6 ديسمبر 2006

 

 

 

 

 

الأمطار تفضح استعدادات البلديات

مدن سعودية تتعرى تحت رشات المطر

علي ال غراش

 

كشفت مياه الأمطار التي سقطت مؤخرا على مناطق السعودية عن حقيقة سوء التخطيط وضعف الاستعدادات والإمكانات لتصريف مياه الأمطار, وهشاشة البنية التحتية للمدن السعودية ومنها الشهيرة. وفضحت مسلسل التقصير المتكرر في كل عام على هذا الصعيد من قبل الجهات المسؤولة, وتبخر مليارات الريالات المخصصة ... حيث  تحولت اغلب المدن السعودية بسبب الأمطار إلى بحيرات ومستنقعات وأصبحت الطرق الرئيسية والأنفاق داخل المدن وبالذات الحديثة  إلى برك كبيرة وخنادق ومصيدة للسيارات ..., إذ تعطلت الحركة المرورية في الطرق الداخلية والرئيسية, ووقعت المئات من الحوادث...مما أدى إلى وقوع عدد كبير من الإصابات البالغة, والوفيات. بالإضافة إلى تسرب المياه داخل المنازل والمحلات التجارية لارتفاع منسوب مياه الإمطار. كما طفحت مياه الصرف الصحي في الطرق, واختلطت بمياه الأمطار مسببة رائحة كريهة, و تحولت فوهات المجاري إلى نوافير تضخ المياه إلى أعلى السطح.... نتيجة عدم قدرة أنابيب تصريف المياه والمجاري من استيعاب الأمطار التي هطلت.

 

ولم تسلم الدوائر الحكومية من مشكلة مياه الأمطار... إذ تسربت المياه إلى بعض مباني الدوائر الحكومية ومنها المدارس.... حيث تم إغلاق البعض منها لعدم تمكن الطلبة والمعلمين من الدخول لأنها أصبحت وسط بحر من المياه - تحتاج إلى قوارب - بالإضافة إلى تسرب الأمطار للفصول!

 

وسائل الإعلام السعودية المحلية (الصحفية) وجدت هذا العام في موسم هطول الأمطار مادة دسمة مثيرة تهم الشارع السعودي نتيجة حجم الأضرار والمعانات الناتجة عن سقوط الأمطار وغرق المدن والقرى في البلد.

 

وقد تسببت مياه الأمطار في تدني الحركة في معظم أحياء المدن السعودية, وحاصرت بعض المواطنين في منازلهم حيث لم يتمكنوا من الخروج لصعوبة التحرك بالسيارة التي أصبحت وسط بحيرة من المياه بالإضافة إلى تعطل البعض لتسرب المياه إلى داخلها بعدما وصلت للمحرك. مما اضطر البعض للاتصال على الطوارئ والدفاع المدني لإيجاد حلا سريعا, والبعض لم يتمكنوا من الذهاب إلى أعمالهم.  ورحمة بالمواطنين اصدر الأمير نايف وزير الداخلية قرارا يمنع معاقبة الموظفين أو الخصم من رواتبهم بسبب التأخير في فترة سقوط الأمطار.

 

استياء شعبي

المواطنون السعوديون مستاءون جدا من الوضع نتيجة تكرار هذه المشكلة بشكل سنوي في جميع المدن... ومن استمرارها بدون إيجاد حل جذري ... التي تؤدي إلى خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات والأموال الخاصة والعامة.., السعوديون يتساءلون: لماذا كل هذه المعانات والماسي في كل عام؟ وأين تذهب المليارات التي تصرف على مشاريع تصريف مياه الأمطار؟ ولماذا لا يتم محاسبة المقصر؟ وأين الاستعدادات التي يفتخر بها مسؤولو البلديات قبل دخول موسم الأمطار , التي تنفضح مع أول قطرة مياه؟ ومن الجهات المسؤولة عن تلك المشاكل المصاحبة لسقوط الأمطار؟ وهل هذه المناظر تجمع المياه وإغلاق الطرق في المدن الرئيسية كجدة والرياض والدمام, يناسب سمعة وتطور المملكة ويجعلها ضمن المدن المتقدمة؟ وما هو الحل الجذري؟

 

شهدت السعودية خلال الـ 25 عاما الأخيرة انشأ العديد من المدن الحديثة التي تتكون من أحياء خططت وصممت بمواصفات ومعايير على انها أفضل المعايير الموجودة في الدول المتقدمة..., ولكن مع هطول المطر ينكشف المستور .. ويتضح ان هذه المدن في حقيقة الأمر تفتقد لأسوء المعايير ولو على مستوى الدول الفقيرة وليس المتقدمة من حيث تصريف الأمطار.

