرا فالسعودي يعمل في أي مهنة إذ وجد الراتب الجيد.. وخير دليل على ذلك وجودهم في وظائف صعبة ومتعبة وفي بعض المهن كمزارع أو دهان أو نجار أو طباخ أو سباك في شركات كبيرة مثل أرامكو لأنهم يستلمون رواتب جيدة. والمشكلة أن اغلب المنشات الخاصة رواتبها ضعيفة لا تساهم في استقرار الشاب في عمله بالرغم من وجوده على راس العمل بل نجده مضطربا يفكر في البحث عن الأفضل, وكذلك عدم وضوح العقود وعدم وجود التأمينات وعدم احترام ساعات العمل حسب النظام 8 ساعات في اليوم, والحصول على إجازة أسبوعية, وعدم تحديد ساعات الدوام بما يناسب العلاقات الإنسانية والاجتماعية حيث إن بعض المهن تبدأ في الصباح لغاية الظهر ومنذ العصر لغاية منتصف الليل, وعدم وجود بدائل تناسب الوظيفة كمهنة حارس الأمن.

 

حارس امن

 

حول صعوبة هذه المهنة تحدث لنا عبدالعزيز ناصر " حارس امن بإحدى الشركات الأمنية" بان له أكثر من عشر سنوات وراتبه لم يصل لغاية الآن (2000) ألفين ريال, ومر عليه طوال فترة عمله المئات من السعوديين الذين لم يستمروا في العمل نتيجة العمل لمدة 12 ساعة أو أكثر في اليوم وتأخر الرواتب, وعدم وجود أي حافز أو بدل خطورة للمسؤولية الأمنية بحراسات بنوك أو مواقع حساسة. ويطالب عبدالعزيز الجهات المسؤولة في وزارة العمل والجهات الأمنية النظر بعين الشفقة والمسؤولية للعاملين في الشركات الأمنية الذين يمثلون توأمة مع رجال الأمن في وزارة الداخلية بان تحدد لهم رواتب جيدة وحقوق وعلاج وغيرها ما تساهم في استقرارهم وإخلاصهم وتفانيهم في مهنتهم الحساسة, وانه يامل الحصول على ما يريد من خلال القانون الجديد.  

 

مكاسب للمرأة

 

وأكثر شرائح المجتمع سعادة بالقرارات بالإضافة للشباب العاطل عن العمل النساء إذ أجاز القرار للمرأة العمل في كل المجالات التي تتفق مع طبيعتها على أن يكون لها الحق في إجازة وضع لمدة الأسابيع الأربعة السابقة على التاريخ المحتمل للوضع والأسابيع الستة اللاحقة له، ويمثل هذا القرار مكسبا جديدا للمرأة السعودية بما تحققه في فرض وجودها ومكانتها في المجتمع السعودي المحافظ ووجود بعض التشدد من قبل بعض المؤوسسات التي تتحفظ على حصول المرأة على بعض حقوقها منها ممارسة العمل في الكثير من المهن التي تتفق مع طبيعتها بشكل رسمي وتحت قانون واضح يعترف بذلك الحق لها, ومن المكاسب الكبيرة أن القانون لم يحدد وظائف معينة بل جعلها مفتوحة مع ما يتفق مع طبيعتها الأنثوية والشرعية المتعرف عليها عند جميع المسلمين مما يعني أن المرأة السعودية ستنطلق بشكل أفضل مدعومة بالقرار, وقالت مها الحبيب موظفة إنها سعيدة بالقرار الذي يؤكد على حق المرأة بالعمل وعلى حقوقها التي لازالت ضائعة لعدم وجود قانون يحددها في ظل مزاجية ومصلحة أصحاب المنشات التي تحاول أن توظف المرأة بأقل راتب وبدون عقود أو تأمينات أو زيادة في الرواتب المتدنية

بالرغم من السنوات الطويلة مستغلين عدم أو قلة فرصة الحصول على البديل لقلة المجالات المتاحة للمرأة السعودية.

 

وطالبت سعاد العيسى من القائمين على وزارة العمل على تشجيع ودعم المرأة العاملة وعلى إشاعة القوانين والحقوق العمالية لتتعرف على حقوقها القانونية. وتؤكد العيسى أن المرأة السعودية تستغل كثيرا ماديا وحقوقيا نتيجة الجهل بالقوانين مع أن الكثير منهن لديهن شهادات عليا.

 

كما أثنت السيدات العاملات على قرار اللزام صاحب العمل الذي يشغل 50 عاملة فأكثر بتهيئة مكانا مناسبا يتوافر فيه العدد الكافي من المربيات لرعاية أطفال العاملات الذين تقل أعمارهم عن ست سنوات. بان ذلك يساهم في استقرار المرأة والاطمئنان على أبنائها بأنهم في أيدي أمينة وبدون اللجوء إلى المربيات أو الأمهات والقريبات, وان هذه القانون سيساهم في تشجيع عدد كبير من النساء السعوديات للتوجه إلى ساحة العمل التي تشهد المزيد من الفرص للنساء في ظل عدد العاطلات بالرغم من حمل الشهادات والمؤهلات والطاقات المتنوعة.