بل ان الأحياء القديمة الشعبية في المدن والقرى السعودية والتي نشئت بدون الاعتماد على مخططين أكاديميين وتقنية عالية وبميزانية مرتفعة جدا, ولا تجد عناية كبيرة من الخدمات حاليا بعكس الأحياء الحديثة فهي ...أفضل حالا من الأحياء الحديثة التي تستهلك ملايين الريالات لأجل التجميل!!

 

وبرزت مشاكل مياه الأمطار ومستوى المعانات على الساحة المحلية السعودية مؤخرا بشكل ملفت, بفضل الإعلام الذي اخذ  يرصد ويغطي  آثار الأمطار السلبية, بالإضافة إلى تصاعد حدة الانزعاج والشكاوي من قبل المواطنين للعلن. إذ لا تخلو صحيفة محلية عن خبر أو شكوى ومعاناة ومأساة مصاحبة لسقوط المطر.

 

المطر يكشف المستور

وقد تحول المطر بسبب المشاكل الناتجة عنه لسوء التخطيط  إلى زائر سنوي غير مرغوب فيه للأهالي. و إلى شبح مخيف وعدو أول للمسؤولين في وزارة البلديات والأمانات والمياه والصرف الصحي ... فمهما قالوا عن مدى استعداداتهم بالمشاريع التي يقومون بها وتفاخروا بتكلفتها ذات الأرقام العالية... فمع  هطول المطر تنكشف الحقيقة وحجم التقصير, وعدم فعالية المشاريع. وعيوب مواصفات إنشاء المشاريع كالطرق والمباني.

كما ساهم المطر في سقوط أسماء بعض المسؤولين في الأمانات والبلديات. وبسخرية يردد بعض السعوديين: ان مسؤولي الأمانات والبلديات أصبحت لديهم حساسية مفرطة بكل ما اسمه مطر وانه علامة شؤم لدرجة أن معاملة من اسمه مطر تنجز في الحال لكي لا يتردد على الموقع ويجلب الشؤم!.

 

 

كما كان لمياه الأمطار دور كبير في الكشف عن الوجه الحقيقي للمدن السعودية الراقية التي تمثل التطور الحضاري والعمراني في المملكة كمدينة جدة عروس البحر الأحمر الشهيرة التي ظهرت على حقيقتها بفضل مياه الأمطار بأنها من أسوء مدن المملكة من ناحية تصريف الأمطار - رغم أنها ساحلية وبدأت التنمية فيها منذ  وقت مبكر جدا - وانها تعيش فوق اكبر مستنقع ...مستنقع ساهم في نمو البعوض ووجود بيئة مناسبة لمرض ما يعرف بالضنك.

كما كشف المطر عن الأخطاء الفادحة لمشاريع تصريف مياه الأمطار في العاصمة مدينة الرياض التي تخصص لها الميزانية الأكبر.. حيث تتحول بعض طرقها إلى برك , وتمتلئ الأنفاق بالمياه .. وقصة باص نقل المعلمات والطالبات الذي علق في احد الأنفاق بسبب المياه وتم أخراج الفتيات عبر مساعدة المارة من الرجال سباحة.. حاضرة في أذهان المسؤولين والشعب السعودي!

كما لا يمكن تجاهل ما يحدث في منطقة جيزان جنوب السعودية من حدوث أضرار ومعاناة للمواطنين تصل إلى حد الوفيات مع هطول الأمطار في كل عام .

 

المنطقة الشرقية

المنطقة الشرقية بالسعودية ليست بعيدة عن مشاكل مياه الأمطار التي تكرر في مدنها وقراها في كل عام كالعادة, وقد شهدت المنطقة هذا العام صورا مؤلمة من المعاناة مع الأمطار التي  أظهرت واقع مدن الشرقية الجميلة التي تستوعب الزوار من داخل وخارج الوطن خلال أيام الصيف وعيوبها التخطيطية وافتقادها الجاهزية في التعامل مع هطول الأمطار, ومأساة عدم وجود شبكة الصرف الصحي" المجاري" في عدد من أحياء مدنها وقرها, وكذلك شبكة تصريف مياه الأمطار..حيث تحولت مدن الشرقية إلى  برك ومستنقعات..., وتسببت المياه في إغلاق الأنفاق والطرق الرئيسية وتعطل المحركات, وعزل بعض الأحياء منها التي تقع في قلب مدينة الدمام العاصمة الإدارية. وتحولت بعض المدارس في مدينة الدمام إلى جزر وسط بحيرة من المياه اضطر الطلبة إلى ممارسة السباحة والخوض في المياه عند الدخول والخروج!!