 

توظيف المعاقين

 

والجميل في القرارات أنها اهتمت بشان توظيف أصحاب الإعاقات من الجنسين إذ ألزم النظام كل صاحب عمل يستخدم 25 عاملا فأكثر وكانت طبيعة العمل لديه تمكنه من تشغيل المعوقين الذين تم تأهيلهم مهنيا أن يشغل 4 في المائة على الأقل من مجموع عدد عماله من المعوقين المؤهلين مهنيا. والمعاقون في السعودية كبقية العالم يوجد فيها معاقون من الجنسين بأنواع مختلفة منهم يحمل شهادات في تخصصات مرغوبة وبعضهم لديهم قدرة على العمل وذكاء ونباهة, ويشكل هولاء شريحة تحتاج إلى المساعدة والرعاية الخاصة وإيجاد الوظيفة المناسبة التي تغنيهم عن الحاجة للآخرين وهي شريحة غائبة عن أذهان الكثير من أصحاب المنشات حيث إن معظم هولاء يعينون في القطاعات الحكومية.

 

صحوة العقار

 

وحول القرارات الصادرة بخصوص تنظيم الاستثمارات العقارية التي أكدت على أن تكون أرض المساهمة مملوكة بصك شرعي ساري المفعول باسم المتقدم بطلب طرح المساهمة وضرورة تسجيل الصك في كتابة العدل بما يفيد أن الأرض تحت المساهمة، وعدم التصرف في الأرض خلال مدة المساهمة, وألا تقل ملكيته في المساهمة عن 20 في المائة من قيمتها، وأن يكون للوحدات العقارية المطروحة للمساهمة رخصة بناء سارية المفعول صادرة من الأمانة أو البلدية و وجوب فتح صندوق استثماري باسم المساهمة وفقاً لنظام السوق المالية ولوائحه، بعد الحصول على موافقة وزارة التجارة لإقامة تلك المساهمة, وغيرها من قوانين يرى فيها حسين عبدالله النمر(رجل أعمال وكبير رجال العقار في المنطقة الشرقية) إنها تأتي لتصحيح الأخطاء التي حدثت في السوق وساهمت في زعزعة وأضعاف الثقة بالمساهمات العقارية, نتيجة ضعف الأنظمة السابقة, ويضيف النمر: أن القرارات الجديدة ستساهم في عودة الروح والحركة والنشاط إلى سوق العقار والى كسب ثقة المساهم من خلال الشفافية في التعامل والوضوح والمحافظة على الحقوق المادية لجميع المساهمين والمستثمرين والشعور بالطمأنينة في الدخول في المساهمات بدون

خوف من الاستغلال والغش والاستغفال وضياع الأموال, والدخول في مشاكل ومحاكم.

 

ويأمل السعوديون من خلال القرار الجديد أن ينهض سوق العقار من كبوته وان يتم حل المساهمات العالقة والمجمدة وان تعود حقوق المساهمين في المساهمات التي تم التحفظ عليها لاسيما أن الدولة قامت بوضع اليد على جميع الأموال لبعض تلك المساهمات والضغط على أصحاب المساهمات الأخرى بإعادة الحقوق إلى أهلها, وان يتم تدول أسهم المساهمات العقارية عبر مكاتب قوية مضمونة تضمن أموال المساهمين, وطرح المساهمات عبر الشاشات باستخدام أفضل الوسائل المتطورة.

 

التطبيق ثم التطبيق

 

وفي الأخير الكل يتفق على أهمية تلك القرارات ولكن المهم تطبيقها على ارض الواقع بحزم وعقل، وبتعاون أصحاب الشأن أصحاب الأعمال والمنشات, بالخصوص كبار المستثمرين الذين يشكلون لوبي قوي ومؤثر, وان نجاح المشروع متوقف على تعاونهم وتقبلهم للقرار وعلى حزم وقوة وزارة العمل فطالما الحكومة أصدرت قرارات وقوانين لتطبيق السعودة ولكنها لم تحقق الهدف المرجو للقضاء على البطالة, وان على الوزارة أن تزيد من العمل الميداني عبر تشديد الرقابة والتفتيش ومنع منح التأشيرات إلا حسب النظام بدون تمييز ..., والقضاء على العمالة السائبة, وقال البعض انه يتخوف أن تطبق هذه الأنظمة: توطين الوظائف, والنسبة. على صغار التجار وعل المنشات الصغيرة التي أصبحت تترنح.

 

*من الدمام 

 

للتعليق على هذا الموضوع