وتحولت الشوارع التي أمام مبنى إدارة هيئة الري والصرف بمدينة المبرز في الإحساء إلى مستنقعات هائلة للمياه.. لم تستطع الهيئة المسؤولة عن الصرف في المنطقة من المساهمة إيجاد حل لما يقع أمامها سنويا!

 ووقعت في المنطقة الكثير من الحوادث المرورية فاقت 250 حادثا داخل وخارج المدن في يوم واحد.

ولم تتمكن البلديات وبمساعدة الجهات الحكومية من السيطرة على الوضع بالسرعة المطلوبة بالرغم من استخدام مكائن الشفط المتنقلة. والجهد الكبير الذي يبذله بعض الموظفين والعمال في الشركات المسؤولة عن خدمة النظافة العامة وشفط المجاري... لان المشكلة اكبر من الإمكانات الموجودة التي لا تناسب مساحة المناطق المتضررة.

 

مليارات تتبخر

الحكومة في كل عام تخصص جزاءا من الميزانية لأعمال تصريف المياه والصرف الصحي لكل منطقة, وتقوم الجهات المسؤولة بتنفيذ المشاريع باسم مشاريع تصريف الأمطار والمجاري...حيث تستمر الاعمال لمدة شهور تكلف ملايين الريالات.. ولكن عندما تتساقط الأمطار تنكشف الحقيقة وحجم التقصير وفشل هذه المشاريع!!

وتسبب مياه الأمطار اضرارا فادحة للعديد من المباني والطرق التي ظهرت عليها علامات التآكل والتشقق وسقوط بعض الحجارة. مما يعني ضرورة تأهيل الطرق من جديد وصرف المزيد من الأموال عليها التي تتبخر مع كل موسم.

 

 

السؤال المحير والمكرر في كل عام ما فائدة الاستعدادات والملايين التي تصرف على مشاريع شبكة تصريف مياه الأمطار؟

 

والملفت في المنطقة الشرقية أن مشاكل المياه لا يمكن رصدها في الأحياء التي خططت وأنشأت باشراف من قبل بعض الشركات الكبرى في المملكة كالمدن والأحياء التي بنتها شركة ارامكو السعودية أو الهيئة الملكية في الجبيل ... حيث تتمتع هذه الأحياء بتخطيط مميز ونموذجي تم اخذ الاعتبار للمياه عبر تخصيص مواقع للأمطار والتدرج... بينما بقية المدن التي تشرف تخطط وتشرف عليها وزارة الشؤون البلدية والقروية تعج بالمشاكل نتيجة الأمطار.

احد الوافدين الاسيويين قال باستغراب نحن من دول فقيرة وإمكانياتنا المادية ضعيفة ويهطل المطر هناك  بشكل أكثر كثافة مما يقع في هنا "السعودية" ولكن لا نرى هذه الفوضى!

 

وعلق بعض المواطنين على غرق الشوارع بالمياه قائلا: ان المدن السعودية في موسم هطول الأمطار لديها القدرة على منافسة المدن الشهيرة في العالم كمدينة البندقية لو وجدت التسويق السياحي!

 

وحول ما يجري في المنطقة الشرقية من معاناة للمواطنين ومعوقات ترافق هطول الأمطار اعترف أمين أمانة المنطقة الشرقية المهندس / ضيف الله بن عايش العتيبي: بان هناك معوقات أبرزها المستنقعات الكبيرة التي تصل إلى 60 مستنقعا وكذلك ارتفاع نسبة المياه الجوفية والقصور في شبكات تصريف الأمطار والقصور في الصرف الصحي وكذلك المناطق السكنية التي تتخللها مناطق صناعية, موضحا ان المنطقة الشرقية واسعة المساحة تضم 11 محافظة و107 مراكز ما بين فئة (أ) وفئة (ب).

 

المواطنون السعوديون في جميع المناطق يطالبون الجهات الحكومية بالعمل بحكمة لإيجاد حلول حقيقية وجذرية لمشاكل مياه الأمطار التي تغرق المدن وتعطل المصالح, وتدمر الممتلكات العامة والخاصة... والتي تؤثر على الصحة العامة وتشوه وجه التطور والتمدن الذي تعيشه المملكة, وان الوقت حان لإيقاف نزيف ملايين الريالات على مشاريع تصريف مياه الأمطار لا تغني ولا تسمن من جوع. عبر الاستفادة من المهندسين المدنيين ومن تجارب الشركات الكبرى في المملكة كشركة ارامكو, وعبر أنشاء شبكات صرف صحي أولا في جميع الأحياء.

 

ali_slman2@yahoo.com

الدمام

 

 للتعليق على الموضوع